
لو لم تكن خير البلاد بأرضنا … لم يرسم الله اسمها في كفنا (سلا)
منى العياشي
كثيراً ما تغنى الشعراء بمدحها مثل الشاعر سيدي أحمد بن عاشر الأندلسي حيث قال في محبة سَلاَ وأهلها:
سلا كل قلبٍ غير قلبي ما سلا..أيسلو بفاس والأحبةُ في سلا
بها خيموا والقلبُ خيَّم عندهم..فأجْرَوا دموعي مُرسلا ومُسلسلا.
فهي جوهرة هام بحبها العاشقون، مدينة الشموع والأولياء، أو مدينة السبعة أبواب كما يحلوا للبعض تسميتها. سلا مدينة التراث الحضاري والجمال المعماري والناس الطيبين مدينة يفوح عبق التاريخ من جميع زواياها، فهي من بين أقدم مدن المملكة المغربية وتعود بداياتها حسب المؤرخين، إلى العهد الموحدي (القرن 11 م)، تقع على الضفة اليمنى لنهر أبي رقراق عند مصبه في المحيط الأطلسي محادية بذلك العاصمة الادارية للمملكة “الرباط”، تتميز بمناخ متوسطي، وقد اعتبرت نقطة عبور مهمة بين المدن والعواصم الاسلامية التي حكمت المغرب مثل فاس ومراكش بفضل وجود ميناء على سواحل المدينة الذي أصبح آنذاك مركز للتبادل التجاري بين المغرب وقارة أوروبا.
عرفت سلا بهذا الاسم منذ عصور وان اسمها مذكور في تواريخ الروم، سميت بإسم بانيها وهو ملك اسمه “سلا” من ملوك العالم الأقدمين.
وقد حصنت المدينة بسور منيع طوله (4.5) كلم ممدودة على مساحة تقدر ب 90 هكتار، ودعمت بأبراج عظيمة لحماية المدينة من غارات الأساطيل الأجنبية كبرج الدموع، برج الملاح، برج الروكني،… وبأبواب تختلف من حيث أهميتها التاريخية والجمالية كباب المريسة (باب المرسى الصغير) وهو أكبر باب تاريخي بالمغرب بني من طرف السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق، وشارك في بنائه مشاركة فعلية بين سنتي 1270 و1280 واشتهر عنه أن منه بعث السلطان أبو يعقوب بن أبي يوسف المرني سنة 1285م سفنا عديدة للهجوم على الجزيرة الخضراء بساحل الأندلس الجنوبي…، باب سبتة وهو كذلك من أبواب مدينة سلا التاريخية، كان يعتبر المعبر الرئيسي نحو مدينة سبتة، سمي بذلك لأن الذاهب إليها انطلاقا من مدينة سلا، كان لابد أن يمر عبر هذا الباب…، ثم باب معلقة، باب الخميس، باب شعفة، باب بوحاجة،…
حيث تميزت عن باقي مدن المملكة لاحتلالها مكانا بارزا في هرم المدن المحتضنة للحرف التقليدية حيث تعتبر هذه الأخيرة من أهم العناصر التي تتكون منها ثقافة المدينة وشخصيتها، فمهارة يد الصانع السلوي وما أنشأه منذ التاريخ لا يزال موجودا مثل صناعة الخزف (المجمع الصناعي حاليا “بالولجة”) المعروف دوليا، نسج الزرابي حيث يشكل أهم قطاع باعتباره إحدى الفنون التقليدية التي تزخر بها سلا كعاصمة للزربية بامتياز على الصعيد الوطني، مما أهله لاحتلال مكانة الصدارة بهذه المدينة العريقة، وفي التصدير يمثل 88 % من مجموع قيمة الصادرات كمعدل سنوي، هناك قطاع الفخار ، والحدادة، ثم النحث والزخرفة على الخشب المتأثرة بالفن الاسلامي والأندلسي، النقش على الحجر أيضا من امتيازات الصانع السلوي، الجبس الذي يمتزج بفن الخط والتلوين، المصنوعات النباتية، الدرازة، الرخام، الزليج أو صناعة الفسيفساء تبقى دوما المفخرة المتميزة للصناعة التقليدية لا تكاد تخلوا أي مؤسسة دينية أو علمية أو قبة أو قاعة من الزخرفة بالزليج تحظى بالاعجاب، صناعة الحصير وهي كذلك تمتاز بزخرفة وإتقان حيث تظل موضع التفضيل خصوصا لتفريش أرضية وحيطان المساجد ومختلف قباب القاعات والدور التقليدية، الخياطة والطرز حيث هناك مراكز تعليم فن التطريز المنبثقة عن الوزارة المختصة، الخرازة… .إلخ.
ويمكنك أن ترى تاريخ وأصالة سلا من خلال مجموعة من المآثر التاريخية والدينية مثل: الابراج، الأبواب، قصبة كناوة، الرياحات، دار البارود، مساجد كالمسجد الأعظم أو ما يعرف لدى السلويين بالجامع الكبير الذي يضاهي أكبر الجوامع الإسلامية بأعمدته العالية وأقواسه المختلفة الأشكال وتصميمه المحكم، مسجد الشهباء، متاحف، أسواق، مكتبات كالمكتبة العلمية الصبيحية، المدرسة المرينية والبوعنانية، والكثير من المعالم…. التي تبرز عظمة وقدسية هذه المدينة المجاهدة.
ولا يمكن أن نغفل عن سرد بعض من أعلامها الذين كان لهم دور داخل المغرب أو خارجه نجد مؤرخين مثل: أحمد بن خالد الناصري، محمد العلمي…سياسيين مثل: عبد الواحد الراضي، أمينة بن خضراء…شعراء مثل: أحمد زنيبر، مراد قادري…فقهاء و صوفيين مثل: أحمد بن عاشر بن حسون…وكتاب مثل : محمد بن علي الدكالي، عبد الله الطايع…واللائحة طويلة
كما تضم المدينة عدداً كبيراً من الزوايا وأضرحة الأولياء الصالحين.
أما اللهجة السلاوية فهي محلية قريبة من اللهجة الرباطية والفاسية، تميل إلى تأنيت أو تصغير الكلمات نجد كمثال شْجِيرَة تصغير شجرة، خْبِيزة تصغير خبزة، وبحكم الهجرات المتتالية التي شهدتها المدينة (وصول الاندلسيين المسلمين، طرد المورسكيين من اسبانيا) فنجد بعض الكلمات مأخوذة من الاسبانية.
مدينة سلا أو مدينة مدائح المصطفى اشتهرت بمدائح الرسول (ص) أثناء الاحتفال بذكرى المولد النبوي، التي اعتاد السلاويين إحياءها منذ زمن بعيد يرجع إلى عهد الملك السعدي أحمد المنصور الذهبي الذي أعجب باستعراض للشموع شاهده في إسطنبول وذلك قبل توليه الحكم، فقطع عهدا على نفسه لإن تولى حكم المغرب ليصنعن مثل ذلك الاستعراض أو أعظم، فما كان منه إلا أن صدق وعده بعد تربعه على العرش فكان أول استعراض للشموع سنة 986 ه وذلك بمدينة سلا. إن موكب الشموع أو كما يطلق عليه السلاويين “دور الشمع” لهو دليل على الحس الفني والجمالي لأهل سلا وقد قيل في حق هذه المدينة بهذه المناسبة:
هذي سلا عروس زهت بموكبها…وشموعها في العيد أنوار وأضواء
فرحت بمولد الهادي الحبيب المصطفى…وعم البشر أهلها والصفاء.
ومازالت هذه المدينة من أشهر المدن في الاحتفال بهذه المناسبة، كما تحتفي أيضا بعدة مهرجانات كالمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، مهرجان قراصنة، مهرجان رمضان لمدينة سلا، مهرجان سلا لفيلم التلميذ، مهرجان الطفل العربي، مهرجان مقامات الإمتاع والمؤانسة، المهرجان الدولي لفلكلور الطفل ومهرجان رمضان لمريسة.
سلا الكتابة عنها تجعلك تدخل في تحد مع نفسك فأنت تكتب عن تاريخ ثري بأحداث وبطولات الماضي تنطق عنها دروبها وأسوارها وشاطئها، مما يفرض التوقف عندها كاستحضار أعمال القراصنة المجاهدين وتخيل قسوة المعارك التي خاضها السلاويين للحفاظ على ميزة ضفتي أبي رقراق. فهي أرض الحب والتعايش احتضنت الجميع وامتزج الجميع فيها بروح الأهل، لم تفرق بين قريب ولا غريب ولا بين الساكن والوافد فيها..استحضرني مثل سلاوي وهو يذكرني أيضا باستاذ عزيز ذ.محمد أطاع الله حيث كان دائما يردده على سبيل المزاح يقول : “ها سلا ها حوانتها (دكاكينها)” دلالة على أن الزائر لا يمكنه أن يضيع في المدينة.
تحدث عنها الفنانون والشعراء من بينهم الشاعر المعاصر احمد بن عباس القباج، اذ يقول مستثمرا دلالة طبيعية خلقية، وهي كف اليد بأصابعها الخمسة التي تشبه كلمة سلا فيقول:
لو لم تكن خير البلاد بأرضنا…لم يرسم الله اسمها في كفنا.
وكتب عنها الكتاب والمؤرخون..كما اختاروها بعض مشاهير العلماء والصلحاء من أهل الأندلس كخلوة للتأمل والترقي أشهرهم الكاتب لسان الدين ابن الخطيب الذي قال عنها :
«العقيلة المفضلة، والبطيحة المخلصة … ذات الوسامة والنضارة، الجامعة بين البداوة والحضارة … القطر الأمين عند الرجفان، والعصير العظيم الشأن، والأسواق الممتازة حتى برقيق الحبشان، اكتنفها المسرح، والخصب الذي لا يبرح…»
وتبقى سلا المدينة الساحرة التي لم يستطع أحداً أن يكشف سر حب وعشق الناس لها، وما كتبته ليس إلا نقطة في بحر واسع.
(يتبع)





فخور بك يا سُنَيْفِرة