
الكرامة تكافئ البلاء
الخرطوم (السودان)- علي الكرار هاشم محمد
واحدة من العادات التي درج عليها المجتمع السوداني قاطبة هي (الكرامة) وقد ظلت حاضرة في كل المجتمعات حتى يومنا هذا محتفظة باسمها وشكلها ومختلفة في طريقتها ودوافعها التي تتعدد حتى تكاد تشمل كل افراح الناس ومتطلباتهم عند الشدائد. والكرامة هي شكر لله سبحانه وتعالي وابتهال وتعبير عن الرضاء عند اتمام أمر مهم أو بداية أمر أو خلاص شخص وهكذا ( والكرامة تكافي البلاء) و(كرامة البليلة ترفع الثقيلة) لهذا ظلت تتكرر دائما باختلاف هذه الأسباب كما عرفت ببساطتها وعدم المغالاة فيها ومن هنا عرف الناس بداهة (كرامة البليلة) وهي تقام بعد جمع كمية من العيش الذرة أو اللوبيا من مختلف الاصناف وتطبخ بالماء فقط وتقدم للناس ولعل هذه هي الصورة الأصلية للكرامة وتقام في كل اوقات اليوم بالصباح او الظهر او المساء وفي المساجد أو البيوت او علي قارعة الطريق ولا علاقة لها بالوجبات ومواعيدها وهناك كرامة الشاي باللقيمات وغالبا ما تجدها في المساجد وعند ختمة القران وغيرها من المناسبات.
وإذا كانت الكرامة أمر جامع لكل فئات المجتمع فان للنساء كرامة في العديد من المناسبات الخاصة بهن مثل الاربعين للمرأة الوالدة ولهن طقوس خاصة مثل تقديم الارز باللبن وغير ذلك.
وأهلنا في القري يقيمون الكرامة متزامنة مع صلاة الاستسقاء لنزول المطر وعند بداية الزراعة (عند الدخول للجزيرة) وهذه غالبا ما تصاحبها (ذبيحة تيس) ويكرمون عند شراء وابور جديد للزراعة أو صناعة مركب جديد ويكرمون عند بناء المنزل في يوم (شق الساس أو عند العتب السمك) ويكرمون عند المناسبات الدينية مثل المولد النبوي والرجبية والعاشوراء (وهذه مهمة لارتباطها بعادة التبان) ثم تتطور وتكثر الأسباب عند شفاء المريض وعودة الغائب والصلح وانتهاء المشاكل لهذا تسمع السؤال بطريقة عادية جدا (أه الكرامة متين).
كان عمنا الخليفة هارون يرحمه الله حريصا على اقامة الكرامة عند العديد من المناسبات وكان يأمر بها الناس فيقيمونها على امتداد منطقتنا ويقابلها الناس بارتياح كبير انطلاقا من مفهومها الديني وارتباطها بالسلامة والنجاة.
وفي الادب السوداني أخذت الكرامة موقعها فقد ذكرها الشاعر في قصيدة (متين يا علي) الشهيرة (جابولنا الكرامه وصبحنا فرحانين – ضربو دنقرن جوني العيال مارقين).
وفي استغاثة عكير الدامر الشهيرة لصديقه ود البيه يقول (تسلم من رقاد العلة يا المهيوب – نسيم العافية ليك يا حي كرامة يأوب – تعيش يا البي خيانة الجارة ماك مريوب- تعيش يا السنجك المثلت صبر ايوب).
هذا هو المفهوم الكبير للكرامة واقامتها كواحدة من مظاهر القربات والطاعات التي يجتمع فيها الناس مستشعرين ضعفهم ومرتجين أفضال الإله ونعمه عليهم. وقد بدأت تظهر الآن في العديد من الاماكن متزامنة مع ظهور وباء الكورونا نسأل الله ان يرفعه عن الناس ويحفظهم من كل شر وبلاء.




