الحلقة الأولى
غادر توفيق أحمد ناصر موفق قرية النسائم في محافظة حجة وعمره أربعة عشرة سنة للاغتراب في السعودية مع ثلاثة من أهل قريته ووصل السعودية وعمل في محلات أدوات التجميل النسائية في منطقة القطيف وأجاد اللهجة السعودية ولباقة الحديث والتصرف مع الزبائن وخلال خمس سنوات أرسل لوالده مبالغ مالية وأقدم والده على توسعة المنزل ليستوعب أسرته المكونة من خمسة أولاد وثلاث بنات وجمع توفيق مبلغ زواجه ليعود لقريته النسائم ويتزوج ابنة عمه فرح ناصر موفق المنتظرة مجيئه للزواج عليها حسب وعد والدته وما أن أوشك على السفر تعرّف على تغريد محمد سليمان سعودية الجنسية ومن زبائن المحل ودخلا في علاقة حب عفيف واتفقا على الزواج واستعان توفيق بصاحب المحل شريف شرف نايف للوساطة لدى والد تغريد محمد سليمان لخطبتها وقوبلت الوساطة برفض والدها وأهلها زواجها من خارج السعودية لرغبتهم بقائها بالقرب منهم ووصل توفيق لقناعة استحالة موافقة والد تغريد محمد سليمان على الارتباط وقرّر سفره لقرية النسائم في حجة وزواجه من ابنة عمه فرح موفق المنتظرة عودته، التقى توفيق بتغريد وأخبرها عودته لليمن دون ذكر زواجه من ابنة عمه ودمعة عينيّ تغريد وطلبت عدم سفره وتكرار محاولته والصبر على والدها وأعطته أسماء أشخاص يحترمهم والدها واهل لثقته ولا يرد لهم طلب للوساطة وأخذ الأسماء وأعطاها لشرف شريف نايف ليحاول مرة أخرى عبر وسطاء يحترمهم والد تغريد لإقناعه قبول ارتباط توفيق على ابنته تغريد وقابلهم شريف شرف نايف وتحمّس منهم لعمل الاجر حسن محمد صادق وطلب مقابلة توفيق أحمد ناصر موفق قبل اقدامه على الوساطة وإقناع والد تغريد وأعطى شريف شرف نايف لتوفيق أحمد ناصر عنوان حسن محمد صادق لمقابلته وذهب وقابله وسأله عدة أسئلة عن أسرته وبلاده واستقراره بعد الزواج وأجاب على الأسئلة ومنها استقراره مع زوجته في السعودية وأٌعجِب حسن محمد صادق بأخلاق توفيق والتزامه بالعبادات وحمل هدية مكلفة وذهب لمنزل صديقه والد تغريد واستقبله وبدأ الحديث حسن محمد صادق قائلاً: لقد قدِمتُ إليك بطلب وأرجو أن لا تعيدني خائباً وسأله عن طلبه وأخبره خطبة ابنته تغريد على اليمني توفيق أحمد ناصر موفق ووصف مناقب أخلاقه وأقسم يمين لو لديه بنت لزوّجه وطلب محمد سليمان وقت للتفكير والتشاور مع زوجته وأولاده ومضى أسبوع واتصل محمد سليمان بصديقه حسن صادق ووافق على ارتباط ابنته بتوفيق موفق واشترط إقامته مع ابنته في السعودية ورد حسن صادق بموافقة توفيق المسبقة وقام شريف شرف وحسن محمد صادق بالخطبة والعقد لتوفيق أحمد ناصر موفق على تغريد واحتفل توفيق بعرسه مع مجموعة أصدقائه من اليمنيين والسعوديين وبعث برسالة وصور لعرسه مع تغريد لوالده وأسرته وباركوا له وحزنت ابنة عمه فرح وتزوجت على أحد المقيمين في مدينة حجة، انقطع تواصل ورسائل توفيق لوالده وأسرته وانتقل مع زوجته الحامل للعمل في مدينة حائل السعودية ولم يزُر أهله في اليمن واضطر والده السفر للعمرة والتقى ابنه توفيق في مكة المكرمة وعاتبه انقطاع رسائله وعدم زيارة أسرته في قرية النسائم وبرّر توفيق انشغاله بعمله واعتذر ووعد بزيارتهم دون زوجته وأعطى والده مبلغ من المال ومرت السنوات ولم يفي توفيق بوعده حتى حضوره وإلقاء النظرة الأخيرة ومراسيم دفن وعزاء والدته ولحقها بسنة والده، أنجبت زوجة توفيق موفق خلال ثلاث سنوات ولد وبنت ولاقى توفيق موفق سوء معاملة زوجته وأهلها ليعايروه بأصله وضعف دخله وعادةً ما تُكرّر تغريد قولها وقوعها في غلطة عمرها زواجها من توفيق وتدريجياً أصيب توفيق موفق بحالة نفسية أوصلته لترك عمله ورفضت زوجته قبوله في البيت وينام باب المنزل أو على رصيف الشارع كالمتشردين وعادت زوجته مع ابنها عبد الحكيم وابنتها جميلة لمنزل أهلها.
الحلقة الثانية
اتصل محمد جميل صديق توفيق ببعض التجار اليمنيين وعرض حالة توفيق موفق وجمعوا مبلغ من المال وأدخلوه إحدى المصحات حتى تحسنت حالته وسافر مع أحد المغتربين وتولى مرافقته لقريته وتسليمه لإخوته ولم يمض فترة حتى تدهورت حالته النفسية ويخرج في الليل دون علم إخوته وفي آخر ليلة خرج واختفى ووجدوا جثته بعد يومين خارج القرية وقد افترستها إحدى الضباع وأخذ أهله ما تبقى من جثته وقبروه، يلقى عبد الحكيم وأخته جميلة معاملة سيئة من والدتهما وأهلها ويتعرضا للضرب لأتفه الأسباب وفي بعض الأوقات دون مبرر وبالرغم من صغر سنهما يتذكرا وضع والدهما بألم وحسرة وما زاد حالهما سوءاً زواج والدتهما ورعاية خالتهما المقعدة فاطمة حتى طُلِّقت والدتهما بعد سنة من زواجها وعادت لتتكفل بتربيتهما وأدخلت عبد الحكيم وأخته المدرسة وتعثرت دراستهما لعدم انفاق أهل تغريد عليهما واضطرت والدتهما لإخراج جميلة من سادس ابتدائي وعملت خادمة في منزل خالها بينما رفض عبد الحكيم ترك المدرسة ووعد والدته بحثه عن عمل ينفق على دراسته ووالدته وأخته، يذهب عبد الحكيم توفيق يومياً بعد المدرسة لمواقف سيارات أحد الفنادق المشهورة ويقوم بغسل السيارات مقابل مبالغ مالية من أصحابها يستغل قت فراغة لمراجعة دراسته ولا يعود للمنزل إلاّ ومعه أكلهم ومحتاجات والدته وأخته والمبلغ المتبقي يحفظه لدى والدته ولذكاء عبد الحكيم وعبقريته رفعته الإدارة ومدرسيه من صف أول اعدادي لثالث إعدادي ونجح في الإعدادية وحصل على نسبة ثمانية وتسعين بالمائة وأعطى عبد الحكيم اهتمام خاص للغة الإنجليزية ليقرأ الكتب ويلخصها ويتكلم مع الأجانب الذين ينظف سياراتهم ويعطوه مبالغ مضاعفة لإعجابهم بنظافته وأمانته ولباقة حديثه بالإنجليزي وخِفّت تصرفاته وربط عبد الحكيم علاقة واسعة واختلط مع نزلاء الفندق من الأجانب وتكوّن لديه حلم سفره لأمريكا ويكون له شأن كبير يتجاوز المحنة التي مر بها والده ووضعهم المعيشي، ربط عبد الحكيم علاقة مع جيمس روسز أحد خبراء النفط الأمريكيين في السعودية وعادةً ما يعطي جيمس روسز مفتاح سيارته لعبد الحكيم ينظفها ويرتب أغراضه ويعطيه جيمس روسز خمسون دولار على عمله وفي الفترة الأخيرة رفض عبد الحكيم أخذها لاحترامه وتقديره لجيمس روسز وأعجب الأمريكي بلطف عبد الحكيم واستغرب عدم أخذه أجرته وفي أحد الأيام عاد جيمس روسز بسيارته لموقف الفندق وعبد الحكيم بانتظاره وتفاجأ عبد الحكيم بطلب جيمس روسز جلوسه بجواره وتحدث معه باللغة الإنجليزية ووجد عبد الحكيم ذكي ومتمكّن من اللغة الإنجليزية وسأله عن عمره والسنة الدراسية التي وصل إليها وأخبره أن عمره ستة عشرة سنة وتجاوز في دراسته أول اعدادي وثاني اعدادي والتحق بثالث اعدادي وحصل على نسبة ثمانية وتسعون بالمائة وأعجب جيمس روسز بطموحه في الدراسة والعمل وسأله جيمس روسز عن ظروفه وأخبره بظرفه الأسري وتعاطف معه وأبدى تقديمه مساعدته وسأله عبد الحكيم عن الطرق أو الوسائل التي تمكنه من دخول أمريكا وطرح جيمس روسز عدة خيارات منها اليانصيب والقرعة وامتحانات الأذكياء الموهوبين ووعده جيمس روسز مساعدته قدر الإمكان وطلب أوراقه ليقدمها ضمن قبول الموهوبين ولم يمض فترة شهر إلا واستُدعِي عبد الحكيم للسفارة الامريكية وأجريت له امتحانات الذكاء وقُبل كأحد المرشحين، بشّر جيمس روسز عبد الحكيم قبوله كأحد المرشحين لينال فيزة الدخول والإقامة والدراسة في أمريكا وبالمناسبة دعاه لضيافته في مطعم الفندق على وجبة الغداء وحاول عبد الحكيم الاعتذار بلطف وأصر جيمس روسز على حضوره وقام عبد الحكيم بتنظيف سيارة جيمس روسز وهو في غاية الفرح وعاد للمنزل ولبس بدلته النظيفة الوحيدة للمناسبات وعاد للفندق وانتظر موعد الغداء واعتذر لزبائن السيارات عن التنظيف حتى يكمل الغداء ويبدل ملابسه ويعود لتنظيفها والتقى بجيمس روسز في مطعم الفندق وسأله جيمس روسز: لماذا نظفت السيارة؟ ورد قائلاً: أقل جميل أرده وحتى لا أنسى من كنت وماذا عملت معي، سافر جميس روسز لأمريكا وتابع وضع عبد الحكيم توفيق حتى حصل على حق الإقامة والدراسة وبعث جيمس روسز برسالة بشر عبد الحكيم قبوله للإقامة والدراسة في إحدى المدارس الامريكية للتكنولوجيا وفرح عبد الحكيم وأخبر والدته وأخته سفره لأمريكا للدراسة وما هي إلا ثلاثة أشهر حتى وصلت فيزة دخول وإقامة ودراسة عبد الحكيم للسفارة الأمريكية في الرياض وعمل حفلة وداع لوالدته وأخته وأخبرهما وترجاهما عدم معرفة أخواله وأولادهم وإبقاء سفره طيّ الكتمان.
غداً السبت الحلقة الثالثة من قصة (الحلم البعيد) للدكتور إسماعيل محمد النجار.




