سلايدرسياسة

بعد 3 أيام من التفاوض … بماذا عادت طائرة البرهان؟

مصادر امريكية: المفاوضات انتهت دون إحراز تقدم بشأن اعتراف السودان بإسرائيل

تقرير الباهي  إدريس

بعد ثلاثة ايام من التفاوض في العاصمة الإماراتية أبوظبي حول رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عادت طائرة رئيس المجلس السيادي عبدالفتاح البرهان للخرطوم وبحسب بيان صادر من مجلس السيادة الانتقالي تلقته صحيفة (الديمقراطي) بحث البرهان مع الوفد الأميركي رفع السودان من قائمة الإرهاب والقيود الأخرى التي تفرضها الولايات المتحدة ودور الخرطوم في تحقيق السلام العربي الإسرائيلي الذي يؤدي إلى استقرار المنطقة ويحفظ حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقا لرؤية الدولتين والدور الذي ينتظر أن يلعبه السودان في سبيل تحقيق هذا السلام، ومن المنتظر عرض نتائج هذه المباحثات على أجهزة الحكم الانتقالي بغية مناقشتها والوصول إلى رؤية مشتركة حولها، تحقق مصالح الشعب السوداني وتطلعاته.

تعثر التفاوض

مصادر صحفية اشارت الى أن المفاوضات تعثرت بعد رفض المسؤولين الأميركيين تقديم التزام قاطع وفق جداول زمنية محددة لتقديم المساعدات للسودان ورفع اسمه من قائمةالارهاب دون شروط.

الصحفي الامريكي المهتم بالشرق الاوسط باراك رافيد قال ان المفاوضات بين السودان والولايات المتحدة انتهت في ابوظبي دون إحراز تقدم بشأن اعتراف السودان بإسرائيل.

وينقل رافيد عن مصادر مطلعة على سير المفاوضات:”فأن الوفد السوداني طالب بحزمة مساعدات فورية بقيمة 3 مليار دولار والتزام بمزيد من المساعدات في المستقبل الا انه لا تزال هناك فجوة بين الطرفين فيما يتعلق بالمساعدة التي يمكن أن يتوقعها السودان من الولايات المتحدة والإمارات مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل”.

وكشفت تسريبات اعلامية عن طلب السودان لدعم اقتصادي في حدود 3.2 مليارات دولار، بالإضافة إلى تسريبات تتحدث عن طلب مبلغ 10 مليارات دولار؛ لتجاوز الازمة الاقتصادية.

المفاوضات التي كان من المقرر لها يومين تم تمديدها ليوم ثالث، وجرت حسبما هو معلن على مسارين اولهم بين البرهان والقيادة الإماراتية تعلق بالقضايا الإقليمية المرتبطة بالشأن السوداني، فيما كان الوفد الوزاري المرافق للبرهان وعلى راسه وزير العدل نصر الدين عبدالبارئ ينخرط في تفاوض مباشر مع فريق من الإدارة الأميركية برئاسة مدير شؤون الخليج في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض العميد ميغيل كوريا، ولعب كوريا دورا في صياغة اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات.

ووصل كوريا على راس وفد الى الامارات قبل 24 ساعة من وصول طائرة البرهان بهدف مناقشة تفاصيل رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإعفاء الديون الأميركية على السودان وحث باقي الدول على اتخاذ خطوات جادة في إعفاء الديون.

نهاية الاسبوع بعث وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو بخطاب الى رئيس مجلس الشيوخ مؤكداً أن السودان لديه الأموال لتسوية القضايا المعلقة وانه سيتم الافراج عنها حال تحقق ثلاثة اشتراطات أجملها في توقيع اتفاق المطالبات الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان ورفع الأخير من قائمة الدول الراعية للإرهاب علاوة على تمرير قانون الحصانات السيادية في الكونغرس وتوقيعه بيد الرئيس دونالد ترمب.

وقال “بناءً على وتيرة ومدة مناقشاتنا مع السودان، تعتقد الوزارة أنه من المحتمل جدًا أن يتم الوفاء بالشرطين الأولين الموصوفين أعلاه بحلول نهاية أكتوبر”.

تتطلع إدارة ترمب إلى ازالة اسم السودان من لائحة الداول الراعية للارهاب بعد تسوية مع ضحايا الهجمات على السفارات الامريكية في شرق افريقيا 1998 والمدمرة كول 2000 تقدر بنحو 335 مليون دولار، في المقابل ، ستزيل واشنطن تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب وتستعيد في نفس الوقت الحصانة السيادية من أي مسؤولية إضافية في المحاكم الأمريكية.

سيمثل تأمين الصفقة نجاحًا آخر في السياسة الخارجية لإدارة ترامب، الأمر الذي ساعد مؤخرًا في تأمين التطبيع الدبلوماسي بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة.

الصحفي الامريكي المهتم بالشرق الاوسط باراك رافيد يرى ان البرهان يعتقد أن التطبيع مع إسرائيل سيساعد السودان على الخروج من الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يواجهها، الا ان المكون المدني بما في ذلك رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قلق من أن تؤدي عملية التطبيع إلى اضطرابات داخلية.

في السياق يرى المستشار الاعلامي لرئيس المجلس السيادي الطاهر أبوهاجة ان مسالة التطبيع مع اسرائيل لا يمكن اختزالها في (مع او ضد)، ويضيف أبوهاجة في مقال صحفي بصحيفة (السياسي) ان الازمة الاقتصادية وبقاء السودان في لائحة الارهاب يتطلب تخطيطا استراتيجيا برؤية جديدة شاملة لتغيير الصورة النمطية التي ارتبطت بعلاقاتنا الخارجية طوال العقود الماضية.

المستشار الاعلامي لرئيس المجلس السيادي الطاهر أبوهاجة يدعو لمناقشة مخرجات اجتماعات أبوظبي وتكوين عقل جمعي وقرارات مشتركة تكون شجاعة بين كل مكونات الأجهزة الانتقالية مضيفا:”ما قام به البرهان ووفده في الإمارات خلال الأيام الماضية لا يتضمن أسرارا ولا أجندة عسكريين ضد مدنيين وإنما نوايا صادقة وإرادة قوية ومحاولة جادة وتفكير خارج الصندوق لإيجاد حلول خلاقة مبدعة تخرج علاقاتنا الخارجية من البئر التي ألقيت بداخلها ردحا من الزمان”.

عصا وجذرة

نهاية اغسطس الماضي سعى وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو خلال زيارته للخرطوم لطرح مسالة التطبيع بين السودان واسرائيل في اطار مبادرة الرئيس الامريكي ترمب، بل ثمة تسريبات عن انه عرض عليه لقاء رئيس الوزراء الاسرائيلي، الا ان رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ابلغه بضرورة الفصل بين قضية التطبيع مع اسرائيل وازالة السودان من لائحة الارهاب، وابلغ حمدوك بومبيو أن المرحلة الانتقالية يقودها تحالف عريض بأجندة محددة لاستكمال عملية الانتقال وتحقيق السلام والاستقرار في البلاد وصولاً لقيام انتخابات حرة مؤكدا ان الحكومة الانتقالية لا تملك تفويضاً يتعدى هذه المهام للتقرير بشأن التطبيع مع إسرائيل وأن هذا الأمر يتم التقرير فيه بعد إكمال أجهزة الحكم الانتقالي.

وبحسب مراقبون فإن الولايات المتحدة لا تعمد إلى الإيحاء المباشر بأن التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب هو المقابل الصريح لرفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكنها تري في التقارب السوداني الإسرائيلي دافعاً قوياً لها لتسريع اتخاذ هذا القرار، انطلاقا من أن إسرائيل هي الحليف الأكبر لواشنطن.

لذلك فإن قرار الحكومة الانتقالية بالتمنع عن التطبيع ربما يؤثر بقوة على ملفات أخرى، وهو ما يدفع بالعسكريين في السلطة وفق المصدر إلى العمل لإنجاز التقارب مع تل أبيب بعيداً عن الأنظار على غرار ما فعل البرهان حين التقى في أوغندا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبرر الخطوة بأنها كانت “لأجل المصلحة العليا”.

البرهان الذي يتحرك بحرية اكبر من رئيس الوزراء المقيد بتعقيدات تحالف سياسي عريض، يبدو اكثر جراءة للخوض في ملف التطبيع، ويرجح مراقبون أن البرهان نقل إلى بومبيو ضرورة إيفاء واشنطن بحزمة مطالب مقابل تقارب الخرطوم مع إسرائيل، بينها تقديم مساعدات اقتصادية للسودان ودعم إعفائه من الديون في نادي باريس، والصناديق المالية الدولية، بجانب إزاحته من قائمة الدول الراعية للإرهاب في أسرع فرصة ممكنة.

المحلل الاستراتيجي بمعهد كارنيغي للدراسات الشرق الاوسط جهاد مشامون يقول ان تطبيع العلاقات مع إسرائيل يسهل من حذف السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، الا انه في المقابل قد يؤدّي إلى تعزيز مكانة البرهان والعسكريين في السلطة وتقويض الحكم المدني.

المحلل الاستراتيجي بمعهد كارنيغي يضيف ايضا:” إضافةً إلى الطموحات السياسية الشخصية التي تقف خلف رغبة البرهان في تطبيع علاقات بلاده مع السودان، كان للإمارات تأثيرها عليه فقد شجعته على تحسين العلاقات مع تل ابيب مقابل الحصول على الدعم الإسرائيلي في الضغط على امريكا لرفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب”.

وعلى الرغم من سرّية الاجتماع مع نتنياهو، أقرّ البرهان أمام صحافيين في الرابع من فبراير بأن الهدف من الاجتماع كان الحصول على المساعدة من إسرائيل للتعجيل في رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

انقسام سياسي

قوى الحرية والتغيير كتحالف عريض بدا منقسما، وبالنظرة سريعة نجدها متمسكة بالموقف الكلي للتحالف السياسي العريض القائم على أن البت في المسائل الوطنية الخلافية هو من صميم اختصاص الحكومات الوطنية المنتخبة، ياتي ذلك في ظل تعنت قوى تقليدية تجاه الخطوة، على رأسها حزب الأمة القومي، فضلا عن رفض الحزب الشيوعي وأحزاب البعث للتطبيع ابتداء.

رئيس المكتب السياسي بحزب الأمة القومي محمد المهدي حسن يقول في حديثه لــ(الديمقراطي):” يجب البت في قضية التطبيع عبر حكومة منتخبة باعتبار ان هذه القضية ليست من صلاحيات الحكومة الانتقالية”.

المهدي يشير الى ان الحكومة الانتقالية تتعرض لضغوط اقليمية ودولية للمضي في ملف التطبيع مع اسرائيل لافتا الى ان تفويض الفريق المفاوض ينحصر في مناقشة رفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب وليس التطبيع مع اسرائيل.

في الاثناء قال القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي محمد ضياء الدين لـ(الديمقراطي):” نحن ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفي هذا موقفنا مبدئي منذ تأسيس الحزب”.

ضياء الدين يحذر من محاولة التطبيع من قبل الحكومة الانتقالية وقال انهم سيقومون بمقاومته بكل السبل معتبر ان ذلك يمثل خرق للوثيقة الدستورية وخيانة للشعب الفلسطيني والأمة العربية.

في المقابل يرى الامين الاعلامي للمؤتمر السوداني نورالدين بابكر ان قضية التطبيع مع اسرائيل معقدة ولا يمكن ان تختزل في ثنائية مع او ضد، ويقول بابكر لـ(الديمقراطي):” ظلت قضية التطبيع مع اسرائيل تطرح في صياغ الأيدلوجيا والاستغلال السياسي للنخب الحاكمة بعيداً عن سؤال المصالح”.

الامين الاعلامي للمؤتمر السوداني يقول دون النفوذ الي جوهر القضية فان موازين القوي الدولية تشير الي ان العلاقات مع الدول العظمي تقوم على التكافؤ والمصالح المشتركة التي تحقق مكاسب كبيرة للشعوب.

بابكر يقول:” السودان كبلد يمر بفترة انتقال حرجة تحتاج لعلاقات دولية متوازنة تساهم في تحسين الاوضاع الداخلية خصوصاً المتعلقة بالملف الاقتصادي وهوما يستلزم دعم الجهود التي تسير في هذا الاتجاه بعيدا عن الهتافات السياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع”.

المحلل السياسي محمد عبد الحميد يرى في حديثه لـ(الديمقراطي): ان قوى الحرية والتغيير منقسمة بشكل كبير ازاء التطبيع مع اسرائيل بين قوى أيدولوجية ترفض التطبيع من حيث المبدأ وقوى تناور سياسيا لكسب الوقت وقوى لا ترى غضاضة في تطبيع يحقق مصالح السودان الا انها في ذات الوقت لن تدعم المضي فيه الا بعد رفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب واعفاء ديونه وادماجه في النظام المصرفي العالمي ودعمه اقتصاديا للنجاح في عبور الفترة الانتقالية.

في الاثناء يبدو أن الحكومة تحاول القفز فوق الحالة الخلافية داخل قوى الحرية والتغيير، وإرجاء البت في الموضوع لحين تشكيل المجلس التشريعي، وكسب الوقت.

القيادي في الحرية والتغيير خالد عمر رهن مسألة التطبيع مع إسرائيل باكتمال هياكل السلطة الانتقالية. وقال: “السودان يؤثر ويتأثر بما يدور في الشرق الأوسط وبكل تأكيد لن يستطيع عزل نفسه عن هذا الأمر، وعقب زيارة وزير الخارجية الأمريكية للخرطوم تقدم بأطروحة محددة حول وجود السودان كطرف في عملية التطبيع مع إسرائيل، وهذه الأطروحة قيد البحث داخل مؤسسات السلطة الانتقالية، وهذه قضية لا يمكن اتخاذ قرارات أحادية فيها، والدافع الأول والأخير الذي سينتج منه القرار السوداني هو الحفاظ على المصلحة الوطنية السودانية”.

أبو هاجة يشير الى ان لقاءات أبو ظبي لها ما بعدها وهي ليست استسلاماً لأحد ولا بيعاً للقضية الفلسطينية وإنما محاولة جادة كغيرها من المحاولات لتأسيس وبناء علاقات خارجية جيدة حكيمة تستوعب المستجدات وتجيب عن كل الأسئلة التي تتحدث عن أين وضع السودان من عالم اليوم، مضيفا:” نعم تحتاج كل الخطوات إلى تفويض كامل لكن انتظار التفويض في كثير من القضايا الحساسة والملحة ربما يضيع بعض الفرص المتاحة والفرص لا تتكرر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق