سياسة

تعقيب على مقال «المقولة الأشهر والأخطر لمحمود محمد طه»

د‭. ‬عمر‭ ‬القراي

كتب‭ ‬الأستاذ‭ ‬الريح‭ ‬عبد‭ ‬القادر،‭ ‬مقالاً‭ ‬بعنوان‭ (‬المقولة‭ ‬الأشهر‭ ‬والأخطر‭ ‬لمحمود‭ ‬محمد‭ ‬طه‭: ‬هل‭ ‬مطلوب‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬السوداني‭ ‬أن‭ ‬يحترق‭ ‬لكي‭ ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬النار‭ ‬محرقة؟‭). ‬والكاتب‭ ‬يتناول‭ ‬بالنقد،‭ ‬المقولة‭ ‬المنسوبة‭ ‬للأستاذ‭ ‬محمود‭ ‬محمد‭ ‬طه،‭ ‬والتي‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الخير‭ ‬للشعب‭ ‬السوداني،‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬بتجربة‭ ‬حكم‭ ‬جماعة‭ ‬الهوس‭ ‬الديني‭. ‬وأنها‭ ‬ستكون‭ ‬تجربة‭ ‬مفيدة،‭ ‬لأنها‭ ‬ستكشف‭ ‬زيف‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة‭. ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة‭ ‬ستستولي‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬ولو‭ ‬بالوسائل‭ ‬العسكرية،‭ ‬وسيذيقون‭ ‬الشعب‭ ‬الأمرين،‭ ‬ويحيلون‭ ‬نهاره‭ ‬إلى‭ ‬ليل،‭ ‬وسوف‭ ‬تنتهي‭ ‬فتنتهم‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬ويقتلعون‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬السودان‭ ‬اقتلاعاً‭. ‬

ولأن‭ ‬الأستاذ‭ ‬الريح‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المقولة،‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬سائر‭ ‬الناس،‭ ‬فقد‭ ‬كتب‭ (‬والمثير‭ ‬للدهشة‭ ‬ليس‭ ‬انتشار‭ ‬المقولة‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬اعجاب‭ ‬كثيرين‭ ‬بها‭ ‬وتناقلهم‭ ‬لها‭ ‬وكأنها‭ ‬نبوءة‭ ‬عظيمة‭ ‬تستحق‭ ‬الاحتفاء‭. ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فأرى‭ ‬فيها‭ ‬خللاً‭ ‬اخلاقياً‭ ‬وفكرياً‭ ‬ومنهجياً‭ ‬يستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عنده‭)!! ‬ولعل‭ ‬مشكلة‭ ‬الكاتب‭ ‬الأساسية،‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬خلط‭ ‬بين‭ ‬أمرين،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬له،‭ ‬لو‭ ‬تروّى‭ ‬قليلاً،‭ ‬أن‭ ‬يخلط‭ ‬بينهما،‭ ‬وهما‭: ‬معرفة‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمود‭ ‬بما‭ ‬سيحدث‭ ‬للشعب‭ ‬السوداني،‭ ‬نتيجة‭ ‬علمه،‭ ‬واستقرائه‭ ‬للواقع‭ ‬السياسي،‭ ‬وتقريره‭ ‬إن‭ ‬الكارثة‭ ‬لديها‭ ‬وجه‭ ‬حسن‭ ‬هو‭ ‬كشف‭ ‬حقيقة‭ ‬زيف‭ ‬شعارات‭ ‬جماعة‭ ‬الهوس‭ ‬الديني‭ ‬وأن‭ ‬ذلك‭ ‬سيستفيد‭ ‬منه‭ ‬الشعب‭. ‬إذ‭ ‬اعتبر‭ ‬الريح‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمود‭ ‬يريد‭ ‬للشعب‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬ليتعلم‭!!‬

ولهذا‭ ‬كتب‭ (‬الشعوب‭ ‬ليست‭ ‬مطالبة‭ ‬بأن‭ ‬تدفع‭ ‬من‭ ‬دمائها‭ ‬وأمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬ثمن‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يقدمها‭ ‬لها‭ ‬أهل‭ ‬الخبرة‭. ‬والشعب‭ ‬الذي‭ ‬يجهل‭ ‬عواقب‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬مسؤولاً‭ ‬وحده‭ ‬عن‭ ‬جهله‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬أيضاً‭: ‬أين‭ ‬علماؤه؟‭ ‬وأين‭ ‬حكماؤه؟‭ ‬وأين‭ ‬قادته؟‭ ‬وماذا‭ ‬الذي‭ ‬فعلوه‭ ‬لتحذيره‭ ‬وتجنيبه‭ ‬الكارثة؟‭ … ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشعوب‭ ‬معذورة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اختيار،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تتحمل‭ ‬أي‭ ‬مسؤولية‭ ‬عن‭ ‬قراراتها‭ ‬لكنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مسؤولية‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬المعرفة‭ ‬والسلطة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬ليست‭ ‬كمسؤولية‭ ‬من‭ ‬يترك‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬الجهل‭ ‬والتضليل‭) ‬والأستاذ‭ ‬محمود‭ ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬المستقبل،‭ ‬بل‭ ‬واجه‭ ‬الواقع،‭ ‬وحين‭ ‬تقاعس‭ ‬كبراء‭ ‬البلد‭ ‬وقادتها،‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬الاستعمار،‭ ‬واجهه‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬سجين‭ ‬سياسي‭. ‬ولمّا‭ ‬نجحت‭ ‬جماعة‭ ‬الهوس‭ ‬الديني،‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬قوانينها،‭ ‬لتحكم‭ ‬بها‭ ‬قبضتها‭ ‬باسم‭ ‬الدين،‭ ‬عارضها،‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حبل‭ ‬المشنقة‭!! ‬ثم‭ ‬أنه‭ ‬كتب‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬ثلاثين‭ ‬كتاباً،‭ ‬يشرح‭ ‬فيها‭ ‬الفكرة،‭ ‬التي‭ ‬تبين‭ ‬خطأ،‭ ‬وجهل،‭ ‬دعاة‭ ‬الهوس‭ ‬الديني،‭ ‬وطاف‭ ‬كل‭ ‬مدن‭ ‬السودان،‭ ‬يلقي‭ ‬المحاضرات،‭ ‬ويناقش‭ ‬الناس،‭ ‬بهدف‭ ‬التوعية‭. ‬وكتب‭ ‬تلاميذه،‭ ‬تحت‭ ‬اشرافه،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬مائتي‭ ‬كتيب‭ ‬ومنشور،‭ ‬في‭ ‬توعية‭ ‬الشعب،‭ ‬وتحذيره،‭ ‬ليتجنب‭ ‬كارثة،‭ ‬وصول‭ ‬تلك‭ ‬الجماعة‭ ‬الشيطانية‭ ‬للحكم،‭ ‬فمن‭ ‬يلومه‭ ‬على‭ ‬تقصير‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬شعبه؟‭! ‬لينظر‭ ‬الأستاذ‭ ‬الريح‭ ‬الى‭ ‬نفسه،‭ ‬ويقارن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬فعل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬التوعية،‭ ‬وما‭ ‬فعل‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمود‭!!‬

يقول‭ ‬الأستاذ‭ ‬الريح‭ (‬ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬للشعب‭ ‬السوداني‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬بتجربة‭ ‬حكم‭ ‬الكيزان‭ ‬لكي‭ ‬يكتشف‭ ‬زيف‭ ‬شعاراتهم؟‭ ‬هل‭ ‬مطلوب‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬السوداني‭ ‬أن‭ ‬يحترق‭ ‬لكي‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬النار‭ ‬تحرق؟‭ ‬وهل‭ ‬مطلوب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالاستبداد‭ ‬حتى‭ ‬يتعلم‭ ‬رفض‭ ‬الاستبداد؟‭).. ‬لقد‭ ‬درج‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمون‭ ‬على‭ ‬التضليل‭ ‬باسم‭ ‬الدين،‭ ‬وسط‭ ‬شعب‭ ‬محب‭ ‬للدين،‭ ‬كما‭ ‬درجوا‭ ‬على‭ ‬الكذب،‭ ‬وتشويه‭ ‬معارضيهم‭ ‬بالباطل‭. ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يستمعوا‭ ‬للتوعية،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فحواها،‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لهم‭ ‬بالإسلام،‭ ‬ولا‭ ‬بالديمقراطية،‭ ‬ولا‭ ‬بهذا‭ ‬الوطن‭. ‬فأصبح‭ ‬الخياران‭ ‬هما‭: ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬جماعة‭ ‬الهوس‭ ‬الديني‭ ‬للسلطة،‭ ‬فتظهر‭ ‬للناس‭ ‬بممارساتهم،‭ ‬وتسلطهم،‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬جرت‭ ‬به‭ ‬التوعية،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يستجيبوا‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬دعاة‭ ‬الهوس‭ ‬الديني‭ ‬الى‭ ‬السلطة،‭ ‬ولكنهم‭ ‬يحركونها‭ ‬من‭ ‬خارجها،‭ ‬ويضللون‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬منابر‭ ‬المساجد،‭ ‬ومن‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬ومن‭ ‬ابتزاز‭ ‬السياسيين‭ ‬باسم‭ ‬الدين،‭ ‬وسوقهم‭ ‬ليطبقوا‭ ‬نيابة‭ ‬عنهم،‭ ‬مفاهيمهم،‭ ‬التي‭ ‬تضر‭ ‬بالناس،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلوا‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬نميري،‭ ‬بقوانين‭ ‬سبتمبر‭ ‬1983،‭ ‬ويظل‭ ‬الناس‭ ‬مضللين‭ ‬فيهم،‭ ‬ومتضررين‭ ‬منهم‭ ‬لوقت‭ ‬أطول‭. ‬

‭ ‬يقول‭ ‬الأستاذ‭ ‬الريح‭ (‬إن‭ ‬ثمة‭ ‬فرقاً‭ ‬كبيراً‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬نستخلص‭ ‬الدروس‭ ‬من‭ ‬الكوارث‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬بالفعل‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬للشعوب‭ ‬أن‭ ‬تمر‭ ‬بتلك‭ ‬الكوارث‭ ‬لكي‭ ‬تتعلم‭. ‬الأولى‭ ‬حكمة‭ ‬تفرضها‭ ‬الحياة‭. ‬أما‭ ‬الثانية‭ ‬فتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تبرير‭ ‬أخلاقي‭ ‬لا‭ ‬توفره‭ ‬مجرد‭ ‬صحة‭ ‬التنبؤ‭ ‬بما‭ ‬سيحدث‭) ‬نعم‭ ‬هناك‭ ‬فرق،‭ ‬وهو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬الدرّاك،‭ ‬ذو‭ ‬الخيال‭ ‬الواسع،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬الكوارث،‭ ‬قبل‭ ‬وقوعها،‭ ‬ويتصور‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتعلمه‭ ‬منها،‭ ‬والعقل‭ ‬القاصر،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الكارثة،‭ ‬حتى‭ ‬تداهمه،‭ ‬ثم‭ ‬يحاول‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬يتلمس‭ ‬ما‭ ‬يستفيده‭ ‬منها‭. ‬وكلاهما‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬الكارثة،‭ ‬كما‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تفرضها‭ ‬الحياة،‭ ‬كما‭ ‬قرر‭ ‬أستاذ‭ ‬الريح‭. ‬وإنما‭ ‬فرضتها‭ ‬إرادة‭ ‬الله‭ ‬القدير،‭ ‬اقرأ‭ ‬إن‭ ‬شئت‭ (‬مَا‭ ‬أَصَابَ‭ ‬مِن‭ ‬مُّصِيبَةٍ‭ ‬فِي‭ ‬الْأَرْضِ‭ ‬وَلَا‭ ‬فِي‭ ‬أَنفُسِكُمْ‭ ‬إِلَّا‭ ‬فِي‭ ‬كِتَابٍ‭ ‬مِّن‭ ‬قَبْلِ‭ ‬أَن‭ ‬نَّبْرَأَهَا‭ ‬ۚ‭ ‬إِنَّ‭ ‬ذَٰلِكَ‭ ‬عَلَى‭ ‬اللَّهِ‭ ‬يَسِيرٌ‭) ‬هذا‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬ظاهر‭ ‬الشريعة‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬أشخاص‭ ‬تسببوا‭ ‬في‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬اعتبرناها‭ ‬كارثة‭. ‬فهل‭ ‬ندين‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬الكارثة‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬تنبأ‭ ‬بها؟‭! ‬وهل‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الأستاذ‭ ‬الريح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يتفق‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬معيار‭ ‬أخلاقي؟‭!  ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق