مجتمع

ليون

عروس الرون

د. محمد بدوي مصطفى

لازلت أذكر أول يوم حطت قدمايّ ثرى تلك المدينة. جئتها لاهثا من مدينة باريس أجرر أثوابي جرجرة بعد أن صدمتني الحياة بها من كل صوب وحدب وبكل ما تحمل المفردة السيميائية من معان. أطلق القطار صافرته إيذانا بدخول محطتها الثانية (قار دو بارديو). نزلت متلفا حقا، أحرك رأسي كالماكوك يمنة ويسرى، سائلا أين المفر! لكن بعد مرور السنين ومكوثي بالمدينة من أجل الدراسة بجامعاتها: لوميير وجان مولان، بدأ صقيع نفسي يذوب وكأنني – كما يروي الطيب صالح – مقرورا طلعت عليه الشمس بموسم هجرته إلى الشمال.

تقع ليون في جنوب شرق فرنسا وهي ثالث أكبر مدينة من حيث عدد السكان بعد باريس – مدينة الجن والملائكة – ومارسليا عروس البحر الأبيض. يزمّل على جنباتها نهر الرون أخيه نهر السون في تؤدة وخشوع، يتعانقا كما أنهما في شغف الحبّ توأمين. عُرفت ليون في كتب التاريخ بإنتاج الحرير، إذ احتوت المدينة على أعداد كبيرة من شركات الغزل والنسيج والصباغة. كما تشتهر حاليا بصناعة السيارات، الصناعات الكيميائية، الكهربائية وكذلك بمنتجات الزراعة. وفي عام1998  صنفت منظمة اليونسكو المدينة القديمة في ليون ضمن مواقع التراث العالمي واستقر بها المقر الرئيسي للأنتربول الذي عمل به أحد الأصدقاء من أبناء السودان.  فكانت لنا معه ومع الرفقة أيام لها رنين!

تم بناء المدينة في القرون الوسطى لا سيما المنطقة القديمة منها (فيو ليون ” ليون القديمة”) التي تقع في الضفة الغربية لنهر السون عند سفح تل الفورفيير الذي تنتصب عليه عذراء النهرين ماثلة في قوامها البهيّ: كنيسة فورفيير. كانت قديما عاصمة لبلاد الغال وتعتبر في الوقت الحاضر أقدم موقع أثري روماني بعد روما نفسها. تقع ليون، “بلاد النهرين”، في أعمق نقطة بوادي الرون وتعتبر عاصمة الحرير الأولى بالعالم حيث اخترع بها طريقة عمل الجاكار في النسيج وهي حاليا عاصمة منطقة الرون ألب وتتمتع بموقع استراتيجي وفريد بقلب أوروبا.

في أوائل تسعينيات القرن الماضي وبعد أن نلت إجازة الماجستير بجامعة ليون لوميير ٢، عقدت العزم على أن أرحل إلى موطن رأسي الحالي بمدينة كونستانس. تركت ليون بدخيلتي ذكريات لا تزال بضة، يافعة انطبعت عليها بصمات صحابي وأحبابي التي لا ولن تنسى، كيف لا وقد جمعتنا محبتنا لبعضنا البعض وشغفنا العميق بلغة العم جان فال جان وتهافتنا لسحر الشعر عند بودلير في أزهار شرّه وخيره! صارت المدينة مع مرور الزمن وبعد جهد جهيد موطننا الثاني، نرفل فيه وكأننا لم نخلق إلا هناك وما عرفنا وطنا غيرها، لكن لعمري، لكل شيء إذا ما تمّ نقصان فلا يغرّ بطيب العيش إنسان. وكان الوداع الأخير يا ليون، عروس الحرير بعبق المجدليّة! 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق