مجتمع

ذكريات وزير

خديجة الشاميّة (2)

د. محمد بدوي مصطفى

تذكرت مع مرور الأيام محطات تلك الذكرى الحالمة التي طالما أرقتني سيما حينا وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا. رجعت بي عجلة الزمان فأحسست لحظتئذ كيف هزت محاسن خديجة الضابط فعصفت به الأشواق وهْنا، بيد أنه لم يزايل وقاره واحترامه عندما رنا إليها وهي ماثلة أمام ناظريه. كان لهذه الواقعة في نفسي أيما أثر، انطبع على مخيلتي بختم مؤيد باليمين، كما كان لي حظ من ألم خديجة وما ألمّ بها من كرب. هفت بي الذكرى فطفت مع الدجى استذكر واستحضر ثم استشف مشاعر الضابط وكيف ملكت خديجة بسحرها لبه حتى انبسطت أساريره فلمس فيها آفاقا وأسرارا ومعنى وكأنه ماثل التو أمام عينيّ. ما زلت أرى حلاوة الدهش في عينيه وكأنهما تغنيان لحن جمّاع الخالد:

أعـلى الجمال تـغـار مـنـا   ماذا علينا إذا نظرنا

هي نظرة تنسى الوقار   وتسعد الروح المعنى

دنياي أنت وفرحتي        ومنى الفؤاد إذا تمنى

أنت السماء بدت لنا       واسـتـعـصـمـت بالـبـعـد عـنـا

هـلا رحمت متيما         عصفت به الأشواق وهنا

وهـفـت به الذكرى فـطاف   مع الـدجى مـغـنى فــمـغـنى

هـزته منك محاسن         غنى بها لما تغنى

يا شعـلة طـافـت             خـواطـرنـا حـواليها وطـفـنـا

آنـسـت فيك قـداسة         ولـمـست اشـراقـا وفــنـا

ونظرت في عينيك        آفـاقـا وأسـرارا ومعـنى

في اليوم التالي ركبنا لوري من الجنينة إلى الفاشر أنا وخديجة وزوج عوض، ومن مدينة الفاشر سافرنا بلوري آخر قاصدين الأبيض. وعندما بلغناها أحضرت الجلود التي بحوزتي للشيخ العوض. أخذ منها ثلثين وترك لي الثلث المتبقي. فصمت بعد تجهم وغضب ولم أنبس، لكنني أسكت الصوت الحانق بدخيلتي إكراما لدأبه معي حين بدأت تجارة الجلود، فضلا عن أنه كان شريكي أو شيء من هذا القبيل. بيد أن شريكي الحقيقي والأصلي مذ أن انطلقت بعملي كان يحيى الفضلي في الخرطوم وكنت أحضر له الجلود من ميدوغري. لكن ظروف المهنة ومشقة الترحال اضطرتاني أن أشارك الشيخ العوض فيما بعد، رغم امتعاض أخي الشيخ وكراهيته لهذه الشراكة. مع مرور الأيام انفردت وحيدا لا ألوي على شيء في تجارتها. على كل حال بعد أن أنجزت أعمالي هناك وقابلت أسرتي وتيقنت بإيمانها، توكلت راحلا أنا وبصحبتي خديجة وأبناء حسين النجار – الذين أحضرهم شقيقي الشيخ معه من الجنينة إلى الأبيض. بلغنا الخرطوم وولينا وجوهنا قبلة نرضاها، فنزلنا في الهزيع الأخير من الليل ببيت ابن عمي مكي عبد الرحيم، الذي علمني أبوه عبد الرحيم، الذي عمل ضابطا بفرقة الهجانة بالأبيض، وكان يتكلف بدفع مصاريف المدرسة الابتدائية حينما انتقلنا من مدينة المناقل إلى بيته بالأبيض أنا وأبي وأمي وزوج أبي الأخرى وباقي الأسرة. مكثت خديجة معنا مدّة من الوقت ببيت ابن عمي مكي عبد الرحيم؛ وكنت أكن له حبّا عميقا وكان هو أهل لهذا الحب، وما عرفت عنه إلا الكرم والحكمة والتقوى منذ عهدنا في الصغر بمدينة الأبيض. أما أبناء حسين النجار فأمنتهم لصديق لي كان في طريقه إلى مصر وقلت له: «ها هي مصاريفهم وابن عمهم يدرس بالأزهر فينبغي عليك أن تسلمهم إياه»، ووصيته بهم خيرا وتركتهم لأمان الله. بيد أن أحد هؤلاء الأبناء – عبد الباسط – تخلف عنهم وعن الاختلاف إلى الأزهر ونشد مصراً على البقاء بجانبي فصار أحد أبنائي، إذ بقي في بيتي بأمدرمان السنين الطوال حتى أكمل دراسته الثانوية وانتقل بعدها إلى عمه الذي كان يعمل في السفارة النيجيرية بطرابلس بليبيا.

كانت خديجة قد بدأت تستأنس بأهلي في بيت ابن عمي مكي عبد الرحيم، حتى بعث وجودها بينهم نشاطا وحماسة فأحبوها أيما حبّ وأكرموا مقامها جلّ الإكرام. كنت أذكّرها كل يوم أنه ينبغي عليّ أن أوصلها إلى معلوف، لبنانيّ من أهلها، فكانت ترد عليّ مستنكرة برفض وتسترحم قائلة:

– يا عم بدوي بالله عليك اتركني كمان شوية!

اشتريت لها ملابس عند اللبنانيين التجار بالخرطوم ووهبتها إياها، وبعد أن قضت أياما مستأنسة معنا، أذعنت لمشيئة الله، عندئذ قصدنا معلوف اللبناني، وتلقانا بوجه ملأه التفاؤل وغشيه الحمد بوصولها سالمة بعد رحلة مضنية برفقة رجل لا يعرف عنه شيئا عدا ما ذكره في حقه كامل دلالة، رئيس الجالية اللبنانية بميدوغري؛ فما كان منه إلا أن استقبلني بجل المودة والامتنان قائلا:

– أشكرك حقّ الشكر يا سيد بدوي. أنت كنت على مستوى المسؤولية وقمت بالواجب وأكثر. للأسف هناك بنت أخرى لبنانية من جاليتنا بنيجيريا، ضحك عليها أسود آخر من الوطنيين وتزوجها.

جلست بعض الوقت برفقتهما بحكم المجاملة والأدب، وعندما أردت استوداعهما منصرفا، كرر معلوف شكره وعرفانه بالجميل ثانية حتى أخجل تواضعي وبلغ الحياء من وقفتي تلك كل مبلغ. من ثمة قال لخديجة آمرا بلطف وهدوء:

– قومي سلمي على عمك بدوي واشكريه وودعيه ومن بعد أدخلي إلى جوّه.

فلما قمت لاستودعها أجهشت بالبكاء. فقلت لها:

– الله يوصلك بالسلامة لأهلك يا خديجة!

فهرولت باكية مستودعة ونكست ناظريها منهزمة إلى داخل البيت. لقد أحسست في تلك اللحظة استعار قلبها ساعة الفراق وتأجج ناره المضطرمة. خرجت راض النفس، أبيض السريرة ريثما أودعت الأمانة لأهلها، حامدا الله على نعمته إذ أنعمني بالحمد في خشوعي وتضرعي فهو ملاذي وسلوتي، وتذكرت قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربّك فترضى).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق