سياسة

خارج المتاهة

مع قوى الحرية والتغيير ... ولكن !!

محمد عتيق

هل نستطيع جميعاً أن نعمل على تنقية الحياة السياسية ، مقاومة وإزالة آثار الثقافة التافهة التي أفرزتها سنوات الحكم «الاسلاموي» الدكتاتوري ، الثقافة التي اعتمدت الفساد و»الفهلوة»، الكذب والاستبداد ، تحقير الآخر والشك فيه ، سلوكاً عادياً ومحموداً ..

هي من الواجبات المهمة ، ولكن كيف ؟ ، كيف ؟ وحتى الحركة السياسية بقياداتها لم تسلم من آثار تلك الثقافة «التافهة» ؟.. فرغم أن الانتماء للحركة الوطنية الديمقراطية هي أرقى أشكال الالتزام الأخلاقي والتجرد ألإنساني ، إلّا أن سنوات الجوع والفقر المتطاولة جعلت الأسر السودانية في لهثٍ مستمرٍّ وهلع لكسب القوت والحصول على المواد الأساسية ، وتضافر مع ذلك الجدب المادي جدبٌ آخر معرفي وتربوي عندما تم تعديل المناهج الدراسية ، بدلاً من أن تكون تدريباً على التفكير والنقد والإبداع ، إلى مناهج تلقينٍ  مليئةٍ بالغيبيات والشعوذة والتلقين ، فاكتملت الحلقة : بؤس وانحطاط في المناهج الدراسية مع فقر مدقع وعوز مادي طال كافة الأسر .. وهي العوامل التي أنهكت الأجيال الصاعدة في الأبدان وفي الأرواح ومنعتهم من أن يكونوا مصدراً يرفد الأحزاب بالكوادر الشابة فتتجدد الدماء في شرايينها .. من هنا نلاحظ أن كثيراً من سلوك النظام الساقط وثقافته التي طبع بها المجتمع لا زال سائداً وتاركاً بعض بصماته حتى على قيادات الحركة السياسية ..

(( غير أن الأجيال الشابة – وكما ذكرنا كثيراً – كانت على موعدٍ آخر مع التاريخ ، فقد كان زمانهم زمان الانفجار الضخم في المعلوماتية ووسائلها مما أتاح لهم الإطلاع على حياة أقرانهم في بلاد الله الأخرى ، التلوين البديع الذي يطبعها ، الفرص المتساوية وآفاق المستقبل الممتدة أمامهم ، لتنعقد المقارنة في مخيِّلاتهم وتدفعهم إلى التطلُّع نحو تحقيق تلك الرؤى ، فكان الانفجار «المتتابع» في ديسمبر ٢٠١٨ ))..

   تلك هي الحالة التي مَكَّنت أحزاباً محدودةً أن تختطف اسم «قوى الحرية والتغيير» بشعاراتها وإعلانها ودورها في قيادة الثورة ، أن تختطف كل ذلك وتوصد الأبواب في وجه الآخرين :

– تتحدث عن بناء مركز قيادي للثورة وهي لا تعني في الحقيقة سوى نفسها ..

– تتحدث عن جبهة شعبية واسعة لقوى الثورة دون تحديدٍ للخطوات ولا رسمٍ للخطط والمواقيت مما يشير إلى أنها تعني نفسها فقط عندما تتحدث عن تلك الجبهة وتأسيسها ..

المجموعة التي اختطفت قوى الحرية والتغيير بإسم المجلس المركزي هي تجسيد عملي بارز لمناهج «الانقاذ» التي أصبحت ثقافةً تحتاج إلى وعيٍ جديد ، وعيٍ ثوريّ حقيقي لتجاوزها وتبديلها بثقافةٍ تمتاز بالانحياز الكامل للوطن وللشعب ، ثقافة لا تنطلق إلّا من مصالح البلاد العليا ..

لا نريد تجريماً ولا تخويناً ( وذلك لا يستقيم أصلاً بين أبناء الخندق الواحد) ولكن نتساءل :

* كيف تمضي في صياغة وثيقة دستورية وأنت لا تمثل إلا جزءاً من قوى الثورة ، وقطاعات كبيرة من قوى الثورة ووقودها خارجة عنك ، وأنت عملياً لا تريد إشراكها في الأمر الوطني الذي يهمها كما أنت ؟

* تمارس ترف اللقاءات مع القوى الإقليمية والدولية (منظمات وسفارات) بينما البلاد تُطوِّقُها الأزمات من كل ناحية (بمعنى التطويق من كل ناحية) :

  – الأمطار والسيول والدمار        المصاحب والدولة غائبة .

  – الاختفاء التام للمنظومة الأمنية ، وغياب الأمان حتى داخل البيوت وبين الأُسر .

– الصعود اليومي المجنون لأسعار كل شيء ، لتكاليف الحياة وهي تنأى «في أبسط صورها» عن الناس .

  – الفساد المستشري في كل    مرافق الحياة كما أسَّسَته وتركته السلطة الديكتاتورية الساقطة ..

* وتلك القوى الإقليمية والدولية ، تمسك مقودك بنعومة وتوجِّهه نحو الجلوس لصياغة وثيقة دستورية جديدة لتعود البلاد – دون إعلان – إلى ما قبل ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ :

  – لا مجلس تشريعي وإنما التشريع وأعمال المجلس الأخرى تكون من إختصاص مجلسي السيادة والوزراء في اجتماعهما المشترك .

– التسليم باتفاقية جوبا طريقاً للسلام بينما هي ، وعملياً ، : من ناحية تستكمل عملية المحاصصات في السلطة ، بمعنى أن تلتحق قيادات الجبهة الثورية في مجلسي السيادة والوزراء وغيرها ، ومن ناحيةٍ أخرى تُضمر تقسيم البلاد إلى دويلات تريدها تلك «القوى الإقليمية والدولية» ..

– لتأتيك أطراف تلك الاتفاقية (جوبا) مرةً أخرى ببدعة (مجلس شركاء الفترة الانتقالية) حاضنةً ل»حكومتكم» .

– وتأتيك نصوص الاتفاقية واضعةً نفسها في مرتبةٍ أعلى من نصوص الوثيقة الدستورية التي تعكفون على صياغتها ..

ولا حديث عن مطالب الثورة الأساسية في : إقامة سلام شامل ودائم في البلاد – تفكيك تمكين النظام الساقط (دولته الموازية) وآثاره وثقافته .. الخ – تحقيق العدالة الانتقالية ، ومحاسبة كل من أجرم في حق الوطن – معاقبة قتلة الثوار والثائرات سواءاً أثناء الثورة أو في فض الاعتصام أو أثناء مقاومة انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ وحتى الآن…الخ..الخ..

نعم ، كلنا مع (قوى الحرية والتغيير) في مواجهة قوى النظام الساقط وحلفاءه الذين خرجوا من جحورهم ، يمارسون نشاطات علنية ، يستعدون للهجوم الشامل على الثورة وقواها .. ولكننا في نفس الوقت نريد لقوى الحرية والتغيير أن تتحرر من جُملة الأوهام القديمة وقيود المصالح الذاتية ، أن تكون كما كانت عشية إسقاط النظام في ابريل ٢٠١٩ وكما كانت عند توقيع إعلان الحرية والتغيير ؛ وعاءاً وطنياً واسعاً يضم كل قوى الثورة من أحزاب وتنظيمات ولجان مقاومة ..الخ .. وإعادة تأسيسها ..

مع قوى الحرية والتغيير في أن تقيم سلطة الثورة الوطنية المدنية الديمقراطية المستقلة ، تمارس شرعيتها في إقامة المجلس التشريعي الذي يؤسس مجلسي السيادة والوزراء (حسب الاتفاق) ، والمفوضيات التي تعمل على : تفكيك التمكين الذي زرعه النظام الساقط في أجهزة الدولة – تأسيس الأجهزة العدلية والشرطية والأمنية – وجيش مهني موحد بعقيدة قتالية نزيهة أساسها حماية حدود البلاد ودستورها الديمقراطي وإسعاف الأهالي في ظروف الأوبئة والسيول والفيضانات ..

ذلك أسهل أم فقدان الوطن ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق