سياسة

خطاب البرهان … أم خطاب الإخوان؟!

د. عمر القراي

(يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) صدق الله العظيم

لقد حظي خطاب الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الأخير بإهتمام واسع، وتعليق من بعض الأحزاب السياسية، وقوى الحرية والتغيير، وبعض المهمتمين من الكتاب، والمثقفين.. وكانت التعليقات في جملتها ناقدةً للخطاب، موضحة لمناورته وخداعه، ومحاولاته كسب الوقت، للتخطيط لإنقضاض أكبر على السلطة المدنية، التي يتوقع ظهورها من وسط اجماع الثوار.

أول ما تجدر الإشارة إليه، هو أن هذا الخطاب ليس خطاب البرهان، وإنما هو خطاب تنظيم الإخوان المسلمين، وقيادات المؤتمر الوطني، التي ظلت في تواصل مع البرهان، أمثال كرتي وعلى عثمان. وهم لا يضغطون على البرهان بحجمهم الجماهيري، الذي فضحته المسيرات الثائرة. وإنما بالقادة الذين بلغوا رتب الفريق في الجيش، وهم من الاخوان المسلمين المتعصبين، ونجدهم الآن على قيادة المدرعات، وغيرها من الوحدات الهامة. هؤلاء هم الذين دبروا انقلاب بكراوي، ليأكدوا للبرهان قدرتهم على ازاحته، ثم تراجعوا عن الإنقلاب، حتى يظل البرهان واجهة لهم، تقف بينهم وبين غضب الشعب، فيصب الشعب غضبه على البرهان، وهم بمعزل يدبرون مكائدهم.

والذين صاغوا خطاب البرهان من الاخوان المسلمين، رغم ايمانهم بالغش والخداع، لنيل مآربهم، وتبريره دينياً، إلا أنهم كتبوا (القوات المسلحة تعيد تأكيداتها السابقة بالتزامها العمل مع جميع مكونات الشعب السوداني من أجل الوصول الى توافق وتراضي وطني) مع أن البرهان كان في كل خطاب، يذكر فيه العمل مع مكونات الشعب، يقول ما عدا المؤتمر الوطني. إلا أن الأخ المسلم الذي كتب هذا الخطاب، شق عليه أن يخط ذلك بنفسه، وكرر دون أن يشعر عبارات الإخوان المسلمين « التوافق» و « التراضي الوطني». والذين دخلوا مع الإخوان المسلمين في حكومة البشير، حين أعلنت «التراضي الوطني»، أمثال مبارك الفاضل المهدي، هرعوا الآن لتأييده، حين أعلنه الإخوان من جديد باسم البرهان !!

ومما جاء في الخطاب ( وإننا إذ نترحم على ارواح الشهداء نتأسف لسقوط الضحايا من كل الأطراف نؤكد أن المؤسسة العسكرية والأمنية ستقف الى جانب تحقيق العدالة وتساعد في التحقيق الذي يفضي الى تبيان الحقائق وتقديم المتورطين في ازهاق الارواح للعدالة) من الذي سيقوم بالتحقيق، وأنت لم تكون لجنة لذلك، وتحدد لها زمناً لترفع تقريرها ؟! وإذا كنت تهتم لإزهاق الارواح، لماذا تعطلت اللجنة التي كونت لتحقق في دماء شهداء فض الإعتصام؟! وإذا فشلت لجنة أديب لماذا لم تكون لجنة أخرى؟! وهل حقاً أنت آسف على سقوط الضحايا؟! لماذا لم تعط أومرك بايقاف استعمال العنف، مع المتظاهرين العزل، وهم يمارسون حقهم في التعبير السلمي؟! وهل حقاً هناك ضحايا من القوات النظامية، أم إن ما تم من تلفيق تهمة قتل الضابط لتوباك قد ثبت كذبه؟! وإذا كنت لا تهتم بدماء الأبرياء، ولا بمرارات و أحزان أمهاتهم، بدليل أن قواتك لا زالت تنفذ أوامرك بالقتل فهل يمكن أن يكون هذا السلوك غير السوي إلا سلوك الإخوان المسلمين الذين سأل أحد قادتهم أثناء مليونيات 30 يونيو: القتلوا كم ؟! فقال له محدثه: تسعة فقال الأخ المسلم: تسعة بس ؟!

قال برهان (أؤكد أن القوات المسلحة لن تكون مطية لأي جهة سياسية للوصول لحكم البلاد وإنما ستلتزم بتنفيذ مخرجات الحوار) ما هي الجهة السياسية الأقرب لإمتطاء ظهر البرهان للوصول للحكم؟ هل هي الحزب الشيوعي أو البعثي أو المؤتمر السوداني؟! وهو قد وضع قادة هذه الاحزاب في السجن ولكنه أطلق قيادات من المؤتمر الوطني وأعادهم لمناصب رفيعة في كل الوزارات فما الذي يمنعه أن يكمل المشوار وهم فوق ظهره حتى يصل بهم لحكم البلاد ؟!

قال البرهان (تأكيداً على إلتزامنا بدعم تحقيق اهداف ثورة ديسمبر المجيدة) فما هي أهداف ثورة ديسمبر التي سيلتزم البرهان بتحقيقها ؟! هي حرية سلام وعدالة. فليوقف القتل، والضرب، والغاز.. ويسمح بالتظاهر كحق للمواطنين، ويطلق سراح المعتقلين، ويحظر الاعتقال دون تهمة ينص عليها قانون، كبداية للحرية. وليعقد سلام مع الحلو وعبد الواحد، ويوقف الجنجويد من الاعتداء على اهالي دارفور، ليبدأ في تحقيق السلام. ثم ليقدم البشير واعوانه الى المحكمة الجنائية الدولية، ويحاكم من لم تطلبهم المحكمة الدولية، محلياً، بتهمة الانقلاب على الديمقراطية، والتوجيه بقتل الالاف في دارفور، واجبار الآلاف على اللجو والنزوح، ثم بعد ذلك يقدم استقالته ومجلسه العسكري، بعد أن يرفع الحصانة عنهم حتى يشتكيهم آباء الشهداء، وتتحقق العدالة. فإن لم يقدر على ذلك، فلا يظن أنه يمكن أن يخدع غير نفسه.       

ذكر البرهان أنه (بعد تكوين الحكومة التنفيذية سيتم حل مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من القوات المسلحة والدعم السريع يتولى قيادة القوات النظامية ويكون مسؤولاً من مهام الأمن والدفاع وما يتعلق بها من مسؤوليات تستكمل مهامه بالاتفاق مع الحكومة التي يتم تشكيلها) ولكن البرهان لم ينتظر قيام الحكومة المدنية، وقام بفصل المدنيين الذي رضوا بمشاركته مجلس السيادة، بعد انقلابه في 25 أكتوبر. ولم يترك فيه غير العسكريين وممثلي الحركات المسلحة، التي وقعت على اتفاق جوبا. فهل هذا المجلس بدون المدنيين يعتبر مجلس سيادة ؟! ولماذا أتي البرهان بهؤلاء المدنيين، ولماذا فصلهم الآن دون ذنب؟! ثم ما هو انجازهم منذ أن عينوا وحتى يوم فصلوا ؟! ألا يعني هذا فشل البرهان كرئيس لمجلس السيادة ؟ وهل هذا الفشل يؤهله أن يكون، ولو مجرد عضو، في المجلس الجديد بعد أن أفشل القديم ؟! وهل معنى قول البرهان عن المجلس الأعلى، الذي يقترح على قوى الثورة قبوله (مسؤولاً عن مهام الأمن والدفاع وما يتعلق بها من مسؤوليات تستكمل مهامه) أن يظل متصرفاً في الذهب وفي الشركات التي تدير 80% من ثروة البلد حتى لا تستطيع الحكومة المدنية تنفيذ خططها، ومشاريعها الاصلاحية، فيتهمها العسكر بالفشل؟!

إن أي حزب، أو جماعة، أو أفراد، يوافقون على مشاركة العساكر في السلطة، بهذه الصورة، إنما ينفذون مخطط الاخوان المسلمين، في خلق حكومة مدنية محاصرة، ومعوقة، يجد وزراؤها أن وكلاءهم من الاخوان المسلمين، الذين أعادهم البرهان، بعد أن ابعدتهم لجنة التفكيك، فيحاربونهم من الداخل بتكسير قراراتهم، مما يدفع بالحكومة المدنية للفشل، الذي يبرر استيلاء الجيش على السلطة، وإعادة الاخوان المسلمين رغم أنف ارادة الشعب. فليس هناك دولة محترمة، في العالم، تمارس الديمقراطية، لا يخضع فيها الجيش والأمن والشرطة للقيادة المدنية، الممثلة لسلطة الشعب. لأن مجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية، فإذا كان لا يملك مؤسسات القوة التي تفرض تنفيذ قراراته، فإن الحكومة تكون صورية، لا وجود حقيقي لها.. وتكون السلطة في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، المكون من الجيش والجنجويد. ولذلك فإن هتاف الثوار (العسكر للثكنات والجنجويد ينحل)، ليس هتافاً غوغائياً، وإنما توصيف علمي، حقيقي، لمتطلبات النظام الديمقراطي.

ومادام الاخوان المسلمين أصبحوا يطلون علينا من خطابات البرهان، فإن لدينا أسئلة لحزب المؤتمر الوطني: لقد قامت في السودان ثورة ديسمبر العظيمة، واطاحت بنظام عمر البشير، فما هو رأي المؤتمر الوطني فيما حدث ؟ 1-هل هي ثورة شعبية رفضت حكومتهم، وحزبهم الذي كان يديرها، وخرج فيها ضدهم غالبية الشعب السوداني ؟ 2-أم أن ما حدث هو خيانة من قادة عسكريين، غدروا بقائدهم البشير، وانحازوا الى المظاهرات بدلاً من اخمادها بالعنف؟ فإن قلتم بالأولى فإن الثورة التي قامت ضد نظامكم، لابد أن تبعدكم، وتمنعكم من الوصول الى السلطة مرة أخرى. ومن ذلك ألا تلوا المناصب العليا، وألا يسمح لكم بالعمل السياسي، وأن تصادر أموالكم التي قمتم بسرقتها من المال العام، وأن تحاكموا على كل جريمة ارتكبتوها خلال الثلاثين عاماً من عمر نظامكم. أما اذا كان رأيكم الرسمي أنه لم تتم ثورة في السودان، وإنما تمت خيانة من قادة عسكريين، وأن الشعب لم ينبذكم، وهو لا زال معكم، فلماذا لم تخرج المليونيات تطالب بعودة حكومة الانقاذ؟ لماذا كان من هتافات الثوار (أي كوز ندوسو دوس) ولم يكن (عائد عائد يا البشير) ؟

إن واجب كل الثوار اليوم، أن يدعموا لجان المقاومة، بالمشاركة في اعتصاماتهم، والمساهمة في منصاتهم، والسعي معهم لإكمال ميثاق الثورة، وتكوين المجلس الثوري، الذي يدير الحراك للتصعيد، وإكمال اختيار مؤسسات الحكم، وتحديد اشخاصها، ورسم هيكل الحكومة الثورية الوطنية القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق