سياسة

القاهرة.. هل فقدت عقلها أم أعصابها؟!

الجميل‭ ‬الفاضل

ليس‭ ‬صدفةً‭ ‬أن‭ ‬يتكرر،‭ ‬خلال‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬فقط،‭ ‬مشهدُ‭ ‬استهداف‭ ‬المعدّنين‭ ‬السودانيين‭ ‬العُزَّل،‭ ‬أولئك‭ ‬البسطاء‭ ‬الذين‭ ‬يفتشون‭ ‬في‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ ‬عن‭ ‬فتات‭ ‬رزق،‭ ‬ليجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬تحت‭ ‬وابل‭ ‬نيران‭ ‬كثيفة‭ ‬لا‭ ‬تميّز‭ ‬بين‭ ‬قوي‭ ‬وضعيف،‭ ‬ولا‭ ‬بين‭ ‬مقاتل‭ ‬وإنسان‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬منجمه‭ ‬سوى‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬العيش‭ ‬والحياة‭.‬

حين‭ ‬يتكرر‭ ‬المشهد،‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬المسألة‭ ‬مجرد‭ ‬حادثة‭ ‬عابرة؛‭ ‬إنما‭ ‬يصبح‭ ‬التكرار‭ ‬نفسه‭ ‬إشارةً‭ ‬تستوجب‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬ترى‭ ‬القاهرة،‭ ‬وماذا‭ ‬لا‭ ‬ترى؟‭ ‬أعجز‭ ‬عقلها‭ ‬السياسي‭ ‬عن‭ ‬إدراك‭ ‬عواقب‭ ‬أفعالها،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬فقدت‭ ‬أعصابها‭ ‬عندما‭ ‬استعصى‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬إرادتها؟

ويزداد‭ ‬السؤال‭ ‬خطورةً‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬إشارات‭ ‬لضلوع‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬استخدام‭ ‬الجيش‭ ‬للسلاح‭ ‬الكيميائي‭ ‬في‭ ‬الحرب؛‭ ‬وهي‭ ‬اتهامات‭ ‬قد‭ ‬تنقل‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬التدخل‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬إلى‭ ‬تخوم‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬جرائم‭ ‬دولية‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭.‬

وللحقيقة،‭ ‬فإنه‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬أخطر‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتوهم‭ ‬أن‭ ‬فائض‭ ‬قوتها‭ ‬قد‭ ‬يعفيها‭ ‬من‭ ‬مساءلة‭ ‬الضمير‭ ‬والأخلاق‭ ‬والتاريخ‭.‬

لكن‭ ‬المسألة،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬قراءة‭ ‬لهذه‭ ‬النيران‭ ‬المشتعلة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬السودان؛‭ ‬إنها‭ ‬تتصل‭ ‬كذلك‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬‮«‬العمى‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭: ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬دولة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لإيذاء‭ ‬جيرانها،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتقر‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬البصيرة‭ ‬التي‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصنعه‭ ‬أفعالها‭ ‬تلك‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬وما‭ ‬توقظه‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬اولئك‭ ‬الجيران،‭ ‬وما‭ ‬تستدعيه‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬تتجاوز‭ ‬حساباتها‭ ‬المباشرة‭.‬

ففي‭ ‬العلوم‭ ‬العسكرية،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬كفاءة‭ ‬الجيوش‭ ‬بكثافة‭ ‬نيرانها‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬بوفرة‭ ‬عتادها،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬بسلامة‭ ‬منظومات‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬والاتصال،‭ ‬ودقة‭ ‬التقاط‭ ‬الإشارات،‭ ‬وسرعة‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬وقرار‭.                                ‬فالإشارة‭ ‬هي‭ ‬الجهاز‭ ‬العصبي‭ ‬للمعركة؛‭ ‬بها‭ ‬تُقرأ‭ ‬حركة‭ ‬الخصم،‭ ‬وتُستشعر‭ ‬المباغتة،‭ ‬ويُفصل‭ ‬بها‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬وما‭ ‬يُوشك‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭.‬

وبالتالي،‭ ‬حين‭ ‬تتعطل‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة،‭ ‬لا‭ ‬تنقص‭ ‬القوة‭ ‬المادية‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬تفقد‭ ‬بوصلتها‭ ‬وعقلها‭ ‬الذي‭ ‬يهديها‭.         ‬عندها‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬فائض‭ ‬السلاح‭ ‬وجهًا‭ ‬آخر‭ ‬للعجز،‭ ‬وتغدو‭ ‬كثافة‭ ‬النيران‭ ‬ستارًا‭ ‬يحجب‭ ‬حقيقة‭ ‬هزيمة‭ ‬آتية‭ ‬لا‭ ‬محالة‭.‬

عمومًا،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬شأن‭ ‬الميدان‭ ‬العسكري،‭ ‬فإن‭ ‬الميدان‭ ‬الأوسع،‭ ‬حيث‭ ‬تتصارع‭ ‬الأفكار‭ ‬والسياسات‭ ‬وتتحول‭ ‬المجتمعات،‭ ‬قد‭ ‬يغدو‭ ‬هو‭ ‬كذلك‭ ‬مضمارًا‭ ‬أشد‭ ‬احتياجًا‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭: ‬سلاح‭ ‬إشارة‭.‬

هنا‭ ‬نغادر‭ ‬المصطلح‭ ‬العسكري‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬آخر‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الوقائع‭ ‬لا‭ ‬تستنفد‭ ‬معناها‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬وأن‭ ‬الحدث‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬تفصيلاً‭ ‬هامشيًا‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬السياسة‭ ‬قد‭ ‬يحمل،‭ ‬في‭ ‬باطنه،‭ ‬نذير‭ ‬تحول‭ ‬كبير‭.‬

ليست‭ ‬المسألة‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬السطور‭ ‬فحسب؛‭ ‬فهذه‭ ‬القراءة،‭ ‬على‭ ‬أهميتها،‭ ‬تظل‭ ‬أسيرة‭ ‬النص‭ ‬وسياقه‭ ‬المباشر،‭ ‬تحاول‭ ‬استخراج‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬العبارة‭

  ‬أما‭ ‬سلاح‭ ‬الإشارة‭ ‬الذي‭ ‬أقصده‭ ‬فيذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭: ‬إنه‭ ‬يقرأ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الواقعة‭ ‬ومآلاتها،‭ ‬وبين‭ ‬الفعل‭ ‬والسنن‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬عواقبه،‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬القوة‭ ‬اليوم‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يرتد‭ ‬عليها‭ ‬غدًا‭.‬

إنه‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬سؤال‭: ‬ماذا‭ ‬حدث؟‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أشد‭ ‬عمقًا‭: ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة؟‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬تشير؟‭ ‬وما‭ ‬دلالاتها؟

فالإشارة،‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬ليست‭ ‬زينة‭ ‬بلاغية،‭ ‬ولا‭ ‬لعبة‭ ‬رمزية‭ ‬تُمارَس‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬الذهن؛‭ ‬إنها‭ ‬إنذار‭ ‬مبكر‭ ‬يوقظ‭ ‬البصيرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستيقظ‭ ‬الكارثة،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬حادثة‭ ‬تتكرر،‭ ‬أو‭ ‬موقف‭ ‬يتصلب،‭ ‬أو‭ ‬صمت‭ ‬يشي‭ ‬بالتواطؤ،‭ ‬أو‭ ‬خطاب‭ ‬يزداد‭ ‬ضجيجًا‭ ‬كلما‭ ‬افتقر‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإشارة‭ ‬قد‭ ‬تتخفى‭ ‬في‭ ‬ملمح‭ ‬صغير‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تلتفت‭ ‬إليه‭ ‬العيون‭ ‬المنشغلة‭ ‬بسطح‭ ‬الحدث،‭ ‬فيما‭ ‬يكون‭ ‬المستقبل‭ ‬قد‭ ‬أرسل،‭ ‬عبرها،‭ ‬أول‭ ‬رسائله‭.‬

فالسنن‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬يوم‭ ‬تنفجر‭ ‬نتائجها؛‭ ‬إنها‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬بكلياتها‭ ‬في‭ ‬العلن‭.                                          ‬والانهيارات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تهبط،‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬من‭ ‬سماء‭ ‬بلا‭ ‬مقدمات؛‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تسبقها‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬ثقوب‭ ‬صغيرة،‭ ‬وعلامات‭ ‬متفرقة،‭ ‬واختلالات‭ ‬يطول‭ ‬تجاهلها‭ ‬حتى‭ ‬تتصل‭ ‬ببعضها،‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬ترسم‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬صورة‭ ‬مصير‭ ‬كامل‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تتجلى‭ ‬الحسرة‭ ‬التي‭ ‬يوقظها‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿يَا‭ ‬حَسْرَةً‭ ‬عَلَى‭ ‬الْعِبَادِ‭ ‬ۚ‭ ‬مَا‭ ‬يَأْتِيهِمْ‭ ‬مِنْ‭ ‬رَسُولٍ‭ ‬إِلَّا‭ ‬كَانُوا‭ ‬بِهِ‭ ‬يَسْتَهْزِئُونَ﴾‭.‬

فالحسرة‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الرسالة،‭ ‬إنما‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬حضورها‭ ‬وعدم‭ ‬الإصغاء‭ ‬إليها؛‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تطرق‭ ‬الحقيقة‭ ‬أبواب‭ ‬الوعي‭ ‬فيردّها‭ ‬الاستكبار،‭ ‬وأن‭ ‬تلوح‭ ‬أمارات‭ ‬الخطر‭ ‬فتبتلعها‭ ‬نشوة‭ ‬القوة،‭ ‬وأن‭ ‬تتقدم‭ ‬العواقب‭ ‬نحو‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬فيما‭ ‬يواصلون‭ ‬هم‭ ‬التصرف‭ ‬كأن‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬ذاكرة‭ ‬له،‭ ‬وكأن‭ ‬الأفعال‭ ‬لا‭ ‬ترتد‭ ‬على‭ ‬فاعليها‭.‬

وهنا‭ ‬مكمن‭ ‬الجناية‭: ‬أن‭ ‬يُساء‭ ‬فهم‭ ‬التحذير‭ ‬لأنه‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬اعتاده‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬توهم،‭ ‬وأن‭ ‬يُستهان‭ ‬بالإشارة‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬بعدُ‭ ‬عنفوان‭ ‬الكارثة‭.‬

إن‭ ‬سلاح‭ ‬الإشارة‭ ‬المقصود‭ ‬يعمل،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬عبر‭ ‬مسارين‭ ‬متكاملين‭.‬

أولهما‭: ‬الاستشعار‭ ‬المبكر؛‭ ‬أي‭ ‬التقاط‭ ‬البذرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬شجرة،‭ ‬والصدع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬هاوية،‭ ‬ورصد‭ ‬نطفة‭ ‬السقوط‭ ‬أو‭ ‬النهوض‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬رحم‭ ‬الاحتمال‭.

‬إنه‭ ‬تدريب‭ ‬للوعي‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬المآلات‭ ‬في‭ ‬بداياتها،‭ ‬لا‭ ‬انتظارها‭ ‬حتى‭ ‬تستحيل‭ ‬وقائع‭ ‬دامية‭ ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬معها‭ ‬الندم‭.‬

وثانيهما‭: ‬فكّ‭ ‬شفرات‭ ‬الخطاب‭ ‬المهيمن؛‭ ‬فالقوى‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬احتكار‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بفرض‭ ‬وقائعها‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬حولها‭ ‬غلافًا‭ ‬كثيفًا‭ ‬من‭ ‬التبرير‭ ‬والشعارات،‭ ‬وتدفع‭ ‬الجمهور‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يراه،‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بالفعل‭.  ‬

وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬مهمتنا‭ ‬اختراق‭ ‬هذا‭ ‬الغلاف،‭ ‬وردّ‭ ‬العبارة‭ ‬إلى‭ ‬حقيقتها،‭ ‬والفعل‭ ‬إلى‭ ‬دلالته،‭ ‬والواقعة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬وعواقب‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭.  ‬

لإن‭ ‬السؤال‭ ‬ليس‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬مصر‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬بالضعفاء؛‭ ‬فالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭.                        ‬‭          ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬القاهرة‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬إطلاق‭ ‬النار؟‭ ‬هل‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬السودان‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ساحة‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬المصالح‭ ‬لتصبح‭ ‬خطوطًا‭ ‬حمراء،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬إنسانه‭ ‬طارئ‭ ‬قابل‭ ‬للمحو‭ ‬من‭ ‬خرائط‭ ‬الوجود؟‭ ‬وهل‭ ‬تنتبه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استباحة‭ ‬الضعفاء‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬أمنًا‭ ‬دائمًا،‭ ‬وأن‭ ‬إيلام‭ ‬الجار‭ ‬قد‭ ‬يترك‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬جرحًا‭ ‬أطول‭ ‬عمرًا‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬تحصيلها؟

على‭ ‬أية‭ ‬حال،‭ ‬فإن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬قد‭ ‬تفرض‭ ‬الجوار،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬المودة،‭ ‬والقوة‭ ‬قد‭ ‬تفرض‭ ‬الصمت،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تشتري‭ ‬الثقة‭.                    ‬‭                     ‬وما‭ ‬لا‭ ‬تدركه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الغلبة‭ ‬قد‭ ‬يدركه‭ ‬التاريخ‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

لهذا،‭ ‬فإن‭ ‬تكرار‭ ‬استهداف‭ ‬المعدّنين‭ ‬العُزَّل‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬بوصفه‭ ‬حادثًا‭ ‬أمنيًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬اختبارًا‭ ‬لبصيرة‭ ‬القرار،‭ ‬ولمعنى‭ ‬الجوار،‭ ‬ولحدود‭ ‬القوة‭ ‬حين‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬الحكمة‭.  ‬

وكذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تورط‭ ‬لمصر‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬السلاح‭ ‬الكيميائي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬عارض‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬السودان،‭ ‬إنما‭ ‬سابقة‭ ‬تصبح‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬تستوجب‭ ‬مساءلة‭ ‬قانونية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تحجبها‭ ‬حسابات‭ ‬السياسة‭ ‬ولو‭ ‬إلي‭ ‬حين‭.‬

تُرى‭ ‬هل‭ ‬فقدت‭ ‬القاهرة‭ ‬عقلها‭ ‬أو‭ ‬بصرها،‭ ‬أم‭ ‬أعصابها؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تسمع‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬لها‭ ‬إشارات‭ ‬أفعالها؟‭  ‬

ربما‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يسبق‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬الصراعات‭ ‬والمعارك‭.‬

فنحن‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬إشارة‭ ‬يسجل‭ ‬الخرائب‭ ‬بعد‭ ‬وقوعها،‭ ‬لكن‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬نرى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الواقعة‭ ‬ذاتها‭ ‬بذرة‭ ‬مآلها،‭ ‬وفي‭ ‬الفعل‭ ‬ظله‭ ‬المقبل،‭ ‬وفي‭ ‬صمت‭ ‬اليوم‭ ‬صرخة‭ ‬الغد‭.‬

فالأمم‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬حين‭ ‬تنفد‭ ‬أسلحتها؛‭ ‬لكن‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬عثرتها‭ ‬الكبرى‭ ‬حين‭ ‬تنفد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الفهم،‭ ‬وعندما‭ ‬تتشابه‭ ‬عليها‭ ‬البقر‭.  ‬

فحين‭ ‬تفقد‭ ‬القوة‭ ‬آذانها‭ ‬التي‭ ‬تسمع‭ ‬بها‭ ‬إشارات‭ ‬التاريخ،‭ ‬قد‭ ‬تظل‭ ‬عيناها‭ ‬مفتوحتين‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬فيما‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬دخلت‭ ‬هي‭ ‬بالفعل،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تدري،‭ ‬في‭ ‬عتمة‭ ‬العمى‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق