خارج الحدود

الدكتور أحمد العبادي من حقوق الإنسان إلى حقوق الإنسانية (2)

بتصرف: خديجة منصور

لن أتكلم عن أجيال الحقوق فقد سبق الحديث عنها وأنتم تعرفونها وقد بينا فيها بعض القول، لن أتكلم عن تاريخ هذه الحقوق والذي بدأ منذ وقت أبكر بكثير من 1213 الذي هو “تاريخ الماجنا كارتا “The Magna Carta ، وبالمناسبة تاريخ “الماجنا كارتا” عجيب بحيث إن هذه السنة1213 تصادف السنة التي كان فيها “محمد الناصر الموحدي” يمسك بمقاليد التدبير في هذا البلد المبارك في العاصمة مراكش، وكان الملك جون John البريطاني في نزاع مع الكنيسة، في نزاع مع اسبانيا مع في نزاع السادة والنبلاء الانجليز، فاهتدى من خلال بعض المشورات المقربين منه، إلى أن هذا السلطان الموحدي الذي كان يحكم ساعتها إمبراطورية بأكملها يمكن أن يساعده، فأرسل فرسانا Civalry of Knghts  لمراكش من أجل اقتراح الأمر الأتي على السلطان محمد الناصر، في ظل كل هذه الأزمات التي أشرت إليها المقترح كان هو “تنصرنا على أعداءنا من كنيسة ومن نبلاء ومن اسبان وغيرهم وندخل في دين الإسلام، مقترح عجيب فقال له “محمد الناصر رحمه الله وطيب ثراه” ,”قولوا لي بربكم ماذا صنعتم وماذا اقترفتم لكي تستحقوا سلطان بهذه الحقارة، يتاجر بدينه وبدين مواطناته ومواطنيه دون أن يستشيرهم، أمهلكم إلى غروب الشمس لتتركوا مراكش مع هذا المقترح الهابط وإلا سوف يكون لي معكم شأن”، فرجعوا فكانت المفاجأة وكانت الثورة في صفوف النبلاء وكان فرض “الماجنا كارتا” ساعتها، أقول لم يبدأ الأمر سنة 1213 وإنما بدأ قبل ذلك بكثير هناك نص تحفظونه جميعا لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه حين قال:”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، هذا النص المؤسس الذي هو الوحي الخاتم يتكلم عنك أيها الإنسان باعتبار الله قد أسجد لك الملائكة، “وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا”، “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”، فالإنسان قد سجدت له الملائكة فكل إنسان نبيل وكل إنسان حر، وعلم من خلال هذه التشريعات التي جاءت في تصديقها مع الدين الإسلامي في الديانات السماوية كلها الإنسان كائن مركزي، وكائن حر ولا يكتمل عطائه إلا إذا استشعر حريته واستشعر كرامته ومن الأمور التي نص عليها الدين الإسلامي على سبيل المثال “أن الضروريات خمس ومنها حفظ العرض، والذي قسمه العلماء إلى الكرامة وإلى النسل، فإذا لم تحفظ الكرامة فإن الإنسان يقل عطاءه، فلا يمكن أن نتصور إبداعا إنسانيا في ظل غياب الحرية، ولذلك كان الحراك التشريعي من قبل علماء هذه الملة كما وجدناه عند علماء بعض الملل السابقة كان حراكهم التشريعي في إطار الوعي بوجوب ضمان حرية الإنسان، فإذن هو تاريخ طويل وحافل لم يبدأ سنة 1213، ولا سنة 1789 مع الثورة الفرنسية، ولا مع The build of the rights of the English man  ولا مع The build of the Rights on the United States of America بل بدأ قبل ذلك بكثير ولكن هذه المفردات تحتاج إلى تأثيت، بطبيعة الحال كانت هناك طفرات أعطت هذا المفهوم المتداول اليوم لحقوق الإنسان، وهذا المفهوم فقط في بعده التحسيسي، أعطيكم رقما عندنا في بعد التحسيس فقط 21946 مقتضى، فقط في بعد التحسيس أم النصوص المؤطرة لأبعاد النهوض وأبعاد الحماية نهيكم عن أبعاد الإنصاف والمصالحة من أجل طي صفحات الماضي، وقد شهد بلادنا المبارك بقيادة من مولانا أمير المؤمنين حفظه الله، جلالة الملك محمد السادس سنة 2002، هذه المبادرة التاريخية مبادرة الإنصاف والمصالحة والتي أفضت إلى ما تعلمونه بهذا الصدد.

أقول إن هذا التعريف الحديث الذي قد انتشر سنة 1948 في مثل هذا اليوم العاشر من دجنبر 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هذا بالفعل مفهوم جديد ويعتبر طفرة باعتبار هذا البعد قد أصبح بعدا قائما بذاته وله مؤسساته وله عهوده وله مواثيقه، بل أكثر من هذا له مؤشرات قياس وله مؤشرات تتبع    M and E monitor and evalution وله دلائل Indexes من أجل قياس هذا الاحترام والاعتبار لحقوق الإنسان، وله تقارير دورية تصدر من أجل ترتيب الدول باحترامها أو عدم احترامها لهذه الحقوق، وله شبكات رصد، وشبكات تجويد، شبكات تتبع معروفة اليوم، فإذن هي طفرات ولا بد أن نستغل ونستثمر هذا الواقع الراهن اليوم بهذا الصدد، ولذلك معظم دول العالم قد انخرطت في هذه العهود وفي هذه المواثيق وفي هذه الاتفاقيات وهناك تحفظات بطبيعة الحال بخصوص بعض الحقوق.

إذن هذا المجال المتصل بالبعد الفرضي وبالبعد الإنساني مجال له تاريخه وكما سلف أجيال، هل الإشكال اليوم هو هذا، الأمر سوف يتبين بعد أن نستحضر بعجالة محطات خمس، تم التعاطي من خلالها مع هذه المفردات التي نسميها حقوق الإنسان، المحطة الأولى هي المحطة  التمثلية الاستحضارية أن ندخل إلى كن المشترك الإنساني ذي الصلة بأبعاد حقوق الإنسان، هذا الكن له قواعده وله أصوله، كما كل مجال أو علم له تعريفات له حدود له ضمائم له تصنيفات وله أيضا مؤسسات لابد أن ندخل إلى هذا الكن لكي نعرف ماهي أضرب التداولات والتجديدات والابدعات أو التراجعات  التي تقع في هذه المجالات، لكن هاهنا بخصوص هذا الدخول إلى كن الاستحضار لهذه المنظومة الحقوقية الكونية، لابد أن نستحضر أهمية البعد المرجعي والقيمي، ولذلك المتكلمون في هذا البعد دائما كانوا يتحدثون عن      Cultural Relativity “التنسيب الثقافي والمرجعي”، هل الحسن حسن في جميع المناطق في جميع الدول في جميع الثقافات والحضارات، أم أن هذا الحسن له بعض التحديدات والتكييفات التي تختلف من موقع ومن مرجعية إلى موقع أخر ومرجعية أخرى، هل القبح له نفس التحديدات أم أن تمة أيضا بعض التكييفات التي تتم باستحضار هذه المرجعيات، الذي ثبت عند المشتغلين والمشتغلات في مجال حقوق الانسان أن هذا الأمر له أهميته لذلك نحتوا هذا المصطلح الذي يسمونه RMR Reverse Moderate Relativism، أي نظرية النسبية الحقوقية الراجعة أو المعكوسة، لا بد أن نستحضر المتلقي وما عند المعطي بهذا الخصوص وأن نقوم بهذه التكييفات، خصوصا حين نستحضر على سبيل الإحصاء أن عالمنا ذا 7ملايير و680مليون نسمة ونيف، اليوم جل هؤلاء هم في القارة الأسيوية، حوالي 5ملايير نسمة هناك في القارة الأسيوية،  هناك حضارات وثقافات لم نستحضرها إلا قليلا ونحن نتحدث عن هذا البعد حين نستحضر المشرب الطاوي مثلا، أو حين نستحضر الالتزام الكونفوسوشي، أو التسامي البودي أو حين نستحضر الضبط الجايني، فإن هذا يعطينا زوايا نظر أخرى لم تكن تخطر بالبال، نحن معاشر الديانات الإبراهيمية أو الابراهميون، قد خضعنا في كثير من الأحيان إلى نوع من التناسي لهذا الواقع الضارب والغالب في عالم اليوم، نحن نتحدث وكما قلت فقط في آسيا عن أزيد من 5 ملايير نسمة الصين والهند وحدهما 3 ملايبر أضف إلى ذلك السكان الآخرين لهم مرجعيات ثقافيات أخرى، ولذلك فإن هذا الاستحضار لنسبية الثقافية والمرجعية أمر لا بد منه.

الأمر الثاني هو أن هذه الحقوق بكل أجيالها إنما تكون لها فائدة إذا كان لها حملة، وهؤلاء الحملة هم الناس هم التبع، يمكن أن نبقى علويين ويمكن أن نبقى في هذا الألمبك التمثلي مع بعضنا البعض معاشر المثقفين والمشتغلين بالأبعاد العلمية وننسى ضرورة التملك.

التملك يحتاج منا إلى أن نعي أن المجتمعات هي مجتمعات لها تكوين وبنية ذرية بطبيعتها، المجتمعات ليست كثلة لا يمكن أن نخاطب المجتمع كما لو كان إنسان له عينان وأذنان وعقل وأخاطبه ويسمعني ويفهم ما أقول، المجتمع هو أسر هو أطفال يافعون شباب، مؤثرون ولاسيما في هذا الجيل الذي نحن فيه   حيث دخلنا إلى جيل الإنسان ذي السيادة Sovereing Individual

جانب من المحاضرة التي ألقها السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء وعضو المجلس المغربي لحقوق الإنسان سابقا، “ملتقى الايسيسكو الثقافي الثاني الذي انعقد يوم الثلاثاء 10دجنبر 2019 بمقر المنظمة بالرباط “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق