مجتمع

إنه أوان الموت

يكتب عن المرحوم/ محمد المصطفى حسن عبد الكريم

بدر الدين العتاق

أسبوعان كاملان في حضرة صاحب السمو المهندس الكبير / مصطفى حسن عبد الكريم؛ سنة : 2010 م ؛ إبان وفاة والدته الخالة الكريمة / سعاد حسن السراج ؛ بأمدرمان الثورة ؛ لم يكن لى هم بعد تقديم واجب العزاء والمواساة للقادم والحاضر ؛ سوى الجلوس مؤدبا أمام المكتبة العلمية العالمية لأنهل منها ولا أضيف ؛ فوجود الماء يبطل التيمم بلا شك .

أمر آخر: الروح التي يتحدث بها ناقلا لك من موضع ثقافي لآخر علمي لثالث زراعي لرابع ديني لغيرهم من مذاهب العلماء في الأفكار؛ لهي التي يعجبك ويشد انتباهك لما كنت عنه أنت غافلاً؛ في حين كنا ندعي قبلها معرفة ثرة بعلوم متعددة ونتمثل بقول أبي العلاء المعري:

ما مر في هذه الدنيا بنو زمن * إلا وعندي من انباءهم طرف

والمعريرحمه اللهبقدر ما يمتلك من نواصي الكلام فات عليه قوله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم) وهو الذي أدخل الشاعر الحطيئة الجنة حين قال فى رسالة الغفران: (ودخلت الجنة فإذا بالحطيئة جالس في ركن حقير في أقصى الجنة) فرد عليه المجذوبرحمه اللهفي مرشده: ليس في الجنة شيء حقير!؛ فلم يغني عني المعري تمثلا كما ترى.

اتصل بي ذات مرة؛ علما بأنه الوحيد الذي اتصل بي من جميع أسرتي المتفرعة الجوانب الغزيرة العدد الكثيرة الولد؛ قائلاً بعد التحايا والتقدير مجدداً وكثيراً على شخصي الضعيف: لي بالقاهرة كتاب قمت بترجمته مؤخراً اسمهإنه أوان الموتفعليك الاهتمام به والمتابعة!

العبرة ليست في متابعة أمر الكتاب بحسب تقديري لكن جوهر الموضوع هو الاتصال في حد ذاته؛ فلم يسبقه عليه أحد ولم يلحقه به أحد؛ قال شاعرهم:

سيفقدني قومي إذا جد جدهم * وفيالليلةالظلماءيفتقدالبدر

أنا فقدته بكل صدق ولكل صادق في فهم صلة الرحم من هذا الموقف؛ زد عليه شيء آخر هو زيارته لى فى بيتي الخاص ببيت المال قبل أكثر من خمسة عشر عاماً؛ والذي رفع السماء بلا عمد لا أعرف من أسرتي من زارني قبله ولا بعده زيارةخاصةغيره؛ إذا دعني أقول باكياً ومفتقدا متمثلاً بمقولة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك لما مات له غلام فأنشأ يقول متألما حزيناً كاسف البال مهيض الجناح: ” إن في القلب جمرة لا تطفئها إلا عبرة؛ فالموقفان سيان بلا ريب.

ترجم من الإنجليزية للعربية عدة كتب في وقت سهل فيه تناول المعلومة إلا أنه كان ترجمانا نابغا ونابها لا يحتاج للسوشيال ميديا؛ فقد ترجم كتاب (إنه أوان الموت) للكاتب الإفريقي ويلر سميث؛ وكتاب (السيف و النار) لسلاطين باشا؛ وقام بتصحيحه؛ كما كتب أكثر من مؤلف في مجاله الزراعي ككتاب (أليس منكم رجل رشيد؟) والذي أهداه لوالدته / سعاد السراج؛ وأخيه الطبيب الصيدلاني / مختار حسن عبد الكريم؛ رحمهم الله جميعاً؛ وغيرهم من الترجمات والمؤلفات.

كنا في حضرته لحظة نفخه فينا من روحه الدفاقة وهو يتكلم مع صديق عمره الأستاذ الدكتور/ صلاح عبوده ؛ عن مواضيع كثيرة وأنا مستمع ومستمتع إذ أول مرة يتاح لي فيها الجلوس بانتظام لأسمع منه ولأول مرة أعرف أن له مؤلفات وترجمات في الآداب العالمية إذ يقوم سنوياً بترجمة كتابين على الأقل ثم يودعهما مطبعة دار عزة للنشر والتوزيع ؛ فالرجل واسع الاطلاع غزير الإنتاج في بحبوبة من علمه وهو يجمع بين المتعة والفائدة ؛ فسألته أن يكون لي نصيب من كتبه قارئاً ومهتما ؛ فلم يتوان حتى دخلنا صالون عمنا ( حسن عبد الكريم ) وناولني كتاب صدر له حديثاً عن الزراعة ومجالات أخر هو : ( أليس منكم رجل رشيد ؟ ) ؛ فكتب على صدره : ( إلى الأخ الحبيب الأديب المهندس / بدر الدين العتاق  ؛ أهدي هذا الكتاب ..أخوك / محمد المصطفى حسن عبد الكريم ) ؛ وكان بلا شك قلادة شرف حباني بها حين طوقنيها على صدري .

محمد المصطفى حسن عبد الكريم عبد الرحمن ؛ تخرج في كلية الزراعة بجامعة أسيوط أوائل الستينيات ( ١٩٦٤ م تقريباً  ) من القرن الماضي وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعية؛ وسافر بعدها إلى الإتحاد السوفيتي لنيل دبلوم في هندسة الصوامع وكان من أوائل الزراعيين السودانيين الذين أسهموا وشاركوا في تأسيس صومعة القضارف للغلال ثم تتالت مسيرة تحصيله الأكاديمي ودراساته العليا في كل من ألمانيا الغربية وهولندا واختتمها بجامعة الإسكندرية حيث حصل على إجازة الماجيستير ؛ وعاد إلى السودان حيث عمل مديراً لوقاية النباتات بأغلب مديريات السودان حتى طاب له المقام بسنار والتي استقر بها منذ تقاعده للمعاش عام ٢٠٠٠ م ؛ حتى وفاته رحمه الله ٢٠٢٠ م عن عمر ناهز الثمانين عاماً إلا خمسا وخمسين يوما ( ١٩٤٠ م٢٠٢٠ م ) .

بدر الدين: يا عم مصطفى ! عاوز لي كتاب تاني منك!

مصطفى: تمشي دار عزة طوالي تشتري ليك كتاب؛ كان لا يخلورحمه اللهمن حس الفكاهة ؛ فالرجل أنصاري على السكين وهو يعرف أنني متزوج من الأنصار ؛ حفيدة الخليفة علي ود حلو ؛ أمير من أمراء المهدي ؛ فقال لاحداهن مغايظا :  دي ستك ! .

علقت على كتابه الجيد ( أليس منكم رجل رشيد ) بمقال طويل ونشرته صحيفة ألوان السودانية ؛ وبهذه المناسبة سجل موقفاً جميلاً للغاية عن الخال المرحوم الأستاذ القانوني / صديق حسن السراج ؛  فشكرته لهذه اللفتة المهمة وسألته: كيف خطر على بالك الخال صديق السراج ؟ فقال بالحرف الواحد : حتى لا ينساه الناس ! .

وبهذه المناسبة أيضاً يطيب لي تسجيل ملاحظة مهمة وهي أن المرحوم / مصطفى حسن عبد الكريم ؛ كان سريع الإطراق وكثيره ؛ والإطراق هو سرعة حركة جفن العين إغماضه وانتباهة ؛ فسألته :  لماذا أنت كثير الإطراق ؟ فأجاب ضاحكاً رحمه الله : ده صديق خالي ؛ غصبني آكل سمك فسيخ ! . أو هكذا قال .

مصطفى ود سعاد خالتي؛ بالنسبة لي في مقام الأب والأخ والصديق والعم رغماً عن فارق السن والذاكرة ؛ سرعان ما رحل ولم تزل في النفس له باقية باكية :

هل شاقك أيها الشيخ شجون * ولم تزل باقية بنا وحزون

ألست ترى كيف بك ضاءت * هذه الدنيا وضاق عنها سكون

أبكت تلكم الدمعات سخينا * أم شاقها فروض النيل جيحون

أنا ما بدلت عهدك لكنما * أوان الموت لا يفتأ فيعرون

من للكالحات الباكيات عليكم * من للضاحكات الشجيات لحون

ما أبرق الفجر يضحك عن سنا * وما أورق العشب بعدك يفتر ميسون

أما وعيني في الاحزان عندمة * أرأيت كيف الموت يكون

سيذكرك الجديدان حتى كأنما * لن تنفك بعد الذكرى قرون

سنار ودارفور وأمدرمان ودنقلا * بلى وفوق ذلك كله سودان

أيا صاحبي وصادق وعده أما * ونافذ عهده والعهود تصون

ألا أيها الشيخ الوقور ألا * حياك الإله بنفحة بها ترضون

مالي وقد قصرت في مضض * فجمرة كذا وعبرة جذوها أون

ألا يا أوان الموت مهلاً * فديتك الرجل الرشيد حسين

أأشكو وما الشكوى لي بعازل * وما البكاء عنك مسلاة دفين

ألا يا رحمات الله خصي بشؤبوب * قبره الدارس واسقه الطين

أيا مصطفى أيا درنا ريثما * فالحين ما حان وحنوك الحين

وصلاة ربي وسلامه عليكم * ما أشرقت شمس وما أورق التين

**  ***

تزوج من الأستاذة الفضلى / آسيا أحمد المرضى؛ وله منها: دكتور/ صلاح؛ المهندس / باسل؛ الأستاذة / عبير ؛ ودكتور / الطيب ؛ وكان شاهدا على عقد قرانهما والدي المرحوم / إبراهيم العتاق .

انقطعت سلسلة عمناحسن عبد الكريمرحمه الله رحمة واسعة؛ فقد رزئنا بوفاة إخوانه: محمود ومختار ومحمد وتماضر ثم مصطفى؛ ومن قبلهم : الخالة الكريمة ( والدته ) سعاد حسن السراج ؛ والعم/ حسن عبد الكريم ؛ والله المستعان ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون .

عندما أهدى كتابه (أليس منكم رجل رشيد) ؛ أهداه لوالدته/ سعاد حسن السراج ؛ وأخيه الطبيب الصيدلاني /  مختار حسن عبد الكريم ؛ وقال لي : سبحان الله ! لو كنت أعلم أنهما سيموتان ما أهديتهما الكتاب.

فقد ماتا متزامنين؛ رحمهم الله جميعاً

مصطفى ها ….

تبكيك الجوامع الانبنت طانقين

لقراية العلم وكلمة التهليل

دووبا حليل أبوي

ال للعلوم دراس

يوم الخميس جانا الخبر وانشاع

في الأربع قبل

حليل أبوي

ال للعلوم دراس

مصطفى ها

سلام لك في الخالدين

ففي أوان الموت؛ حتماً سنلتقي.. فلنا موعداً لن نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى

ابنك / بدر الدين العتاقتلو المهذبالقاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق