مجتمع

مدرسة أمدرمان الأهلية المتوسطة

(أمدرمان – السودان)

في العام 1904 قام المستعمر البريطاني بإنشاء مدرسة أمدرمان الأميرية وكان لا يدخل إلى تلك المدرسة إلا أبناء موظفي الحكومة كبار التجار وأعيان البلد لحصر التعليم في طبقة معينة. سكان أمدرمان قرروا أن ينشئوا مدرسة تفتح أبوابها لتعليم أبناءهم فكان أن تم افتتاح مدرسة أمدرمان الأهلية المتوسطة في العام 1927 بدعم شعبي من سكان أمدرمان وسميت أهلية لتعكس في معناها أنها للأهالي وليست كالمدرسة الأميرية. كانت مدرسة أمدرمان الأهلية المتوسطة التاريخ والحضارة والانتماء والمدرسة بأنهرها الأربعة المسماة بأسماء منشئيها عمر ونور وسوار الذهب وأحمد حسن عبد المنعم “منعم”. قبل يومين وأنا أمر بشارع الأزهري هالني ما رأيت حين وجدت أن المدرسة الأهلية في مواجهة بيت الأزهري صارت أطلالا وتهدمت. تساءلت هل الإنقاذ تحاول أن تطمس كل معلم تاريخي لم تشارك فيه لتعيد تشكيل تاريخ السودان من حيث بدأت. تذكرت مدرسة وادي سيدنا الثانوية والمؤتمر الثانوية في أمدرمان… مدرسة المقرن الثانوية والخرطوم الجديدة والقديمة في الخرطوم ومدرسة بحري القديمة ومدارس كانت عبارة عن منارات على طول السودان وعرضه مدارس مدني وعطبرة ومدرسة رمبيك الثانوية وخور طقت ومدرسة الفاشر الثانوية كلها مدارس كانت تخرج تغذي الجامعات بخيرة طلابها كلها أصبحت في ظل ثورة التعليم العالي عبارة عن خرابات لا تضيف إلى السودان سوى الفاقد التربوي توقفت بجوار المدرسة وتجولت حولها بحثت عن المعامل التي كانت في المدرسة معامل الكيمياء والفيزياء والأحياء لم أجدها الفصول تبدلت معالمها لم أتعرف سوى على فصل ثالث عمر الذي تخرجت منه درت حول المدرسة قبالة بيت الأزهري لأرى إن كان كشك عم خليفة بتاع الشاي موجود لم أجده. تساءلت كيف يمكن أن يتهدم تاريخ كامل لشعب رفض أن ينضم للمدارس الحكومية التي أنشأتها الحكومة البريطانية وأنشأ مدرسته الخاصة لأبنائه أن يهدمها نظام يقول إنه يطبق الإسلام.

بعد أن ضيقت سلطات الادارة البريطانية الخناق على المتعلمين خاصة والمواطن السوداني عامة إثر ثورة 1924، نما إحساس عميق بضرورة توسيع قاعدة التعليم لأن الحكومة غير راغبة في زيادة فرص الدراسة، واستغل أهل ام درمان حادثة في إحدى المدارس الأجنبية حينما قررت إدارة المدرسة الارسالية الامريكية حضور التلاميذ المسلمين السودانيين دروس التعاليم المسيحية والدين النصراني وطالبت اولياء الامور بكتابة إقرار بموافقتهم على ذلك أو سحب ابنائهم من المدرسة.

وعم السخط انحاء المدينة وتداعوا لاجتماع كبير حضره لفيف من التجار والمعلمين والشيوخ وعامة الناس وخطب فيهم الشيخ „إسماعيل الأزهري” مفتي الديار منادياً بأخذ الامور بأيديهم وترك المدارس الاجنبية وعدم الاعتماد على الحكومة وقال ” ماذا ينقصكم يا أهل ام درمان، فالأرض واسعة والمال وافر والمتعلمون معنا والتلاميذ بحاجة للتعليم، لماذا لا نبدأ الآن ونؤسس المدرسة الأهلية التي نرعاها ونقبل فيها كل راغب في التعليم”. وتحمس كل الحضور للفكرة وقرروا إرسال مذكرة للحكومة مطالبين فيها بالتصريح لتأسيس مدرسة أهلية – هي المدرسة الأهلية الآن – كما فتح باب التبرعات فبلغت ثلاثة ألاف جنية وكان المبلغ كبيراً أنداك، وقد تبرعت إحدى النسوة بسوار من ذهب لصالح المدرسة.

وعندما وافقت الحكومة على قيام المدرسة الأهلية تبرع أحد تجار أم درمان – وهو الشيخ   أحمد حسن عبد المنعم – بمنزل يمتلكه شرق سوق ام درمان لتبدأ الدراسة فوراً.

( في الأول من اكتوبر سنة 1927 بدأت الدراسة في المدرسة الأهلية بفصلين ابتدائيين ، ووجد المتعلمون في الحركة الداعية لتأسيس المدرسة الأهلية فرصة للتعبير عن عدم رضائهم عن السياسة التعليمية للحكومة بل ذهب بعضهم إلي التطوع للمساهمة في تأسيس أو إدارة المدرسة الأهلية أو التدريس فيها.

وعندما منحت المدرسة قطعة أرض في العام 1929 شمال منزل الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري ومقابلة لمسجد الضرير ناحية الشرق، تبرع أهل أم درمان لبناء المدرسة وأقيمت الأسواق الخيرية ومثلث المسرحيات وأهدي الناس جلود الأضاحي ليكون ريعها لصالح بناء المدرسة الأهلية، وقام البناء ولكنة توقف في مرحلة السقف، فما كان من الشيخ   أحمد حسن عبد المنعم إلا ان قام بخلع أسقف منزله ليتم بناء المدرسة الأهلية في نفس العام.

ولم تكن مهمة رجال المدرسة القائمين على أمرها سهلة ولا هينة، ولكنهم كانوا بما جبلوا عليه من وطنية صادقة وإخلاص أكيد يحاولون بمختلف الطرق الوصول إلي غاياتهم وتذليل كل صعب اعتراض طريقهم، وكان كفاحهم في نشر التعليم والأخذ بيد الفقراء من الناهبين لا يقل خطورة ولا صعوبة من كفاح السياسيين الذين يعملون في ميادين أخري هدفها جميعاً النهوض بالوطن.

في تلك الفترة انتشرت اغنية الشاعر مصطفي يوسف التني التي كانت نشيداً وطنياً لنبذ الفرقة ودعم التعليم الاهلي، وكانت سلطات المخابرات تمنع غطائها في الاماكن العامة خوفاً من إثارة المشاعر الوطنية:

في الفؤاد ترعاها العناية    

ما بخش مدرسة المبشر

نحنا للقومية النبيلة

تربي فينا ضغائن وبيلة

ما بخش مدرسة المبشر

نحنا للقومية النبيلة

تربي فينا ضغائن وبيلة

وكان من القائمين على امر المدرسة الاهلية : الشيخ   اسماعيل الازهري والبكاباشي   محمد نور الذي وهب وقته لمتابعة مباني المدرسة ثم رعايتها والشيخ، أحمد حسن عبد المنعم،  الشيخ سيد احمد سوار الدهب،  – الشيخ عثمان صالح – الشيخ بابكر الشفيع – الشيخ الأمين عبد الرحمن – الشيخ  حسن تربال – الشيخ   محمد أحمد البرير الذي توالي رئاسة مجلس امناء المدرسة لعدة دوارات- الشيخ   عمر اسحق – الشيخ  محمد الحسن دياب- الشيخ   حامد محمد علي – الاستاذ حسن الظاهر – الدرديري محمد عثمان- ميرغني حمزة – عثمان حسن عثمان – الاستاذ خضر حمد الذي تطوع بسكرتارية مجلس الامناء. ونتيجة لنجاح تجربة المدرسة الاهلية بأم درمان، تداعي الناس في انحاء السودان المختلفة لتأسيس المدارس الأهلية.

خارج النص:

(كيف نرضي يا إخوتي بأن يندثر مثل هذا التاريخ الرائع والمعلم البارز في حياتنا وحياة كل سوداني).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق