سياسة

أيها الفاسدون العابرون … لكم مغربكم ولنا مغربنا

عبد العزيز كوكاس

«مكافأة الفساد لم تكن يومـًا سوى إطعام ديناصور لا يعرف معنى الشبع» ياسر ثابت

عشقنا هذه الأرض بلا حدود، ولو أننا أشباه مواطنين في شبه مساكن أو دور، شبه أموات في شبه أحياء مهمشة ونتنة، من ماء هذا الوطن وهوائه وتربته.. سحنة بشرتنا، وهج أحلامنا التي لا نمدد أقدامها بعيدا عن سرير نومنا.. وكل آمالنا وآلامنا.. حتى من هاجرها منا، ركب الموت واتشح بعراء السماء، قنطا من قطران البلاد وطمعا في عسل «بلادات الناس»، ظل متشبثا بالحنين إليها، ولم تغادره رائحتها.

وأنتم الطارئون علينا، الذين تسيدتم في زمن الهباء وتدني سماواتنا التي علقنا عليها نجمة رايتنا.. استسلاما.. نحن سواد عين الأمة، جوهر هذه الأرض وأنتم عرضها وأعراضها المرضية.

لستم إلا ظل التخلف البليد، الاستعمار القديم والجديد، شره الرأسمالية الجبان، اخرجوا من دمنا ولحمنا.. ضعوا في جوف حقائبكم وأرصدتكم وبطونكم المتكورة، ما شئتم: أموالنا المستنزفة قسرا، نساءنا اللواتي عهّرتهن ورضين بمساراتكم، احملوا ما شئتم من خمر أرضنا، زهر عطورنا، وما تساقط من لآلئ وجواهر من عرق جباهنا، وارحلوا من جرحنا.. بعيدا نحو ما تشتهون على أرض خارج جغرافيا دمنا.

أيها الفاسدون العابرون في زمن عابر.. أيها الملتصقون بجلدنا، المفسدون في الأرض.. لا تقنعونا بالقسمة الضيزى في الأرزاق، وبالأيام التي نداولها بين الناس، غلبة وسقوطا.. كفوا أيديكم عما تبقى من لحمنا.. احملوا قذارتكم ومغانمكم وكل وسخ الدنيا المستنزف من جرحنا، وارحلوا.. فنعود بالله من شر ما خلق، من بشر كالعلق.

أيها المفسدون العابرون إلى مزابل التاريخ.. لقد أصابنا القرف من وجهكم، من خطاباتكم، من حيواناتكم المنوية.. ومن انتصابكم في وجهنا مثل رائحة الفضيحة. ومن سماع خطابتكم التي تأكل آمالنا كما يأكل الحسد الحسنات..

صَمَتنا ليس جبنا، ولكن فقط لأننا لا نسعى إلى إيقاظ من أنزل الله البلادة على قلوبهم والغشاوة على عيونهم، لحكمة يعلم الله وحده أسرارها.. نريد أن نحرر القطرة المعلقة في صنبور الأحلام، ونطلق الذكريات من مرابضها، ونجعل الأنهار تنام بأعين مفتوحة خارج نفاياتكم..

أيها الفاسدون المتسيدون على رملنا ومائنا، على سمائنا وأرضنا، على رملنا ومائنا، النابتون في حقولنا وهوائنا مثل الفطر.. كونوا بشهامة الفرسان، صهيل الخيول.. تعالوا في مبارزة شريفة.. الند للند، وأزيلوا أقنعة الشركات، القوانين، الجنسيات المستعارة وباقي الأكاذيب التي لا تنبت رغيفا في حقل، لا تسمن من جوع ولا تأوي يتيما ذا مسغبة ولا مسكينا ذا متربة..

لا تتصيدوا ما انزوى في الجزء المظلم فينا، لا تركبوا حاجاتنا وخصاصنا، لا تصطادوا في مستنقعات ضعفنا الآدمي..

لنا ما لنا على هذه الأرض، وطن مهما قسا علينا فهو جنة الخلد وأهله كرام.. كفوا عنا أذاكم.. أيها «المناقطية»، من يسرقون حقنا في أن نكون على غير ما نحن عليه، أنيقين بدون ياقات بيضاء، زاهدين في وسخ الدنيا، متحابين في الأخوة والدم.. والانتماء الإنساني جنسيتنا، بناة للوطن ومخَلّصيه من الجينات الفاسدة..

مللنا سخافاتكم.. انتهازيتكم المتعالية بلا سقف، اذهبوا بعيدا خارج جلدنا، وصلصال ترابنا.. وكفوا عن حلبنا وعصر دمائنا..

لكم الثروة ولنا جحيم الفقر والتخلف

لكم السلطة ولنا بؤسنا وجحيم تشرد أبنائنا

لكم المغانم كلها ولنا ما تساقط من فتات مزابلكم

وعلينا ما عليكم من سماء وما نقتسم من هواء..

ليس عدلا أن تظلوا على رقابنا جاثمين ولخيراتنا ناهبين، ولأفق أحلامنا مغتصبين.. لهذه الأمة الحق في أن تغدو وطنا، فردوسا، أو مأوى يتسع للجميع، لأحلام الشيخ والرضيع.. أن يكون لهذه الأرض/ الأم أنبياؤها وكتبها، جغرافيتها وتاريخها، أساطيرها وخرافاتها، أن نقتسم آلامنا بالتساوي، ونشهر حبنا عاليا للوطن بلا خجل انتماء..

