

بشرى بن فاطمة
اختار الباحث الكاتب والفنان الفرنسي «آلان فيو» الأبجدية لاكتشاف طريق المعنى في اللحاق بالمسار الذي اختاره، ليعبر إلى عوالم ومساحات الفنان العراقي الكردي الفرنسي دلشاد كويستاني، ليقدم كتابه الجديد أبجدية دلشاد» باللغة الفرنسية.
الكتاب من خمسين صفحة يحاكي بتفصيل اللغة والفلسفة والفن التكوين واللون والحكاية والموسيقى والمعتقل والمنفى ووطن اللوحة الذي يعيشه دلشاد بمحبة وسلام ويؤسّس من خلاله الطريقة التي أصبح يرى بها العالم، الكتاب قابل لأن يُقرأ من زوايا جمالية ومن تفاصيل حسيّة وإبداعية وإنسانية، اختار آلان فيو عالم الحرف ليراقص اللون في تجريب دلشاد معتبرا أنه وقبل أن يُنطق الاسم، أو تستقر اللغة في نظامها الصوتي، كانت الأشياء تكتب نفسها بالضوء، بالتأمل في الشكل في الصورة في الألوان وهي تمارس بلاغتها خارج كل معجم مجرّدة وحرّة.
من هنا لم يعد سؤال الأبجدية ومنهج توزيعها حرفا بحرف سؤالاً لغويًا، بل سؤالاً أنطولوجيا كيف يدخل الوجود في قابلية العلامة؟ وكيف تحول المرئي إلى حسيّ من خلال العلامة وجمالي من خلال الدلالة ليصبح كتابة مقروءة لا تحتاج إلى صوت، الإجابة فيها محمولة في المصطلحات التي اختارها فيو في أبجديته الفرنسية من A الى Z.
يعتبر فيو أن اللوحة، ليست ما يأتي بعد اللغة، وإنما ما يسبقها، إنها الأبجدية الأولى التي نسيها الإنسان عندما اخترع الحروف، وربما لهذا المعنى لا يقرأ الرسام العالم كما يقرأه الكاتب، الكاتب يستعيد أثر الأشياء في الكلمات، بينما الرسام يعيد الأشياء إلى لحظتها السابقة لتلك التسمية انطلاقا من شكلها من تخيّلها، تعود إلى اللحظة التي لم يكن اللون فيها وصفا، بل وجودا وهذا ما خبره وتبع أثره الفنان التشكيلي الموسيقي الممثّل الشاعر المتمكّن من لغاته وهويته وعلاماته وأبجديته دلشاد كويستاني.
الحرف بين اللون والكينونة
عنوان هذا الكتاب، «أبجدية دلشاد» كما صاغها وعبر نحوها «ألان فويو»، لا يحيل إلى ترتيب الحروف، وإنما إلى ترتيب الرؤية حسب أبجديتها، فبتصفح الكتاب لا ندخل إلى معجم، بل إلى منهج بصري ومفهومي، يصبح اللون فيه مورفيم للضوء، والخط مسارا للحركة، والفراغ علامة ترقيم للصمت، اللوحة نص حقيقي قابل للقراءة والتأمل والتأويل، وهذا ما يجعلها أقرب إلى ما سماه هايدغر انكشافا للوجود، وإلى ما رآه ميرلوبونتي في الجسد الذي لا يرى الأشياء، بل يشاركها في الظهور، وإلى ما اقترحه دريدا حين جعل الكتابة أثرا يسبق الكلام، لا مجرد تابع له.
فإذا كانت الأبجدية التقليدية تؤسس علاقة بين الدال والمدلول، فإن الأبجدية التشكيلية تؤسس علاقة أخرى بين اللون والكينونة، فاللون لا يدل على الشيء، بل يحقق حضوره.
في هذا الأفق يمكن الاقتراب من تجربة دلشاد كويستاني، فهي لا تستعير كردستان موضوعا للوحة، وإنما تجعلها نظامًا للرؤية، وهذا هو المعنى المتأمل للأبجدية أنها ليست بداية اللغة، وإنما بداية العالم كلما امتلك الإنسان القدرة على رؤيته من جديد.
ما منح التجربة خصوصيتها هو قدرتها على الجمع بين الانتماء والانفتاح، فهي تنطلق من هوية كردية واضحة الجذور، لكنها لا تنغلق داخل حدودها، بل تنفتح على الأسئلة الإنسانية الكبرى، سؤال الحرية، والجمال، والذاكرة، والوجود والانسان وهنا يكتسب المحلي طريقه إلى الكوني، وتصبح الخصوصية الثقافية مصدرا لقيمة إنسانية مشتركة، لا حاجز بينها وبين الآخر.
«لا تُصوّر الطبيعة في أعمال دلشاد على أنها واقعية، إذا كنا نعني بذلك محاكاة حرفيةً للمظهر المألوف للطبيعة، فالطبيعة ليست مجرد مجموعة من الأشكال، بل هي منبعٌ للأحاسيس، هذه الطبيعة، التي كانت في الأصل مُبتكرة ومتفاعلة، هي التي تُبعث من جديد بريشة الفنان لتُعبّر عن الجانب الخفي لعالمه في مراحله الأولى، في ظل التكوين والتحوّل، مياه راكدة أو أنهار من هواء، ألسنة من تراب أو سماء ملتهبة، فيزياءٌ بدائية متناقضة المسارات، تُضفي على صخب اللوحة إيقاعها، وعلى فوضاها الظاهرية بنيةً خفية.
الطبيعة محيطٌ من الأسطح والتدفقات، حيث الأشكال والآثار في تحوّلٍ دائم، يتحوّل المسطح المائي إلى غابةٍ مُتزجّجة، والصحراء إلى نهرٍ جليدي، والبرق إلى شلال، والنهر الفيضاني إلى سحابة.
في هذه الفيزياء البدائية، لم يكتمل بعدُ فصلُ المعدن ليصبح نباتيًا، أو النباتي معدنًا، والمادة تصبح ضوء.
لا تنفصل السماء عن الأرض بشكلٍ واضح، حيث يرتجف خط الأفق على حافة صراعهما المتناغم، فمن الواضح أن الطبيعة في لوحات دلشاد لا تبقى كما نعرفها، بل تبدو أقرب إلى الطبيعة البدائية التي وصفها فلاسفة ما قبل سقراط.
ما يلفت نظر المشاهد من لوحةٍ إلى أخرى هو التجلي المستمر لتلك الطبيعة البدائية في مناظر غير مألوفة، وكأن الرسام، بقلّبها رأسًا على عقب، يُرينا وجهها الخفيّ والغامض».
لغة اللون ولون الكلمات
لا يحتاج دلشاد إلى استحضار المكان في هيئة مباشرة حتى نشعر بحضوره، يكفي أن تصافحك اللوحة بجغرافية الذاكرة لتقرأ بصمة دلشاد الفنية والحسية.
فالمكان عنده متحوّل إلى مادة داخلية، إلى حرارة كامنة في الصياغة، في رسم المسافة بين لون وآخر، وتضاريس تتشكّل وتختفي وتتوارى في أرضها بين طبقات التراب واحتواء الطبيعة، الجغرافيا عند دلشاد لم تعد خارج اللوحة، أصبحت جزء من تكوين ذاكرته مشاعره ورؤيته التشكيلية، ولهذا تبدو أعماله وكأنها تحمل في داخلها ذاكرة أرض طويلة، أرض لا يكتبها بحروف الحنين ولا التذكر بل بأمل إنسانية وتفاصيل ذاكرة وهوية يتماهى معها لذلك حملت الحروف البحث نحو مصطلحات مثل السيرة الذاتية والطبيعة اللون والتجريد كردستان والتأثر بها وبالأمكنة التي استوطنت الذاكرة.
ينتمي دلشاد إلى ثقافة تتكثف فيها الصورة داخل اللغة، وتجاور فيها الحكاية الشعر، ويتحول الإيقاع إلى طريقة ابصار اكتسبها من معارفه من حضوره من رحلة الحرب والمعتقل والقتال والفرار بين حدود وحواجز نحو بلاد لم يعرف لغتها تواصل معها بصمت فنان وحدّثته بالفن باللون رسمت مساراته الفنية وصقلته تشكيليا فمن خلال التجربة الفرنسية أصبحت رؤيته أكثر اتساعا وتحررا من مركز واحد للمعنى، إلى معان ومجازات.
هذا العبور الثقافي لا يظهر في عمله على هيئة اقتباسات أو علامات جاهزة، إنه يسكن بنية الحس نفسها، هناك شرق بعيد يطل من عمق اللون، وغرب حاضر في جرأة المساحة وفي استقلال التجريد عن الحكاية المباشرة.
موسيقى التجريد لغة الوطن اللوحة
دلشاد لا يتعامل مع التجريد كتمرين شكلي، يروّض به المشاعر واللون ويراقص الذكريات ثمة معنى إنساني عميق وراء هذا التفكك والاندماج والرقص اللوني الكثيف والمساحات الممتدّة الغاضبة الداكنة والمزهرة الباردة والحارة، وتترك من المشهد الواحد لونا أو رائحة أو ملمسا أو ضوء، حين تنتقل هذه الذاكرة إلى اللوحة، لا تستطيع أن تعود صورة فوتوغرافية للماضي بل تصبح إحساسا بالماضي معايشة لأحداثه محاكاة لتلك الأحداث بين عصفها وانهيارها.
الموسيقى حاضرة في هذا النسيج وفق الإيقاع الذي يتولد من تكرار اللون ومن تفاوت الكثافة ومن توزيع الصمت داخلها هناك مقاطع بصرية تتصاعد، ثم تنخفض، ثم تستعيد حضورها، فالعين لا تتجول في اللوحة عبثا إنها تتحرك وفق إيقاع داخلي يفرضه دلشاد شيء من الغناء القديم يمكن أن يعبر هذه المساحات، لا باعتباره صورة أو رمزًا، بل باعتباره ذاكرة صوتية تحولت إلى لون.
ذلك التحول من الصوت إلى اللون، ومن المكان إلى الإحساس، ومن الذاكرة إلى التجريد، هو ما يمنح تجربة دلشاد خصوصيتها، فيها تتجاور الحواس.
من هذا المنطلق يمكن فهم الصلة العميقة في تجربة دلشاد مع فكرة الأرض، فهي ليست موضوعا خارجيا في تجربته، إنها ذاكرة متجسد من خلال رائحة التراب التي ارتبطت ببعض مشاريعه ليست مجرد حنين إلى المكان الأول، إنها بحث عن أصل داخلي ظل يتحرك معه عبر المسافات.
تحمل اللوحة ذاكرة من كردستان، من العراق، من فرنسا، وذاكرة أخرى لا تنتمي إلى أي جغرافيا محددة، هذه المنطقة الرابعة هي منطقة الفن نفسه، لأن التجربة تتجاوز حدود الأصل والهوية وتدخل إلى سؤال الإنسان في وجوده المتنقل بكل أعماقه الحسية والجمالية وهي الرؤية التي عايشها آلان فيو في تجربة دلشاد والعمل معه لسنوات اكتشف فيه وطنه وموطنه وروحه العاشقة للفن والجمال.
إن هذا الكتاب، لا يقدم سيرة فنان بالمعنى التقليدي، ولا يوثق مسيرته كسلسلة من الأحداث والتواريخ، إنه يقترح قراءة لأبجدية بصرية، تتكون حروفها من اللون، وتراكيبها من الضوء، ونحوها من التجربة، ودلالاتها من الإبداع، والتجريب والاكتشاف والتثاقف الفني والانساني إنه دعوة إلى قراءة الفن كما تُقرأ النصوص الكبرى، قراءة تبحث عما وراء الشكل عن الروح في مراياها، وهي تستنطق ما يسكن الصمت، وتكشف كيف يمكن للوحة أن تصبح نصًا مفتوحًا على التأويل أن تصبح وطنا ولعل هذا ما جعل تجربة دلشاد كويستاني الإنسانية والفنية تؤثّر في كل متأمل للوحاته لمساحاته المكشوفة على الطبيعة والأثر والاحساس والجمال رغم الآلام ومصارعة المصير بالألوان وهو ما فعلته بالشاعرة اللبنانية ريتا حبيب في قصيدتها «سر الأقدار» .




