سلايدرسياسة

مشعل يرفض أيرنة حماس!

علي شندب

أثارت زيارة خالد مشعل رئيس حركة حماس في الخارج الى لبنان ولم تزل تثير حتى بعد انقضائها الكثير من السجالات المكبوت منها والمكنون أكثر من المعلن والمنشور. بيت قصيد السجالات أنها لم تعد من أسرار الغرف المغلقة التي يفاخر حزب الله أنه أرساها خصوصا في العلاقات بين الحلفاء، لا سيما الحاملين لمشعل المقاومة. لم يعد سرّاً أن حزب الله حاول إجهاض الزيارة ومنعها، وعندما أجهضت مساعيه المكثفة حاول الالتفاف عليها وتجويفها عبر سدّ أبوابه السياسية والاعلامية والرسمية بوجهها.

لم يعد سرّاً أن خالد مشعل يعلم بفيتو حزب الله عليه وليس فقط على زيارته بيروت، ومع ذلك واجه الفيتو الحزبلاهي بالإصرار على القيام بزيارته الرعوية الى المخيمات الفلسطينية التي تدخل ضمن صلاحياته التنظيمية والسياسية والحركية. فيتو حزب الله الصارخ ضد مشعل، رفضه الأخير ربما بهدف تجحيظ التباينات العميقة مع الحزب ومن خلفه إيران.

ليس سهلاً أن تعمد قيادة حزب الله الى تهميش قيادة حركة حماس، ما يدفعنا الى طرح السؤال حول صراع الكاريزميات خصوصا حول ملف المقاومة ضد اسرائيل. انه الملف الذي حاول زعيم حزب الله ولم يزل، الامساك المتفرد برايته وناصيته كقائد ليس لمقاومة حزب الله، وإنما لكل حركات المقاومة، وعندما تضيق عباءة الموقع على نصر الله يحاول الباسها الى مرشده الأعلى علي خامنئي، فمن ينسى تشبيه نصرالله لخامنئي بـ «حسين العصر»؟

بات جلياً من خلال سلوك حزب الله مع خالد مشعل والحرم الذي فرضه الحزب على كثير من القوى السياسية لعدم لقاء مشعل، كسره بمهارة سياسية متوازنة وليد جنبلاط. فالحزب يسعى لشطب كاريزما مشعل من أمام نصرالله بوصفها المعيق لكاريزما تسيّده على حركات المقاومة وخصوصاً في فلسطين. وبالكلام عن صراع الكاريزميات علينا ألا نغفل كيف ومن شطب رفيق الحريري وصدام حسين، وعلي عبدالله صالح وطبعا معمّر القذّافي!

وبالكلام عن القذّافي تفيد الاشارة أن حسن نصرالله وخالد مشعل قد تخندقا تحت راية الناتو ضد معمّر القذّافي عام 2011. ويومها اتهمت الخارجية الليبية حزب الله بالمشاركة الصريحة بالقتال الى جانب ثوار الناتو ومجاهديه. وقع الاتهام كان قاسياً على حزب الله الذي سارعت وحدته الاعلامية الى اصدار بيان ينفي المزاعم القذّافية. موقف الحزب لم يتوقف عند البيان. بل أوفد شخصية أكاديمية من خارج طاقمه السياسي الى القيادة الليبية. ويومها جهدت تلك الشخصية (الموفدة من قيادة حزب الله بشخص الحاج حسين الخليل) في محاولة إقناع الجانب الليبي بأن المقاتلين الذين يشاركون مع ثوار مصراتة هم من حركة حماس وليسوا من الحزب. ولإثبات ذلك قدم موفد حزب الله الى محاوريه في المخابرات الليبية أشرطة مدمجة تثبت تورط حماس عسكرياً في القتال الى جانب مجاهدي الناتو! ويومها تظاهر الليبيون بقبول حجج موفد حزب الله، واعتبروها وخرجاً وبداية التراجع عن الانخراط تحت راية الناتو. لكن مرحلة ما بعد سقوط نظام القذّافي أثبتت أن الحزب كان ضالعاً في القتال ضد القذافي تحت تغطية الأباتشي والبوارج الأطلسية.

انه الانخراط الذي فعلته حماس بلسان خالد مشعل واسماعيل هنية وموسى ابو مرزوق الذي صدم من رفض أحد رموز القذافي (المعنيين بحركات التحرر الفلسطينية خاصة) مصافحته خلال مراسم عزاء في القاهرة العام الماضي، ومبلغ الصدمة التي تلقاها أبومرزوق أن صديقه الليبي سابقاً قال له في قاعة العزاء وعلى مسمع المعزّين «أنتم شركاء الناتو في قتل معمر القذّافي، والشعب الليبي لن يغفر لكم او يسامحكم». واذ نسوق هذه الواقعة فبهدف الرد على خالد مشعل الذي ردّد كثيراً، ومؤخراً في بيروت «أن حماس رفضت الانخراط الى جانب الانظمة ضد الشعوب كما في سوريا، وترفض التدخل ضد الانظمة لصالح الشعوب». ربما تمنى مشعل أن يكون موقفه وحركة حماس بعدم الانخراط، لكن وقائع الحرب السورية والحرب الليبية أثبتت وتثبت تورطهم حتى النخاع ضد النظامين، وهذا ما جعل حماس تخسر الكثير من وهجها بسبب تقديمها الأجندة الإخوانية على القضية الفلسطينية.

الغدر لا الوفاء، سمة سلوك مشعل وحركة حماس مع القذافي، وهو سلوك متناسل من غدر آخر مارسه مرشد إيران علي خامنئي ضد حليفهما السابق معمر القذّافي وعلى هذا النحو غزل نصرالله منواله. لكن ما جمع إيران ونصرالله ومشعل حماس في ليبيا فرقهم في سوريا. ويبدو أنه يفرقهم حتى في فلسطين التي اختطفها الخطاب الإيراني المنفوخ بمعزوفة «تدمير اسرائيل خلال 7 دقائق ونصف» قابلها تهديدات اسرائيل بتدمير ايران، ما عكس حجم النفاق التخادمي المضبوط الايقاع بين الطرفين.

ويبدو أن السيد نصرالله وعلى خطى قادته في ايران، امتهن استعراض الخرائط، واطلاق صليات الصواريخ الصوتية. وكلنا يتذكر أن تهديدات نصرالله بقصف حيفا وما بعد بعد حيفا والتي استنفدت أغراضها، باتت مثار سخرية حتى في بعض البيئات الرافضة للاحتلال الاسرائيلي.

بعد سنوات على اشهار معزوفة ما بعد حيفا، أتت معركة غزة الأخيرة نجدة لحي الشيخ جرّاح في القدس، لتثبت أن مبادرات ما بعد حيفا هي بيد الفلسطينيين. الفلسطينيون الذين حققوا وحدهم قصب السبق في قصف تل أبيب ومطار بن غوريون وغيره من المدن والقواعد الاسرائيلية. انها المعركة التي غيرت من توازن القوى مع اسرائيل بدون شك، كما إنها المعركة التي جوّفت كل خطاب نصرالله التعبوي ورمته أرضاً، وجعلته مجرد منصة صواريخ صوتية لا غير.

يومها توقف كثيرون عند شكر حماس لإيران. انه الشكر الذي قوبل باستنكار كبير من أوساط عربية واسلامية وازنة وواسعة، وهو الشكر الذي اضطر خالد مشعل اياه لبذل الكثير من الجهد بهدف تبريره، وتمكنه من القول لنظرائه وخصوصاً في المقاومة العراقية الأصلية وأيضاً بالأمس في بيروت، «ان شكر حماس لإيران محصور بدعمها لنا ضد اسرائيل، ولا يعني دعماً وتأييدا لإيران في ما تفعله بالبلاد العربية.

صحيح أن خالد مشعل بل وحركة حماس لم يصدروا أي بيان او موقف حيال تصريحات قائد «مقر خاتم الأنبياء» في الحرس الثوري الجنرال غلام علي رشيد، الذي اعتبر حركة حماس أحد جيوش إيران الستة التي أسّسها قاسم سليماني للدفاع عن طهران. لكن موقف غلام رشيد هذا، تعبير صريح عن حقيقة نظرة دهاقنة طهران لحماس والجهاد ومن في حكمهم. إنها الايرنة تدب على الأرض. أيرنة حماس هو ما تريده ايران. وأغلب الظن أن مشعل وحماس قد أبلغوا إيران رفضهم لهذا الموقف المهين الذي صوّرهم أشبه بمرتزقة أو بندقية للإيجار، حراجة الموقف دفعتهم الى الصمت السياسي، أما الصمت الاعلامي فقد تكفل بيان خجول لحركة الجهاد بكسره دون أن يخدش حياء مطلق مسؤول ايراني.

إنها الأيرنة اذن، تلك التي تحاول إيران فرضها على حلفائها، بعد أتباعها. وهي الايرنة التي تمكنت من بعض حماس وباتت تمتلك أكثر من جناح فيها، برز بعضها مؤخراً في محاولة تسفيهية يائسة لبعض الإعلام الذي نقل بعض مكنونات خالد مشعل خلال زيارته لبيروت.

مشكلة حزب الله مع حلفائه غير المتأيرنين ولو كانوا بوزن خالد مشعل، أنه وصل لمرحلة لم يعد يقبل فيها بأقل من الأيرنة الكاملة. لهذا كان لهاث الحزب وسعيه لتطويق وتجويف زيارة مشعل فاقعاً وغير مألوفاً في تعاطي الحزب حتى مع خصومه. ولهذا بدت محاولة التنكيل بمشعل من قبل بعض الأصوات التي تعكس موقف الحزب، بوصفه يشكل حائط الصدّ الأخير في منع أيرنة حماس وسقوطها كاملة في الحضن الإيراني.

مشكلة حزب الله، أنه لم يتعامل مع مشعل أقله وبالحد الأدنى كما يتعامل مع حليفه غير المختلف ايديولوجيا مع اسرائيل، في لحظة يرجح أن تتوسّع فيها مروحة تصنيفه تنظيما ارهابيا خصوصاً بعدما كشفه التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، والذي خلص الى إظهار حزب الله بمثابة عدو كامل الاركان الارهابية. وهو التظهير الذي قدم من خلاله التحالف العربي ترسانة ضخمة من الأدلة والقرائن التي ستدفع السعودية الى التعامل مع الحزب كعدو، ما سيكون له الكثير من التداعيات والارتدادات العربية والاسلامية وخاصة الفلسطينية التي ستتعامل مع الموقف وفقاً لترجيحها الأمن القومي العربي على ما عداه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق