الفن التشكيليّ

حدائــق في سماء Flore Maison des Arts

التشكيليّ المغربي حافظ مربو

حسان بورقية

السماءُ مليئةٌ بشذراتٍ مختلفةِ الألوان، غامقةٍ، وبآثارِ عاصفةٍ تتبدَّد.. شذرات تؤطر غيْما كثيفا، شفّافا، إسْفنْجيا، مُجَوَّفا. سماءٌ من مِدادٍ بدأت تنقشع من غُبارٍ كأنّ هبةَ ريحٍ أطارتْ عفَرَ السنين عن صفحتها وأبانتْ عن مطرٍ من قطراتٍ ملونة..

وأنت تقف أمام أعمال حافظ مرْبو، تخالُه رسّامَ عوالِم متخيَّلَةٍ، لامرئيةٍ، يثير الشك فيما يُحيط بِكَ و بِهِ من وجوه وأشياء ويقفز بك إلى واقعٍ كدْتَ تنْساه.

أعماله تشبه البِرَكَ عندما تعني البِرْكةُ تلك العيْنَ الكبيرةَ الهادئة التي تمتصّ كل النورِ وكل العالم. نعرف أن البركة في الفن تعني العينَ السائلةَ للأرض، حيث كلُّ ما هو صلبٌ يلينُ ويذوبُ في مرآةِ الروح وهي تنظرُ إلينا من العالم الجوْفي. آنئذٍ نستريحُ ونستسلم للحلم، للتأمل، للخيال والوهم.. وعلى سطح عيْنِ البِرْكة العاكِسَة، تنقلب صورُ الأرض والسماء، كأن تلك العيْنَ تقول لنا إنّ ما في الباطنِ يشبه تماما ما في الظاهر.

تلك الكُراتُ، الشبيهة بِكُراتِ “الصابون”، تثير خِفةَ الروحِ وأسلوبَ حياةٍ. وهي تحلق في الهواء، تشير رمزيا – فيما وراء يقينِ اختفاءِ الجسدِ – إلى أملِ حياةِ الروحِ الخالدة، كما تحيل أحيانا إلى الريبةِ وعدمِ الاستقرار.

في عمل مربو، تكادَ ترى الهواءَ، الأثيرَ وقوةَ الريح الذين يثيرون خيالنا، فنرى فيه الروح والنفْخ الإلهي الذي تفتَّق منه كلَّ ما يوجد في الكون.. بعض الفلاسفة القدامى رأوا في الهواء بيتَ الروح بعد مغادرة الجسد.. كما تكاد ترى أن هذا الهواء ينقل ذبذبات صوتية، وأنه الصيرورة الكيميائية للمادة الصلبة المتبَخِّرة، التي صارت غيْما أو ماءً. في عمل مربو، ترى الأجنحة والأشْرِعة والمياهَ المستقرة كذلك.

اللوحة عنده سماءٌ لكل هذه العناصر. يمكننا أن نحيا فوق غيمةٍ من غيماتِه، بعيدا عن “واقعِ” هذا العالم.. إذ تتحول الغيْمة في التجربة الروحية وتمتزج مع اللانهاية..

ثم ثمة ذلك الضباب الشفيف، الشبيه بصحراء خرافية باردة مثل مملكة الأموات، عندما يعني الضبابُ الحيرةَ، اللايقين، اللامحدد، حالةَ مابين الواقع واللاواقع وكذلك عندما يتعارض مع النور الحي..

ترى عمل مربو فتتذكر تحولاتِ القمر، تشْكرُ السماءَ على ظهوره الموزون في الشهور.. كم هو رائع في نموه وتراجعه الضرورييْن، في أشكالِ سحره اللانهائية.. شيء مّا جوهري وهادىء، بِسَبِه، يكسو الأشياءَ والفضاءات في الليل، فتبدو غيرَ عادية، تنعكس في كل المجاري اللانهائية، الذهنية، الانفعالية، العاطفية والفزيائية للكائنات الحية.. تذكَّرْتُ ذلك وأنا أشاهد عمله والمجرّاتِ المرتحلة فيه.. كما تذكرتُ أثارَ تلك المجرات على الأمزجة الابداعية والروحية، السحرية، الجنسية، النبوئية والقمرية التي تتسبب فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق