
برشلونة
عروس البحر
د. محمد بدوي مصطفى
أذكر في صباي أول مرّة أحسست فيها بجمال مدينة بعمق عندما كنت أتحدث إلى أحد أقاربنا (حاج حمد) الذي أصيب بمرض مهيب في عينه حتى كاد يفقد من جرائه نورهما. قدَّم لمنحة علاجيّة بالسفارة السعوديّة بالسودان ولحسن حظه وتمّ قبول طلبه للعلاج بمدينة برشلونة إذ تكفل أحد الأمراء من فاعليّ الخير تكاليف العلاج كاملة. سافر (حاج حمد) ورجع حاملا في جعبته الكثير المثير عنها وعن جمالها وبالأخص عن سحر حسانها وفتنتهنّ الفتاكة على حد قوله، بيد أنه ومن المدهش، لم يذكر لي شيئا عن رحلته العلاجيّة. حدثني عن شارع “الرملس” (كما كان يمسيّه) والكلمة مأخوذة من كلمة الرّمل العربية والاسم الصحيح بعد أن بدأت أن أتعلم الاسبانية (الرمله). أعلمني بجمال طبيعة هذه المدينة ورجعت بي الذِّكر إلى حديث والدي عن الأندلس المفقود عن ولادة بنت المستكفي وابن زيدون، وقصص أخرى عن سحر قرناطة وجمال قرطبة وبداعة أشبيلية، سوف أتصدى لها في هذه النافذة في مقالات تالية.
برشولونة، عاصمة كتلونيا، والكتلانية، اللغة التي يتحدثها أهل المدينة ليست الإسبانية، لكنها لغة نيورومانية قائمة بذاتها، لها قواعدها وأسسها، وهي دون أدنى شك حضارة وإرث تاريخيّ جدير بالمعرفة. عرفته عن كثب في جامعة كونستانس حيث كنت أعمل في مكتب مشترك مع أستاذها الذي متعني بهدايا ثمينة عن الإرث الكتلوني المشترك بالعربيّ في فترة حكم الأندلس ودور العلماء الكتلونيين في إثراء الحراك المعرفيّ في تلك الحقبة، منهم رومان يول.
برشلونة مدينة إسبانية تقع في الجزء الشمالي الشرقيّ من شبه الجزيرة الإيبريّة على شاطئ البحر المتوسط بين مصبي نهريّ يوبريغات وبيزيوس. تعد المدينة الثانية الأكبر حجما بإسبانيا بعد مدريد ويبلغ عدد سكانها حوالي المليون وستمائة ألف نسمة (عدا الضواحي التي تمتد على كل أطرافها وتنطوي على أكثر من مليوني ونصف نسمة). لا تبعد كثيرا من جبال البرانس المشهورة. تأسست المدينة على يد القرطاجيين (الفينيقيين) وكانوا – كما يعرف عنهم – أنهم ملوك البحار والأساطيل فكونوا مراكز تجارية على طول الساحل الكتلونيّ. وعلى مدى ثلاثة قرون كانت هذه المدينة مركزا دينيّا مهما وضعت دعائمه مملكة القوط ذلك قبل وصول المغاربة إليها في القرن الثامن الميلادي (٧١٧ م). وربما لا يعرف الكثيرون منّا علاقة هذه المدينة بمملكة العرب في الأندلس. فقد غزاها العرب تحت إمرة المنصور بن أبي عامر ووقعت تحت سيطرة الحكم الأندلسيّ الإسلاميّ في القرن العاشر (٩٨٥ م). ومن ثمّة شهدت هذه المدينة تحالفا مع مملكة أراغون في القرن الثاني عشر للميلاد (١١٣٧ م)، مما جعل منها مركزا تجاريا هاما، بيد أن هذا العزّ الذي استمر قرونا طويلة لم يدم، إذ قامت قوات نابليون في أواخر القرن الثامن عشر باحتلالها، حيث بدت عليها من ثمّة آثار الكآبة والدمار إثر الحرب مع القوات الفرنسيّة. لكنها عادت إلى ألقها وبهائها من جديد فنشأت حركة اعمار جبّارة لم يشهد لها العالم مثيل. فتكاثفت الصناعات لا سيما صناعات النسيج بها وازدهرت وذاع صيتها في أرجاء العالم مما دعم مسيرة هذه المدينة في التعمير والبناء حتى صارت مع مرور الوقت أغنى منطقة في إسبانيا. إذ توفر خُمس الإنتاج الصناعي في المملكة الإسبانية وتستقبل ربع الاستثمارات الخارجيّة بها مما أدّى إلى تطور اقتصادها ونموه السريع وكان لصناعة النسيج نصيب الليث في تحريك موتور الاقتصاد ودعم اللبنات الأساسية لصناعات أخرى نمت وترعرعت جراءها. فاحتضنت المدينة صناعات وتقنيات حديثة مثل صناعة السيّارات والإلكترونيات والأدوية ولعبت السياحة أيضا دورا هاما في دعم الاقتصاد والتعمير البنيويّ. ورغم كل هذا الزخم الصناعيّ تظل برشلونة من أكثر المدن التي صارت قبلة للزوار من كل دول العالم ذلك يرجأ لإرثها التاريخيّ والثقافيّ العريق. فهي مدينة جديرة بالزيارة بعد الكورونا التي لعبت بسياحة العالم وجعلتها منها مكرونة.