أيها المفسدون في أرضنا.. اخرجوا من هوائنا، من سمائنا.. كدسوا أوهامكم في أرصدتكم المنتفخة مثل بطونكم، خذوا كل حصتكم من برنا وبحرنا، لنا أحلام هنا نربيها، ذكريات من وجع وحب، لنا وصايا من أجدادنا، أثر ذكرياتهم نحميها.. فارحلوا عنا، نريد أن نحيا في وطن يليق بنا ونليق به.. به هواء نقتسمه بالتساوي، لكل حسب حاجاته، لكل حسب عمله.. وحيز مهما ضاق، نستطيع أن نمدد أرجلنا على سريره بلا رهبة من الكوابيس.

أيها العابرون إلى مزابل التاريخ.. ما عاد فينا حيز للصبر.. أيوب ثاب من حملنا.

لهذا البلد أن يحيا كما يشاء، ويذهب بعيدا خارج الحدود التي رسمتها عفونتكم ومطامحكم.. ولنا الماضي، الحاضر والمستقبل.. ارحلوا بعيدا كالغبار المر والذكريات السيئة، ولتعيثوا فسادا في أي بقعة شئتم.. فلنا مغربنا ولكم غربتكم.

وعلينا أن نحرس حلم البلد من كوابيسكم.. أيها الفاسدون آن لكم أن تنصرفوا واتركوا لنا ما تبقى في هذا البلد، متسع للحياة لنا ولذويكم من غير فساد في الأرض أو قلب جامد لا يقيم فيه بلد… وبئس المصير.

لَكْم أن تُرَاكموا الثروات كما شئتم وبالقدر الذي تقوى على حمله حساباتكم البنكية في الداخل كما في الخارج، ولنا أن نُكَوِّم أحلامنا عن وطن، نشتهي أن نليق بالانتساب إليه ويليق بنا، في كيس من الخيش لنَصونها من تقلب مزاجكم…

لكم أن تَعْلوا المنابر، وأن تحتلوا واجهات الصحف، وتسكنوا شاشات تلفزيوننا المتعدد في أشكال الرداءة، لتتوحدوا على إمطارنا بغيرتكم على الصالح العام الذي لا يستقيم بدونكم، ومصالح العامة التي تضيع في منتصف الطريق إلى نعيمكم.. لكم أن تَغْتَمُّوا لأن المطر بلَّل معطفكم في الطريق إلى موعد عاشق أو لقاء رسمي أو حفل ساهر، أو لأنه عرَّى عورة صفقة طريق مغشوش أو زَيْف سُور انهار على طفل استند إليه ليحلم بحقه في مأوى أو مقعد في المدرسة.. ولنا حرقة في القلب ووجع في الدماغ على وطن نكسو أديمه بما تبقى من جلدنا، فيما لا زال يُخفي ظل ابتسامته عنا، وهو وإن جار علينا عزيز..

لكم الشاشات الملونة، الورق الصقيل للمجلات الوردية، الصحون المقعرة، الحسابات البنكية المنتفخة، والعرَّابون في مراكز القرار.. ولنا المواجع كلها، فتين قلبنا لا يبتسم إلا حين يُشَرَّح!

لكم الجنسيات المزدوجة، والمظلات الوردية الواقية من وابل المطر أو ضربة شمس، ولنا حافة للنِّسيان وموعد في كل منتصف طريق، مع جحافل البق وجيوش الحشرات التي تقتات على أجسادنا، وما تراكم على ظهر الزمان من غم وكمد وحزن..

لكم أن تزرعوا الشوك على طريق حلمنا، وتجنوا زهرة كاميليا من وخز جراحنا، فنحن دَوماً النصف الثاني الفارغ من كأس أفراحكم، لأنكم دوما متشائمون من استمرار وجودنا على ظهر البسيطة، برغم ما سلكتموه لِمَحْونا.. لكم أن تختاروا، وبمحض أذواقكم، على أي زهرة تستقر النحلة، وكيف توجهون نسلها..

وأن تمنحونا الصبر على لسعة شَوْكها دون تذوق طعم عسلها.. لنا ما لنا من ملح الوطن وصهد شمسه، واحات للأمل ننشرها كلما ضاقت بنا أرض الله الواسعة، مقابر تطفو على الماء، شبر على زليج زنزانة عقاباً على سرقة صغيرة أكبر من جرمكم!

سَلَوْنا عن ذكركم بأنكم موجودون دائما، وتسليتم عن ذكرنا: فنحن مجرد عدم، وإن كان ضروريا لوجوده، فذلك فقط من أجل أن نكون في خلفية الصورة التي تأخذونها للذكرى، أن نملأ الكراسي، أن نحج للتصويت زرافات وحميراً، وأن نكثر من نعمة التصفيق على خطبكم البليدة وتصريحاتكم المليئة بالأخطاء اللغوية، لما في ذلك من خير عميم على سلامة الديمقراطية ومستقبل أبنائنا، الذين سنورثهم ذل العبودية مثل وردة تلد زهرة في مزهرية، أو طائراً يلد صغاره في قفص!

لكم حق التحكم في أرزاقنا وأنعامنا وقد تحددوا وقت معاشرتنا لنسائنا كي لا نُثْقل عليكم الكرة الأرضية بصغارنا الكادحين، لنا ما علينا، نريد فقط أن نحيى دون أن نطأطئ رأسنا بذل، وأن نرفع أعناقنا ليس كسنابل فارغة في مهب ريحكم، ولكن لنشعر فقط بكينونتنا الآدمية، وبحقنا في أن نتنسم كمية الهواء التي تحتاجها رئتانا بدون تحديد سعرها، وأن نستف التراب إذا جُعنا، لكن أن نعيش بكبرياء، فعلى هذه الأرض ما يستحق أن يُعاش..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق