مجتمع

خنساء البسفور

إسطنبول

د. محمد بدوي مصطفى

زيارتي لها ستظل عالقة بالذِّكر سالبة للفكر وحاملة للعبر ما حييت على وجه هذه الزائلة، يا إلاهي، خنساء غيداء ساحرة بألقها، بديعة بأهلها، كريمة بموقعها، زاهية بجمالها ومزدانة بلآلئ تحفها الأثريّة الخالدة، مدينة ولا كل المدن، لها مذاق مختلف، شفتاها البضتين بطعم الرمان الدمشقيّ ولون عسجديّ خلاب وروح خلوقة كملكات البحار، خانعة في سكنية تارة وثائرة كمهر جفول تارة أخرى، هل يا ترى هي “الأزمان” والألوان والإنسان التي جسدت فيها كل هذه الصفات الفريدة والخارقة للعادة؟! حسناء في مرقدها وجديرة بالزيارة دون أدنى شك!

إن خنساء البسفور، التي بدأت الدلافين تأتي إلى شواطئها فرحة مرحة من كل صوب حدب بعد راحة الكورونا وخشوع الطبيعة بفضل هجعة البشر، هي إسطنبول، قديما القسطنطينية، لها أسماء عدّة كبيزنطة، إذ كانت إذذاك عاصمة الإمبراطوريّة البيزنطية القديمة. يرجئ علماء اللغات أصل الاسم إلى كلمة “بيزاس”، وهو اسم القائد الأسطوريّ الذي قد يكون قد بناها في عام ٦٠٧ ق.م. وفي عام ١٩٦ هُدمت بسبب الحروب الأهليّة التي اشتعلت بها وجعلت منها حطاما وقسمتها لإرب. ومن بعد تمت إعادة عمارتها وعمرانها لترجع الحسناء خنساء مفتون عوارضها تقف كما يقف الوجي الوحل، ذلك بفضل الإمبراطور الرومانيّ سيفيروس، والغريب في الأمر أنه هو الذي دمرها في البدء وأطلق عليها حينئذ اسم “أوغستا” تمجيدَا لاسم نجله المصطفى.

لكن مع إشراقة شمس عام ٣٣٠ من الميلاد اتخذ قسطنطين الكبير من المدينة عاصمة له، وأطلق عليها مجددا اسم “روما الجديدة” بيد أنه في القرن الثالث عشر الميلادي عندما أتاها العرب جرى على ألسنتهم اسم “إستنبولين”، ذلك يجسد كلمة إغريقيّة (يونانيّة) قديمة تحمل معنى “في المدينة”، وقد حدث تطورا فونولوجيا للاسم فصار مع مرور الزمن إسطنبول، تحريفا للاسم الإغريقيّ الأصليّ المذكور أعلاه بمعنى “في المدينة”. وصارت فيما بعد عاصمة الدولة العثمانيّة وتعتبر الآن أكبر مدينة وميناء في تركية العصر الحديث، إذ تقع بين قارتين: أوروبا وآسيا في شبه جزيرة ثلاثيّة ساحرة نضرة مشرئبة صوب العالم قاطبة، حيث تمثل جسر ورابط وثيق كما العروة الوثقى بين الحضارات والشعوب في أوروبا وآسيا على حد سواء.

تمتد هذه الخنساء إلى أبعد من حدودها المعروفة والتي تضمن في جسدها المنشآت الأثريّة العالقة في ذاكرة التاريخ الإسلاميّ والمسيحيّ وسفرها المعتق ملئ بالأحداث والأعراف والحكايات الخالدة كما إنه مكتظ بآلام الزمن وآهات الماضي، إيهِ يا خنساء! كل ذلك الماضي الآسر يحيط بها كما تزملها المياه من ثلاثة أوجه: مضيق البسفور، بحر مرمرة والقرن الذهبي (قرن الغزال قديما). ويفصل هذا الأخير المدينة القديمة عن مدينة بيوغلو (إسطنبول الجديدة). أما مضيق البسفور الشهير فهو يقبع في قلبها كقناة صلة، تربط البحرين الأبيض المتوسط والأسود.

إسطنبول يا سادتي عاصمة الجمال وبلاد الكمال وآية السحر إذ أن وقعها في صميم الفؤاد كوقع النبال. جديرة هذه الخنساء بأن نقتفي أثرها لنكتشف من مفاتنها ما خبئ عن أنظار المحبّ الهيمان والعاشق الولهان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق