سياسة

خارج المتاهة

إنقلاب البرهان - حميدتي ... من أين ؟ وهل من فوائد ؟

محمد عتيق

  هكذا يسير التاريخ في أغلب  منعرجاته ؛ أن تكون في أحشاءِ السيئاتِ حسنات مشرقة .. البطش والكرب الشديد في المجتمع لا تنتج عنهما القوة النضالية المقاوِمة فحسب وإنما أيضاً التحوُّلات في الأفكار وفي المواقف .. وهذا ما يحدث للثورات وحركات التغيير الكبرى كثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية العملاقة ، فهي صفحات ومراحل ؛ فإذا كانت رياح الثورة الشعبية العاتية قد أسقطت النظام الفاسد كصفحةٍ أولى في التغيير ، فقد وجدت الثورة عناصر معيقة لها لتتقدم : من جانب ، كان النظام قد تمكن تماماً من أجهزة الدولة المدنية ، الأمنية ، العسكرية والاقتصادية المختلفة خلال السنوات الطويلة التي حكم فيها بما جعل من ذلك دولةً موازيةً للدولة فنهضت تقاوم الثورة والتغيير بتلك الأسلحة (أسلحة ألدولة الموازية) .. ومن جانبٍ آخر ، كان توازن القوة/الضعف بين الحركة السياسية والنظام الساقط  قد وصل حداً اتفق فيه الطرفان (المدني والعسكري) على تأسيس شراكةٍ بينهما لقيادة المرحلة الانتقالية .. غير أن الجانب العسكري كان متفوِّقاً على المدنيين بحكم سيطرته على الأجهزة المسلحة ، فهو سليل النظام الساقط ، حامل أختامه ومفاتيحه في كافة ارجاء الدولة .. هذا المكون العسكري عبارة عن تحالف بين قيادات من مختلف القوات النظامية ومليشيات الجنجويد «الدعم السريع»(هنا تجدر الإشارة إلى أن القوات النظامية كانت قد ورثت من رأس النظام الساقط أكبر جريمة في تاريخ العسكرية السودانية ؛ ذلك عندما حاصرته الأزمات من كل جهة وفقد الثقة في جهاز أمنه وقواته المسلحة و»مؤتمره الوطني» استقدم مليشيا الجنجويد تأميناً لنفسه وسلطته ؛ مَنَحَ رئيسها وأعضائها الرتب العسكرية الرفيعة وأطلق العنان أمامها لِتَصل في عبثها حدَّ أن تستوقف الشباب في شوارع الخرطوم وتحلق لهم شعور رؤوسهم ، ذلك بعد أن عبثت بالدولة وممتلكاتها متخذةً لنفسها أماكنَ إعتقالٍ وتعذيبٍ للثوار ، وانتزعت من القوات النظامية مواقع وثكنات لتصل لاحقاً إلى تأسيس مفوضية لها مختصة بالأراضي تُقيم عليها المدن والقرى السكنية لأعضائها ، والحيازات لمشاريعها الزراعية والاقتصادية المختلفة الخاصة بآل دقلو.)   المهم ، قام هذا الحلف العسكري ظهيراً للنظام إما بدوافع آيديولوجية أو مصالح طبقية وذاتية ضيقة .. وكان إعتصام شباب الثورة أمام القيادة العامة عائقاً قوياً في وجه تلك القيادات العسكرية المتحالفة من أن تستلم السلطة امتداداً لنظام البشير ولكن بثوبٍ زائفٍ كتبت عليه شعارات ثورة ديسمبر ، فاضطرت إلى فض ذلك الاعتصام بمجزرةٍ فاقت مجازر الكيان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية في وحشيَّته وحقده .. هذا التحالف ، خاصةً أبرز رموزه «البرهان وحميدتي» تطاردهم تهم بارتكاب جرائم جسيمة في دارفور وغيرها ، والآن جريمة فض الاعتصام ، فوجد نفسه مضطراً إلى الانقلاب على المدنيين وعلى الشراكة معهم ، يحمي رموز النظام الساقط ومصالحهم ومسروقاتهم ويمنحهم حرية الحركة والنشاط باسمهم «المحظور» ليجد منهم التأييد والدعم السياسي ولكنه يحتفظ بالسلطة حمايةً لرموزه من الملاحقات القانونية الموثّقة التي تلاحقهم من دارفور إلى الخرطوم ، سلطة بشعارات باهتة مفضوحة الكذب والمقاصد ..

     هكذا انطوت الصفحة الأولى من الثورة بانقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ الذي كشف الدافع الحقيقي للمكون العسكري ، وبدأت معه مرحلة مريرة أخرى من القنص والقتل الممنهج للشباب الممتلئ حباً لوطنه حدّ استرخاص روحه له ، ولا سلاحَ لديه سوى سلمِيَّتُهُ البديعة الجسورة .. البطش من أيدٍ مرتجفةٍ خاوية ، في مواجهة سلميةٍ باسلةٍ يعطي أفرادها أرواحهم ثمناً للتغيير والاستقرار والازدهار ، لا أحلام ذاتية تحكم مواقفهم ..

فهل لهذا الانقلاب  الدموي الباطش حسنات أو محاسن نستخلصها ونرصدها ؟ نعم ، يمكننا ذلك :

** كل الأطراف في قوى الثورة داخل وخارج قحت / المجلس المركزي ، وفي فتراتٍ متفاوتةٍ قبل وبعد الانقلاب ، قد توصّلت إلى قناعةٍ تامة بأنه لا مكان للعسكريين في قيادة الفترة الانتقالية ، وأنه لا ثقة في قياداتها الحالية مطلقاً ، وأن من بنود التغيير الجذري المطلوب عودة القوات المسلحة والنظامية الأخرى إلى مهامها وواجباتها الدستورية ..

** أن مليشيات الجنجويد (الدعم السريع) لا يمكن التعامل معها كقوة نظامية ، يذهب البعض إلى تسريحها وحلّها نهائياً ، ويرى البعض الآخر أن يتم دمجها «ومعها الحركات المسلحة الأخرى» ، وفق المناهج المعروفة مع القوات المسلحة على طريق تأسيس قوات عسكرية ذات عقيدة وطنية موحدة تخضع للحكم المدني الديمقراطي..

** تأَكَّدَ للناس جميعاً أن لجان المقاومة ، قلب الثورة ووقودها ، لا علاقةَ تبعيَّةَ لها لأي حزب . نعم هنالك حزبيون في صفوفها ، أي أن لأغلب الأحزاب وجودٌ داخلها ولكن لا حزبَ يقودها ويُؤثِّر في قراراتها ومواقفها ، وهذا هو سر قوتها ، ويبقى أن تحافظ على هذه الاستقلالية والتفاعل والوعي الثوري…الخ

أمّا بقية الأفراد والمجموعات المصطفَّة مع الانقلاب فلا مكان لها مع الثورة وحركة التغيير..

لم يبقَ شيءٌ أمام قوى الثورة  كي تقترب من بعضها لإسقاط هذا الانقلاب عنوةً وفتح الصفحة التالية من صفحات ديسمبر العملاقة … هل ثمة أطياف من الظنون والأوهام باقية؟…

ولنا عودة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق