ثقافة وفن

أبنوسة ونخلة

ود حبوبة فائح السيرة  (2)

أسامة الطيب

هاهو ضابط التسوية الإنجليزي الكافر، يأخذ أرضك يا ود حبوبه ولم تزل عينك تطرف ولا زالت حربتك تُشرِع في ناظريك بريق حدِّها ولا يزال قلبك بقيةٌ من راتبٍ ومقام ولا تزال رجليك تدمي من طول قيام، وتمرُّ الخيل من أمامك ، لا يستطيع مثلك الابتسام حتى تمر الخيل ،  تمرُّ أغنياتٌ غنَّاها الصبية فوق تلال الرمل ذات عنفوانٍ مضى ، والقمر ساهرٌ يزرع بين أقرانه الحبَّ، والليل ساكنٌ يخيط ثوب صباحٍ ناعم المجيء، تمرُّ تواريخ القبيلة مشتعلةً على عود صبرك وقدرتك، هاهو الدمع يطفِّر غصباً عن عينيك، من قلبك ويدك وبقية جلدك، والأهلون يتقلبون بين قضاءٍ أرهق إيمانهم وقدرٍ قضى على جبال القدرة.

وقف عبد القادر ودحبوبه قبالة داره، فكَّر ، هل له أن يواجه سيوف الاستعمار إلا برقبةٍ تأبى على القطع؟ ومضى يبيع أراضيه التي اجتزأ منها ضابط التسوية نصيباً كبيراً ، ليبني دارا للضيوف علَّه يجمع القلوب فيها ، يبرم شاربه المتطلع لمعان جديدة ويحس ما يلهم محمد سعد دياب بعد زمانٍ و زمان…

“إني أضعتك من يدي وأضعته

عمراً جميلاً بالهناءة يورق

إني أضعتك فالدروب حزينة

والعشب والآفاق صمت مطبق”

ولكنه يدقُّ بنعله الفاشري – حذاء من الجلد الخالص يصنع في مدينة الفاشر – على أرضه وهو يودع فيها تجارب من ماضٍ لم يكن فيه للحسرة حظ، ويدندن …

” يا لحظة الميلاد حين نجئيها

لنكاد من فرح العيون نحلق

يا ملء روحي يا صباحاً مترعاً

الصحو يأخذني ووعدك مونق

تبقين حاضرة كحبات الندى

ما الظلُّ ما ريح الصبا تترقرق”

أشترك معه الكثيرون في بناء دار الضيوف، وقبل أن ينتبه الزمن لأغنيات الحماسة حين (الفزع) كانت دار الضيوف بدأت باتحاد جديد، أسس له الغبن على ضابط التسوية وصهيل الخيول المترفه وانكسار ظل الخدم وعيون أهله و وحّد الجمع ضد الإنجليز، وكانت ثورة جديدة. تكاثر حول الدار جموع ممن يرون رأيه في بث روح المهدية ومقاومة الحكومة الدخيلة كبرت أياديهم وأشرعت اللقاءات نصاعة الجباه، وبدأت بذور الأمس النائمة في تلمس وجهها بين الشقوق والخروج لعالم الضوء (وعندما بلغ مراكز الحكومة مسلكه هذا، وقد حرمت مثل هذه الاجتماعات طلبته للحضور إلى المركز لكنه لم يستجب).أو يذهب لهم برجليه وهو الذي يعد العقول للابتعاد عنهم ودفعهم للذهاب ؟ ضحك وهو يستلم رسالتهم تلك، يجلس على (عنقريبه) – سرير خشبي ينسج بالحبال المصنوعة من جريد النخل – القصير، متلفحاً ثوبه الأبيض تتكوم مسبحته على حصيرة الصلاة، قال مجالسوه إنها أنصع ضحكةٍ يضحكها منذ أن التزم البيعة، ومدد رجليه أمامه وقال لهم ( من كان يخشى الإنجليز فليذهب إليهم ، ومن كان يخشى الله فليلزم راتبه). فلزم الجميع راتبهم وأيقن الرسول أن فترة انشغالهم بالله هذه، هي فرصته للانشغال برؤسائه الذين يرفعون أرجلهم على مناضدهم الآن ، يتصاعد من رئاتهم وغليون صلفهم دخان التبغ في الحجرة الأنيقة ودخان الحقد في القلوب الضيقة ، في انتظار كسيرٍ ذليل سوف يأتي بعد قليل ندمانَ آسفا…… إذن فقد رفض !

وقف المفتش الإنجليزي، فوقفت دولة التاج كلها، وارتعبت مصر الفتاة، ومات الخدم (وذهب مفتش إنجليزي ومأمور مصري لمقابلته وكان نصيبهما القتل ومجاهرة الحكومة بالعصيان، وقامت بلوكات من الجيش من ودمدني والخرطوم، وتم القضاء على حركته، بعد أن فقد الجيش عدداً من جنوده وضباطه في مباغتة ليلية قام بها عبد القادر وأنصاره. وأخيراً تم القبض عليه وإعدامه في قريته)، نواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق