سياسة

رحلة بابلو نيرودا في «النشيد الشامل

هكذا ينحاز الشاعر إلى الشيوعيّة لجملة من الأسباب

فراس حج محمد| فلسطين

ديوان «النشيد الشامل» للشاعر التشيلي بابلو نيرودا ترجمه المترجم الفلسطيني صالح علماني، وصدر عن دار المدى في طبعته الثانية، 2014، ويقع الكتاب في (363) صفحة، ويعززه المترجم بالعديد من الهوامش النافعة لإضاءة النصوص، وخاصة فيما يتعلق بأسماء الأشخاص والطيور والحيوانات والنباتات في دول أمريكا اللاتينية مما ورد في النص، كما ويضيء جانبا مهما من بعض الأحداث التاريخية الواردة.

ظهر الشاعر نيرودا في نصوص هذا الديوان المتسع شاعرا رؤيويا عظيماً، لكنه لم يكن عظيما لانحيازه للفقراء والكادحين والحديث عن معاناة القارة الأمريكية الجنوبية التي ابتليت بالاستعمار الأوروبي- الأمريكي البغيض، ولا من أجل أنه تحدث عن بلاده بكل حب وانتماء، فذكر الطير والحيوان والأنهار والتاريخ والوقائع والأشخاص، على امتداد رقعة هذا النشيد، وليس لأنه فضح بأشعار «النشيد الشامل» كل المتاجرين بالوطنية والعملاء وفضح الحضارة الغربية، وليس لأنه حاز جائزة نوبل.

إنما كان شاعراً عظيماً؛ لأنه كان واسعا وشاملاً في رؤاه الإنسانية، فتحدث عن كل تلك المعاناة الإنسانية لكل من وقع تحت الاحتلال، ليجد كل شعب مبتلى صورته في صورة شعب تشيلي والأرغواي وكولومبيا والبرازيل والأرجنتين، وغير ذلك، في رحلة العذاب المضني وهو يتجرع غصص الموت والنفي والاعتقال على أيدي المتنكرين لكل القيم الإنسانية النبيلة الشاملة، ولأنه رصد الثورة وما بعد الثورة بعين ثاقبة بصيرة، فترى أن المأساة ذاتها تتكرر في كل بلد، ولذلك تشعر بانحيازك الطبيعي والمباشر لكل ما كتب، وليشكل مع كل شعراء المقاومة العالمية نسيجا واحدا شاملا وواعيا مستبصراً.

لقد وثق الشاعر بابلو نيرودا كل ما جرى في بلاده وما سيجري في بلاد أخرى، بدءا من اللحظات الأولى، أو ما يمكن أن يسمى «التاريخ الابتدائي» للاستعمار، الذي جاء محمولا على شهوتي السيطرة والمال، ليرى المستعمرين الذين استباحوا الدم الإنساني من أجل تحقيق هاتين الشهوتين الحارقتين، وانتهاء بصراع الفرقاء على السلطة بعد التحرير، وولادة الدكتاتوريات المتسلطة.

برز في «النشيد الشامل» كل ذلك التاريخ العفن المصوغ بأبجدية الدم والحرب والاستغلال للاستعمار الغربي المتمثل بإسبانيا القشتالية خصوصا، ولم يهمل الإشارة إلى أمريكا الشمالية وبريطانيا، فقد رأى أن من يقوم بتلك الحرب هم المستعمرون الذين يستغلون أتفه الأسباب لإشعال الحريق وتنفيذ المخططات، مثلما رأوْا في سقوط نسخة من الكتاب المقدس من يد «أتاهولبا» (إمبراطور البيرو، قتله الإسبان عام 1532م) الذي لم يكن يدري ما هي هذه النسخة ومدى قداستها- رأوا في ذلك فرصة مواتية للقتل:

لا بريق فيها، لا صوت لها

ثم – مبتسما- تركها تسقط (ص 98)

ليكون رد الغرباء هو قتل الإمبراطور ومن خرج معه لاستقبال الغرباء، معلنا نيرودا منطقهم في القتل:

«- الموت،

الثأثر، اقتلوهم وسأغفر لكم» (ص 98)

وهكذا تبدأ كل حروب الرجل الأبيض في القارة الأمريكية الجنوبية الغنية ذات الشعب الطيب الودود، ليتم الاستيلاء على قدره ومقدراته. لقد كلفت تلك الحروب تلك البلاد ثمنا غاليا من الدم، فقد قتل زعماء وقادة وفلاحين وعمال، ودمرت بلاد بأكملها.

يبين بابلو نيرودا أن تلك الشعوب المقهورة لم تستسلم لذلك القدر المفروض عليها، فصنعت أبطالها وثوراتها، واستطاعت أن تحقق انتصارات كثيرة، انتهى بعضها بالتحرير والاستقلال، ولكن تلك الثورات لم تخل من المستغلين المتواطئين مع المستعمرين فكانوا أذنابا لهم مقابل منصب زائل أو حفنة من الدولارات، والشاعر بذلك يسجل تسجيلا حيا ليس الاستعمار وأفعاله فقط، ولكن يوثق أيضا لأعداء الشعب من أبناء الشعب نفسه الذين انحازوا بخياناتهم للغزاة، وهذا ما لم يسلم منه شعب أو تتخلص منه ثورة مهما كانت.

يخصص الشاعر الفصل الرابع المعنون بـ «المحررون» من هذا النشيد ليتحدث عن أبطال القارة الأمريكية (الجنوبية) في العديد من الدول، فيشيد ببطولاتهم وأعمالهم التحررية، فيسرد بحب كيف استطاع هؤلاء القادة صناعة الوعي والثورة. غير متجاهل أولئك الأشخاص الذين وقفوا مع الثورة والثائرين حتى من الإسبان أنفسهم، وبالمقابل فإنه في الفصل الخامس بعنوان «الرمل المغدور» يسرد كثيرا من أعمال الدكتاتوريين الذين تسلموا الحكم بعد الاستقلال والتحرير، وأعملوا في السكان القتل والتشريد، ولم يكونوا أقل خطورة من المستعمر نفسه، فقد تحولوا إلى جشعين ونهمين يقتاتون من دماء الفلاحين وعمال المناجم.

وليس فقط هؤلاء الحكام من يكيل الشاعر لهم الهجاء المر، بل إنه يتعرض للشعراء والصحفيين الذين يتحولون إلى أبواق للدكتاتور، كاشفا عن نفسياتهم المتعفنة، واصفا إياهم بالجعلان التي تعود إلى البعر إذا مات الدكتاتور، لتظل كامنة حتى يبرز طاغية جديد.

ولم تقف الأمور عند هذين الصنفين من المنتفعين من الدكتاتور، وإنما يتحدث عما يمارسه المحامون المنتفعون والمتحدون مع أهداف المستعمرين والارستقراطيين، وذلك في الجزء الخاص من النشيد بعنوان «محامو الدولار»، الذين كانوا منحازين وبكل صفاقةِ وجهٍ للمستغلين، مانعا أن يبذلوا ثمنا مرتفعا للفلاحين الذين سيصرفون تلك الأموال على الخمر، فهؤلاء العامة من الهنود:

بدائيون، لا يفضلون الحيوانات

إلا قليلا، فأنا أعرفهم جيدا

لا تدفعوا لهم كثيرا هكذا (ص 309)

ويتناول أيضا فئات أخرى من السادة الذين يتآمرون على الشعب، فلم يسلم الدبلوماسيون من هذا الهجاء:

ولكنك إذا ما ولدت أحمق في تشيلي

فسيعينونك في الحال سفيرا (ص 312)   

وهكذا، فإن الشاعر- عبر كل تلك القصائد والمقطوعات- فإنه يشيد بالشيوعية والكادحين والعمال الذي ظلوا على نقائهم وحبهم لبلادهم، راسما صورتين متضادتين عبر هذا النشيد الموصوف بالشامل، وهو بحق شامل للتاريخ والجغرافيا والإنسان والأفكار والرؤى، صورة المستعمرين والمستغلين والرأسماليين المحليين والأجانب، ومعهم المتاجرون بقضاياهم ومصير شعوبهم، وصورة زاهية عابقة للفلاح والعامل اللذين دائما هما من يدفع الثمن من الدم والقوت والعمر. فلماذا لا ينحاز الشاعر للشيوعية وهو يرى أبناءها منارة حب ووفاء للبلاد وإنسان البلاد، بالمقابل فإنه يرى تجار الوطنية من المستغلين ووطنيتهم في خطابية زائفة؟ يقول على لسان أحد النواب المنتخبين:

«نحن الوطنيون المسيحيون،

نحن حماة النظام،

نحن أبناء الروح» (ص 298)

بل إنهم يخترعون القانون الذي يوزع الفائدة عليهم وحدهم في طبقية واضحة مقيتة، فالمائدة الطيبة للغني، والفضلات للفقير، والبيت الكبير للأغنياء والكوخ للفقراء، وباريس للسادة، والفقير إلى المنجم والصحراء.

لكل تلك الأسباب سترى الشاعر منحازا للشيوعية التي كانت ذات بريق أخاذ وقت كتابة ذلك النشيد، وهو يراها الأنقى من كل أفكار الرجل الأبيض المتحضر، المتحدر من أوروبا وأمريكا الشمالية، حتى وإن علّم الهنودَ الحمر تعاليم المسيحية مقابل أعمال السخرة في المناجم، ويا لفظاعة هذه المفارقة!

هذه هي صورة شعوب أمريكا اللاتينية التي عانت من الاستعمار والنهب والقتل من الرجل البيض، وهو عينه الذي نعانيه في فلسطين من سلطتين متسلطتين علينا معاً، كيان الاحتلال الصهيوني، وكيان الحكم الذاتي الهزيل «السلطة الفلسطينية»، إذ إن بينهما تحالفا معلنا وعلنيّا ضد الفلسطيني الثائر الباحث عن الحرية والاستقلال، فتقف له بالمرصاد قوات الاحتلال الصهيوني لتقتله أو تسجنه أو تنفيه، في حين تلاحقه أيضا أجهزة أمن السلطة الفلسطينية شريكة الاحتلال في السيطرة على الشعب لتعتقل كل ثائر ومناضل وباحث عن الحق والعدالة، يحارب الفساد، ويقف ضد الفاسدين. لقد أنتج الاحتلال الصهيوني- كما أنتج الاستعمار في أمريكا اللاتينية طبقة من المنتفعين؛ سياسيين، ومثقفين، وتجار، ورجال أعمال، وشبكة ممتدة ومعقدة من المخربين لتخريب النسيج الاجتماعي الفلسطيني. وباختصار شديد كل ما يجده القارئ في «النشيد الشامل»؛ تصويرا لأوضاع أمريكا اللاتينية تحت الاستعمار وما بعد الاستعمار له ما يطابقه تماماً على أرض فلسطين، وفي البلاد العربية التي تعيش مرحلة ما بعد الاستعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق