
من شعرية الفقد إلى فلسفة الوجود المعلّق
حين تتعلّم الأزهار السقوط من المرأة في ديوان «أزهار تقلدني في السقوط»
بشرى طالبي
يبدو ديوان «أزهار تقلدني في السقوط» للشاعرة علية الإدريسي البوزيدي كما لو أنه كتابة عن الحزن أو الموت أو الخيبات العاطفية، لكنه، في جوهره العميق، محاولة شعرية لإعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الكائن ومصيره، وبين اللغة وما يتعذر عليها قوله. نحن أمام تجربة لا تستعمل الشعر للتخفيف من قسوة الوجود، بقدر ما تجعل من هذه القسوة مادة لتأسيس حساسية جمالية مختلفة، يصبح فيها الانكسار طريقة أخرى لإدراك الحياة، ويغدو السقوط فعلاً معرفياً لا مجرد انهيار إنساني.
تبدأ فرادة التجربة من العنوان نفسه، فالأزهار، في المخيال الشعري المألوف، قرينة التفتح والجمال والخصوبة، لكنها هنا تتخلى عن رمزيتها التقليدية لتصبح كائنات تتعلم من الشاعرة السقوط، حيث نصبح إزاء انقلاب دلالي بالغ الأهمية: لم تعد الطبيعة تمنح الإنسان دروس الحياة، لقد صار الإنسان، بهشاشته وجراحه، مرجعاً للطبيعة. ففي قصيدة «الثقب ليس صوتي: تقول الشاعرة: «أجمع فيها ورودي التي تقلدني في السقوط»، هذه الصورة تختزل أطروحة الديوان.. الذات هي النموذج الذي يكتسب منه العالم معنى التهاوي.
ومن هذه الزاوية يمكن الحديث عن شعرية العدوى الوجودية؛ فالحزن لا يبقى محصوراً في الذات، بقدر ما ينتقل إلى الأشياء، والموت لا يكتفي بملاحقة الجسد، بقدر ما يسكن النوافذ والأبواب والأشجار والمرايا… كل شيء يصبح قابلاً للإصابة بالمصير الإنساني. ولهذا تبدو الأشياء في الديوان وكأنها فقدت وظائفها الأصلية، فالنافذة تحتاج إلى مواساة، والقبر يشعر بالقلق، والشجرة تقرأ أوراقها، والمطر يستعير الدموع… إنها ليست استعارات تحاول إعادة بناء للعالم وفق منطق نفسي ووجودي جديد.
يحتل الموت مركزاً استثنائياً في هذه التجربة، لكنه لا يظهر باعتباره نهاية بيولوجية، وإنما يتحول إلى شخصية حوارية، تارة تُستدعى وتارة تُطرد، وتارة تصبح موضوعاً للسخرية والمراوغة. ففي قصيدة «ما الذي يحدث في الجنة؟» تعلن الشاعرة: «مازلت صغيرة على الذهاب إلى الجنة»، إنها عبارة تنطوي على مفارقة مدهشة؛ فالذات التي ألفت الموت وعايشت غياب أحبائها تحتفظ بحقها الطفولي في البقاء، حيث تتجلى مقاومة غير مألوفة للفناء، لا تقوم على البطولة أو اليقين، وإنما على هشاشة الإنسان نفسها.
غير أن أعمق مستويات الديوان ربما يكمن في علاقته بالذاكرة العائلية. فالأب الغائب، والأم، والجدة، والطفولة عناصر حكائية تشكل البنية الخفية التي تنتظم حولها التجربة. حين تقول الشاعرة في «أبي لم يعلمني»: أبي لم يعلمني الحب لكن أمي أرضعتنيه، فإنها تنقل الحب من دائرة المعرفة المكتسبة إلى دائرة التكوين الجسدي الأول. تغدو الأم أصل رمزي للحياة، فيما يصبح غياب الأب جرحاً مؤسساً لعلاقة الذات بالعالم. وتستحق صورة الجدة اهتماماً خاصاً؛ فهي تمثل ما يمكن تسميته ذاكرة الحماية المفقودة. تتكرر الجدة في النصوص باعتبارها ملاذاً بين عالم الأحياء وعالم الموتى، وكأن الشاعرة تحاول أن تستعيد بواسطتها زمناً سابقاً على الخوف. ومن ثم فإن الطفولة مكان داخلي تعود إليه الذات كلما ضاقت بها الحياة.
وعلى المستوى الجمالي، يشتغل الديوان بما يشبه تفكيك المنطق اليومي. فالصورة الشعرية تنشأ من تصادم أشياء متباعدة :البحر والقبر، الحليب والموت، المظلة والجنازة، البالونات والفقد… وهذا التقاطع يمنح الكتابة مسحة سريالية، غير أن غرابتها تكشف عجز العلاقات العادية بين الكلمات عن احتواء تجربة نفسية مضطربة.
واللافت أن الشاعرة تمنح المكان دوراً يتجاوز الخلفية الوصفية. فالبيت والسقف والباب والنافذة والشرفة تشكل جغرافيا رمزية للانغلاق والرغبة في العبور. الباب، على وجه الخصوص، لا يضمن الخروج، والنافذة لا تعد دائماً بالانفتاح. حيث يتحول المكان إلى امتداد لجسد الذات، بينما يصبح السفر والقطار والقارب إشارات إلى حركة لا تحقق الوصول. إنها جغرافيا التيه داخل المألوف.
أما الزمن فلا يتقدم بصورة مستقيمة، فهو زمن دائري، تتكرر فيه الخسارة وتعود فيه الطفولة ويتجدد موت الغائبين، ويتجلى ذلك في التكرارات الإيقاعية لعبارات مثل: قبل ساعة، ولا تنس، وأبدا، وربما… هذه التكرارات هي وسائل لمحاولة الإمساك بزمن يتسرب باستمرار، حتى علامات الحذف التي تحيط بكثير من القصائد توحي بأن النص يبدأ بعد كلام غائب وينتهي قبل اكتمال البوح.
ومع ذلك، فإن القراءة النقدية مطالبة بالتمييز بين الصورة التي تنتج دهشتها من ضرورة داخلية، والصورة التي تتكئ على المفارقة وحدها. هذا التفاوت يكشف عن مغامرة كتابية تراهن على حرية المخيلة حتى في مناطقها الأكثر خطورة. إن الأفق الأبعد لديوان «أزهار تقلدني في السقوط» للشاعرة علية الإدريسي البوزيدي لا يتمثل في الاحتفاء بالموت، كما قد توحي كثافة حضوره، وإنما في مساءلة الحياة من داخل وعي دائم بقابليتها للفقد. فالزهرة التي تسقط لا تفقد تاريخ إزهارها، والمرأة التي تتحدث عن موتها تظل قادرة على الحلم والإنجاب والتذكر والاعتراض.
تكتب علية الإدريسي البوزيدي قصيدة تقيم في المسافة بين الفناء واستحالته، وبين الغياب واستمرار أثره. إنها تبحث عن لغة تستطيع أن تمنح الهشاشة حقها في الوجود. ولعل الاكتشاف الأكثر إثارة في «أزهار تقلدني في السقوط» هو أن السقوط نفسه يتحول إلى شكل من أشكال الإزهار؛ فحين يعجز الكائن عن الانتصار على مصيره، يستطيع، على الأقل، أن يبتكر له معنى. وهنا تحديداً تكمن قوة الديوان: إنه يعلّمنا كيف نكتشف، ونحن نسقط، أن شيئاً في داخلنا ما يزال قادراً على التفتح.Haut du formulaire




