“الثقة هي رأس مال كل إنسان، فإذا ضاعت، لم يعد السؤال عن خطئه الأول، بل عن قدرته على إقناع الناس بأنه ما زال جديرا بها”.

عالم السياسة يا سادتي كعالم المستديرة (دُنيا دَبَنْقَا)، يعني يوم لك ويوم عليك؛ فقد ينجو المسؤول من خطأ إداري، وقد يفلت من قرار ثبت لاحقا أنه لم يكن موفقا، لكنه نادرًا ما ينجو إذا فقد ثقة الناس. في نظري فإن المصداقية هي رأس المال الحقيقي لكل سياسي، أو لنقل لكل فرد أو فردة، فكلما تراكمت الشبهات، مهما اختلفت طبيعتها، أصبح استعادة تلك الثقة أكثر صعوبة.
وربما لا يعرف كثير من القراء العرب اسم ينس شبان، لكنه يعد أحد أبرز الوجوه السياسية في ألمانيا خلال العقد الأخير. فقد شغل منصب وزير الصحة خلال جائحة كورونا، ويُعد من القيادات البارزة في الحزب المسيحي الديمقراطي، الحزب الذي ينتمي إليه المستشار الألماني فريدريش ميرتس. وكان يُنظر إليه لسنوات باعتباره أحد السياسيين الشباب المرشحين لقيادة الحزب مستقبلًا، قبل أن تتوالى عليه الأزمات، حتى أصبح اسمه يرتبط في الإعلام الألماني بسلسلة من الملفات المثيرة للجدل.
وليس هذا أول مأزق يواجهه الرجل. فخلال جائحة كورونا تعرض لانتقادات واسعة بسبب صفقات شراء الكمامات الطبية التي أبرمت بأسعار اعتبرها كثيرون مبالغًا فيها، وكلفت الخزانة العامة مليارات اليوروهات. كما أثيرت تساؤلات حول منح بعض العقود لشركات قريبة من محيطه السياسي، الأمر الذي فتح الباب أمام اتهامات بالمحاباة، حتى وإن لم تثبت بحقه مسؤولية جنائية. ومنذ ذلك الحين، بدا وكأن شبان أصبح نقطة جذب دائمة للعواصف الإعلامية، فما إن يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى.
أما القضية الأخيرة يا سادتي، فهي مختلفة في ظاهرها، لكنها تمس في جوهرها علاقة السياسي الوثيقة أولا بالقانون وثانيا بالعرف والذوق السليم من وجهة نظري.
ولعل القارئ العربي يحتاج هاهنا إلى توضيح بعض الخلفيات القانونية والثقافية. فمنذ عام 2017 أصبح زواج المثليين معترفا به قانونيا في ألمانيا، ويتمتع الأزواج من الجنس نفسه بمعظم الحقوق التي يتمتع بها الأزواج الآخرون. وهذا الموضوع، مهما اختلفت المواقف منه في المجتمعات العربية، لم يعد يمثل خلافًا سياسيًا كبيرًا داخل ألمانيا.
لكن في المقابل، يمنع القانون الألماني ما يعرف بـ الأم البديلة أو الاستئجار الإنجابي، أي أن تحمل امرأة طفلًا نيابة عن شخص أو زوجين بموجب اتفاق مسبق. ويرى المشرع الألماني أن مثل هذه الممارسات تمس كرامة المرأة والطفل وتحول الإنجاب إلى معاملة تجارية، ولذلك يحظرها داخل ألمانيا.
وليس هذا الجدل جديدا على القارئ العربي. فكثيرون ما زالوا يتذكرون بطولة كأس العالم في قطر عام 2022، عندما وقف لاعبو المنتخب الألماني واضعين أيديهم على أفواههم احتجاجًا على منعهم من ارتداء شارة “ون لاف”، الداعمة لحقوق المثليين، كما أثارت تلك الحادثة نقاشا واسعا بين الشرق والغرب حول اختلاف المنظومات الثقافية والقيم الاجتماعية.
أما اليوم، فإن القضية لم تعد تتعلق بشعار على ذراع لاعب كرة قدم، وإنما بممارسة قانونية أثارت نقاشا سياسيا واسعا.
فينس شبان متزوج من رجل، وقد أعلن مؤخرًا عن ولادة طفله الأول بعد أن سافر مع زوجه إلى الولايات المتحدة، حيث تسمح بعض الولايات باستخدام الأم البديلة. ووفقا لما تداولته وسائل الإعلام الألمانية، بلغت تكاليف العملية وما رافقها من إجراءات ما يقارب مائة ألف دولار.
وهنا انفجرت الأزمة.
فالغالبية الساحقة من الانتقادات لم تنصب على حياته الخاصة، ولا على زواجه، فذلك أمر يكفله القانون الألماني. وإنما انصب الجدل على سؤال آخر أكثر حساسية: هل يجوز لسياسي يشارك في سنِّ القوانين داخل ألمانيا أن يلتف على هذه القوانين بمجرد السفر إلى دولة أخرى تسمح بما تحظره بلاده؟
هذا هو السؤال المؤلم والمؤثر الذي يطارد شبان اليوم في كل المحافل وفي كل لمحة ونفس.
ففي الديمقراطيات الراسخة يا سادتي، لا يكفي أن يلتزم السياسي بحرفية القانون، بل يُنتظر منه أيضا أن يحترم روحه. لأن المواطنين لا ينظرون إلى المسؤول باعتباره فردا عاديا، بل نموذجا يفترض أن يجسد القيم التي يدافع عنها تحت قبة البرلمان (البندستاق).
ومع تصاعد الضغوط الإعلامية والسياسية، أعلن شبان استعداده للتخلي عن منصبه القيادي داخل الحزب إذا رأى زملاؤه أن ذلك يصب في مصلحة الحزب. وقد فسر البعض هذه الخطوة بأنها محاولة لتحمل المسؤولية السياسية، بينما رأى آخرون أنها جاءت لاحتواء موجة الانتقادات قبل أن تتحول إلى أزمة داخلية أكبر.
أما المستشار فريدريش ميرتس، فهو يريد إغلاق هذا الملف بأسرع وقت ممكن. فالحكومة الألمانية تستعد لدخول العطلة البرلمانية الصيفية، وآخر ما يحتاج إليه الائتلاف الحاكم هو فضيحة جديدة تلاحقه حتى الخريف. فالرجل يواجه تحديات اقتصادية معقدة، وضغوطا داخلية وخارجية، كما أن شعبيته تراجعت بصورة ملحوظة، حتى إن بعض المعلقين الألمان استخدموا التعبير الشعبي الساخر القائل إن الشعبية “وصلت إلى البدروم”.
وفي المقابل، يواصل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف تعزيز حضوره في استطلاعات الرأي، مستفيدا من كل أزمة تضرب الأحزاب التقليدية. وهذا ما يثير قلق شريحة واسعة من المواطنين، ولا سيما الألمان من أصول عربية وشرقية، الذين يخشون أن يؤدي صعود هذا الحزب مستقبلا إلى تشديد قوانين الهجرة أو الجنسية أو الإقامة، وربما إعادة فتح ملفات ظنَّ كثيرون أنها أصبحت جزءا من الماضي.
قد تبدو هذه المخاوف للبعض مبالغا فيها، لكن السنوات الأخيرة علمتنا يا سادتي أن السياسة لم تعد تعرف المستحيل. فما كان يُعد قبل سنوات مجرد سيناريو نظري أصبح اليوم واقعا في أكثر من دولة. وقد أظهرت التجربة الأمريكية كيف يستطيع رئيس منتخب أن يعيد رسم قواعد اللعبة السياسية، وأن يختبر حدود المؤسسات الديمقراطية بصورة لم يكن كثيرون يتوقعونها.
ولهذا، فإن قضية ينس شبان ليست، في جوهرها، قضية زواج مثلي ولا قضية طفل ولد في الولايات المتحدة، وإنما هي قضية المصداقية السياسية. فحين يطالب السياسي المواطنين باحترام القانون، ثم يبحث بنفسه عن طريق للالتفاف عليه خارج الحدود، يصبح السؤال مشروعًا: هل القانون قيمة أخلاقية يلتزم بها الجميع، أم مجرد نص يمكن تجاوزه متى توفرت القدرة والمال؟




