
ذكريات وزير
كرامات المكاشفي
د. محمد بدوي مصطفى
كنت أذهب في عطلة نهاية الأسبوع عندما كنت طالبا بكلية غردون لزيارة الشيخ المكاشفي في الشكينيبة قرب المناقل. كانت تربطني به صداقة ومحبة عميقة لأبعد الحدود. كنت أجلس دائما بجانبه فيأتي الزوار بلا انقطاع. ففي بعض المرّات ينصحهم ويرشدهم ويفسر القرآن ويفقههم في أمور الدين بإعطائهم دروسا في الفقه والحديث. ذات يوم وأنا جالس أمامه وكنت في حاجة ماسة لقرش ونصف أشتري بها علبة سجائر. وكانت أمامة علبة من الصفيح تعج بعشرات الريالات يضع بها الزوار من النقود حتى تمتلئ عن بكرة أبيها. فكرت بيني وبين نفسي: هل أسأل الشيخ المكاشفي ليعطيني القرش ونصف بيد أني حيائي وعفتي منعتني أن أساله. فخطرت لي فكرة أن أكلّم الخليفة الظريف ليخبر الشيخ المكاشفي بالأمر. كل ذلك سرى بيني وبين نفسي. وفجأة دخل عليه ابنه موسى يتألم قائلا: يا أبوي راسي بوجعني. فعزم عليه وقرأ له ما تيسر من آي القرآن. فعندما انتهى من الرقية عليه أعطى موسي أبيه قرش ونصف. الشيخ المكاشفي أخذهم من موسي وأعطاهم لي!
الخليفة عبد الله المكاشفي
لي مآثر جمّة وذكريات ثرّة مع الشيخ المكاشفي الأب وابناءه الكرام. أحبوني في الله كما أحببتهم وكنت أحس هذا الشعور الدافق من أعماق قلبي لما تربطني بهم من مودة وصداقة حقّة لا تشوبها شائبة ولن يأكل الدهر منها ذرّة، إلى أن ألزم مثواي الأخير.
كان شيخ عبد الله، ابن الشيخ المكاشفي، صديقا حميما لأخي الأكبر الشيخ مصطفى، الذي عمل بالتعليم وطبع بصماته ولمساته في مسار وزارته بالسودان وكان من الرعيل الأول، من أولئك الذين خدموا البلاد بعزيمة لا تضاهيها عزيمة وبجلد لا يضاهيه جلد، ناكرين للذات في هذا وذاك. أذكر جيدا أنني كنت وقتئذ في التحضيري “ويا دوب” دخلت المدرسة الأوليّة في أوائل عشرينيات القرن المنصرم. كان الوقت عصرا وكنا نفترش عنقريبا في الحوش الخارجي في هذا الوقت للاستراحة، بعد أن بللت جوانبه المترامية بالماء الرطب فصار رمله رطبا نديّا تنبثق منه رائحة عطرة طالما أحببتها في طفولتي. ففي هذا اليوم الأغر حضر إلى زيارتنا – كعادته – الشيخ عبد الله المكاشفي، محملا ببعض الحاجيات. أقرأنا السلام ومدّ إليّ بما يحمله في يمناه ومن ثم استلقى منهكا على العنقريب ليخلد إلى الراحة. تمدّد على العنقريب وقابلني بوجهه الوضاء وهو مرتقد على صفحته اليمنى. كنا نسكن في ذاك الزمان مدينة المناقل (قرية الطقيع). كان شيخ عبد الله وضاء الوجه، بهيّ الطلعة، بشوش الخلقة وذا هيبة وجلال قلّما يهبها الله لأحد من خلقه. تمتم بكلمات وكأنه يقرأ بعض التسابيح ثم قائلا:
– أمشي كلّم عشّه أختك تعمل لينا شاي!
ذهبت من توِّي إلى داخل البيت وحدثتها عن طلب الشيخ عبد الله المكاشفي، قائلا لها:
– شيخ عبد الله قال ليك سوّي لينا شاي!
رجعت من بعد حيث أتيت. قلت له:
– عشّه قالت ليك يا الشيخ ما في سكر وأبوي في السوق ما جا لي هسي.
انتهرني بنبرته السريعة محدّثا: أمشي جيب الشاي!
فما كان مني إلا أن أذهب لأختي عشّه بالتكل وأحدثها ثانية عما أوصاني به شيخ عبد الله. ابتسمت وما كان منها إلا أن تذعن لأمر شيخ عبد الله فيما أراد.
قامت وعملت لنا الشاي ونادتني أن أحمله لأخرج به إليه. حملت الشاي وجئت به أمامه وهو يحدقني بناظريّه. بادرني بهدوء وسكينة:
– أقعد يا بدوي!
فقعدت أمامه، وقبل أن أستوي على القرفصاء، مشيرا بيديه:
– ختو ختو في الواطة!
وضعت صينة الشاي أمامي وأنا على البرش.
– كُبّ الشاي!
فصببت له ولي – احتراما لضيفي الجليل. ثم أمرني قائلا:
– اشرب!
فأجبته بأدب:
– أنا ما بشرب بدون سكر يا شيخ عبد الله!
استطردا منتهرا ثانية حتى رجفت من إصراره وتعنده وقلت في نفسي: لماذا يصرّ الشيخ بأن أشرب الشاي بدون سكر؟! كرّرها ثانية:
– أنا بقول ليك أشرب (بأمر واضح)!
فحملت الكباية بحذر وكأنها شيء غريب فقربتها إلى شفتيّ حذرا متوجسا ثم أخذت منها جغيمة صغيرة ولدهشتي وعجبي لم أستطع أن أبلع هذه الجغيمة إذ أحرقتني حلاوة السكر بها!
بعد سنوات مضت على هذه الحادثة وكنت حينها موظفا بالمالية في الإجازة أزور أخي الشيخ مصطفى بمدينة مدني العامرة. طلب مني بعد قدومي إليه أن نذهب سويّا في زيارة لصديقنا الشيخ المكاشفي وأبناءه في الشكينيبة. فذهبنا سويا خلل جمر الصيف الكافر وتحت وطأة الحرّ الدامغة على ربوع الجزيرة. عند قدومنا رحبوا بنا كعادتهم والتقينا الشيخ عبد الله أولا ثم جلسنا معه ومع الشيخ المكاشفي في قطيّة صغيرة خلف المنزل، من وقت العصر – حين وصولنا – حتى آذن الصبح بالبزوغ. جلسنا نتحدث ونصلي ونبتهل ونشرب الشاي ونستعيد ذكرى الماضي الجميل في مجلس يوثقه الحب وثاقا وتظلله حمائم السلام وابتهالات الخالق المجيد في صداقة الخِلّ وحلاوة اللقيا. حكيت للشيخ عبد الله في هذا المقام عن الحادثة تلك عندما زارنا وأنا ما زلت في رقّة طفولتي وكنت يا دوب قد أكملت التحضيري وعلى أبواب الدخول إلى المدرسة الأولية، فقلت له، أنه في ذاك اليوم في قرية الطقيع بالمناقل حصل كذا وكذا وكذا. أجابني بنبرته السريعة:
– ما بذكّر ما بذكّر!
على كل بعد أن تُوفي أخوه الخليفة عمر مسك من بعده الخلافة.
فذكراهم العطرة ما تزال في نفسي (رحمهم الله، من حيا منهم ومن قضى نحبه – لكنهم ما بدلوا تبديلا)
(ألَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)


