سلايدرسياسة

مئوية كرري … أوقدت ناراً وأريد أن أتدفأ بها (المهدي)

عبد الله علي إبراهيم

لم يتسن بعد لفكرنا التاريخي والثقافي ان يتأمل بتجرد وتأهيل دولة الاستعمار كمحض شوكة ارتدفت فظاظة الموالاة والتباعة إلى عتو الفتح والفتك. وقد انصرفنا عن هذا الشغل بأمرين. فقد تهافتت الفئة الحاكمة تحتل مقاعد هذه الدولة التي تقوم على مبدأ أن الحاكم أجنبي عن المحكومين، وأنه رسول الحضارة والاهالي، الرعية، موضوع في مختبر الرقي والتمدين. أما صفوتنا الثقافية فقد تراوحت بين التقليل من شوكة الاستعمار سكرى بالشعار الوطني وانجاز الاستقلال، وبين تدوين المأثرة الوطنية العظمى في استعادة السيادة من براثن الاستعمار. وفات عليها ان تعلم عن الاستعمار حق علمه.

إننا لنجني ثماراً مريرة حقاً لأننا فرطنا في درس شوكة الاستعمار.

فحيال تردي الدولة/ الأمة السودانية، وجدنا جماعات من الصفوة قد تنصلت عن الوطنية وهرولت إلي التغني بمأثرة أو أخرى مزعومة للاستعمار، تبكي ضياعها، وتندب حظنا العاثر علي تسربها من بين ايدينا. وانتهي هذا النفر الى ما يجعل الدولة الاستعمارية قريبة من العصر الذهبي الذي تشد الرحال الذهنية المرهقة الى رحابه الوارفة.

خرجت علينا الصفوة المدينية بتجديد ذكرى «زفة» مفتش المركز الانجليزي الاسبوعية خلال طوفان 1988م الذي كشف غوار السلطات المحلية.  فتذكر هذا النفر أياماً للسلف الانجليزي يضبط الادارة ضبطاً في زفة الاسبوع. وقد جادلت مرة شهماً ذا يقظة ونبل تجاه متاعب اقليمه وهو دارفور تأذي من انفراط حبل الأمن في وطنه الصغير الذي كان الانجليز، في قوله، يضربون به المثل في استتباب الأمن.

وأزعجني قول نفر من الأكاديميين الجنوبيين أي «سياسة المناطق المقفولة»، التي دبرها الانجليز لإنشاء سد ثقافي وبشري ومكاني بين الجنوب والشمال، هي من آيات بِرِ الانجليزي بالجنوب، وتطوعهم بالشفقة عليه حماية له من غائلات الشمال العربي المسلم الكواسر.

وهذه خاطرات منبئة عن تخلف الثقافة السودانية، الراتعة في هامشيتها الاثيرة وداحس خصوماتها، عن الانشغال بالمعاني المتجددة عن نظرية الاستعمار وشوكته التي تخصب ساحة الفكر الأكاديمي وحقل الثقافة العامة لأربعة عقود من الزمان وأكثر. فلم تكن «زفة المفتش» ضرباً محايداً من الادارة. وليقرأ القارئ ما كتبه المرحوم بابكر بدري (وهو مُصَانع للإنجليز لا مقاوم) عن الصلف الذي انطوت عليه الزفة من مثل شرط ان يقف المواطن من الاهالي بالغاً ما بلغ من العمر احتراماً للمفتش متى مرت به الزفة. وقد كتب المرحوم حسن نجيلة في الجزء الثاني من كتابه العجيب، ملامح من المجتمع السوداني، فصلاً عن ثورة جزيرة توتي على مستر ربن، مفتش بحري والضواحي، لإهانته السمجة لرجل من الجزيرة.

ومن الجهة الاخرى لم يكن استواء عقد الأمن في دارفور ذا أصل في «عدلت فنمت» بل في فانطازيا الحكم والقوة لرجال أوابد مثل مفتش كتم، المستر مور، الذي أهان الرجال حتى سماه حسن نجيلة «طاغية كتم» ونازله المرحوم أحمد يوسف هاشم في الصحف.

واخيراً فإن «بِر» الانجليزي بالجنوب وجبال النوبة والانقسنا، المناطق المقفولة، هو محض غطرسة اعقبت ميسم العنف البشع الذي نقشوه على جسد وعقل أهل تلك المناطق. فقد اخضع الانجليز النوير المقاومين بالطائرات المغيرة المحرقة ثم بالدراسات الأنثروبولوجية الذكية مثل كتب ايفانز برتشارد الذي لم تبل جدته بعد في مدرجات علم الاجتماع. وهي نفس الغطرسة التي انزلت النوبة قهراً إلى السفوح من مسارح تاريخهم وامنهم في التلال. واستعان الانجليز لذلك بنادل، الأنثروبولوجي، ليعينهم على إدارة النوبة.

لبر الانجليز المزعوم هذا مصطلح سلبي للغاية في الدراسات الثقافية المعاصرة. فالدارسون يصفون اجراءات الاستعمار لصون ثقافة المستعَمرين مثلنا بـ«النوستالجي (أو الحنين) الاستعمار». نظراً إلى المفارقة المبكية في مثل هذا الاجراء: وهي ان الاستعمار يُغير بالفعل ما يزعم قولاً إنه حفيظ عليه، وحريص على استدامته، وقد شرح الدكتور ريناتو روسالدو، استاذ علم الأنثروبولوجيا بجامعة استانفورد، هذا المفهوم (Colonial Nostalgia) في كتابه القيم «الثقافة والحقيقة» الصادر في 1989م.

إن أكثر سوء ظننا الدامي ببعضنا البعض، الذي تسيل له الدماء وتزهق به الارواح، وتحشد له القرابين البشرية بفرح ممض، راجع إلى أن صفوتنا الثقافية تأخذ أمانتها باستهانة مؤسسية، فلا منابر لها للخلوة، والتأمل، والنقاش، وإذاعة الجديد من النظرات، واطراح البالي الاخرق. وكلما أنبت الزمان منبراً هُرعت إليه بلغوها السياسي الرديد وعصبياتها قبل التاريخية. فقد انزعجت مراراً مثلاً لكيف تحمل هذه الصفوة تُرهاتها المرموقة الى اروقة جمعية الدراسات السودانية الامريكية التي لا يتشرف اكثرهم بعضويتها. وهذا فعل في درك سحيق من الأمية.

لعلنا نجعل مرور مئوية كرري قنطرة الى تجديد عروق ثقافتنا من كولسترول الكسل، والتنطع، والانقطاع عن القراءة، والتفرغ لغيرها من اللهو السخيف. وأنا متفائل. فتحت الرغام وميض للثقافة الحرية. ولهذا الوميض دفء ولفـح. ألم يقل المهدي عليه السلام: «إنني أوقدت ناراً وأريد أن أتدفأ بها».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق