سياسة

المأزق القانوني لبقاء السودان ضمن القائمة الأمريكية لمن يرعى الإرهاب

ياسر عبد الرحمن عبد القادر (مستشار قانوني)

إضاءة قانونية لمن يسألون لماذا الحرص على ازالة اسم السودان من القائمة الامريكية للدول الراعية للإرهاب. ولماذا السودان وحده ملاحق في القضاء الأمريكي بتعويضات لضحايا العمليات الارهابية التي نفذتها القاعدة دون سواه من الدول العربية والمسلمة التي شارك مواطنوها في الهجمات.

اكتفي بالتطرق للجانب القانوني هنا وندع الجانب السياسي والاقتصادي لفرصة اخرى.

وجب التنويه هنا الى الاثر القانوني المترتب على وجود دولة في قائمة من يرعى الارهاب. اول إثر كان هو فقدان السودان نعمة الحصانة السيادية او (Sovereign immunity) وهو مبدأ قانوني يرى “الدولة غير قادرة على اقتراف الأخطاء التي لا يسمح بها القانون ويحميها من مواجهة الدعاوى المدنية أو الملاحقة الجنائية”. ويمثل أحد اهم مبادئ القانون الدولي، ما يجعل الدولة ذات السيادة معفاة أمام المحاكم الأجنبية ومحصنة من الملاحقة بدعاوى التعويض.  وحسب القانون الأمريكي تنسحب الحصانة السيادية من الدول الراعية للإرهاب بمجرد دخولها هذا التصنيف بموجب قانون الthe Foreign Sovereign Immunities Act (FSIA). وحالياً تجد أربعة دول فقط في هذه القائمة ومنها السودان بجانب إيران، كوريا الشمالية وسوريا.

لذلك لم يتوفر امام ضحايا تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام (1998) وضحايا تفجير المدمرة الامريكية يو اس اس كول في ميناء باليمن (2000) وذويهم أي دولة خلافا للسودان كدولة فاقدة للحصانة السيادية ولها صلة معروفة بتنظيم القاعدة سوى السودان وقاموا بملاحقة السودان جنائيًا ومدنياً. جريرة السودان كانت هي استضافة نظام الجبهة الإسلامية لأسامة بن لادن بعد طرده من السعودية في سنة 1991 حتى عام 1996 ومنح عناصره جوازات سفر سودانية وتوفير الملاذ الاّمن لهم. ومن الطبيعي ان يسعى ضحايا الهجمات الإرهابية لطلب التعويضات من الجهة التي تتمتع بملاءة مالية مثل الشركات والدول لاستحالة الحصول على تعويضات من المنظمات الإرهابية وافرادها حيث من البديهي ان هذه المنظمات هى محرمة قانونا.

معروف ان من نفذوا الهجمات الارهابية هم من مواطنو دول أخرى منها السعودية واليمن ومصر وغيرها من الدول ذات الحصانة السيادية، لذلك تحمل السودان وحده المسؤولية بسبب فقدانه الحصانة السيادية نتيجة لتصنيفه كدولة راعية للإرهاب.

وبموجب قانون مكافحة الارهاب الأمريكي (ATA) فان أي طرف يدعم او يوفر ملاذ امن لجماعة ارهابية يكون مسؤولا عن الجريمة وملزم بتعويض ضحاياها حتى وان لم يشارك مشاركة مادية مباشرة في الجريمة. قانون مكافحة الارهاب الأمريكي يتميز بذراع بالغة الطول لتمكين الدولة من مناهضة الإرهاب وجلب العدالة للضحايا وذويهم، لذا فهو يجرم داعمي الارهاب لمجرد علمهم بان أي تمويل او مساعدة يبذلونها لمصلحة فرد او جماعة تم تصنيفها منظمة ارهابية بمثابة دعم للإرهاب يوقع صاحبه في دائرة الاشتراك الجنائي.

لم تتصدى خارجية البشير للدفاع عن السودان في المحاكم الامريكية بالرغم من ان التفجيرات الارهابية تمت بعد خروج بن لادن من السودان (عام 1998 و2000) وبالرغم من ان بعض التقارير الموثوقة اكدت عرضاً رسمياً تقدم به الفاتح عروة وكان وقتها في قمة جهاز الامن بتسليم اسامة بن لادن لإدارة الرئيس بيل كلنتون في 1996 ورفضت امريكا استلامه. كما سعت امريكا والسودان لتسليم بن لادن للسعودية التي رفضت استلامه بدورها. في غيبة هيئة الدفاع، صدرت احكام ادانة ضد السودان ترتب عليها إلزام السودان بتعويضات طائلة لضحايا التفجيرات وذويهم. كان بالإمكان مناهضة دعاوى الضحايا في المحاكم الأمريكية والدفاع عن السودان كطرف مدعى عليه، إلا ان حكومة البشير تركت الدعاوى تسير بدون دفاع واّثرت ان تحشد الغوغاء في مسيرات همجية في الخرطوم تندد بان امريكا قد دنى عذابها.

طالما ظل السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب الامريكية فسيظل عرضة للملاحقة القضائية من ضحايا الارهاب، وخصوصا ضحايا 11 سبتمبر 2001 الذين أبدوا نيتهم الجادة في ملاحقة السودان من اجل تعويضات أكبر. لذلك سجلت مؤخرا المنظمات الداعمة لضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 اعترضاً حاداً ضد محاولة الادارة الامريكية الحالية تمرير مشروع قانون يقضى بإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حتى لا تضيع على هؤلاء الفرصة لملاحقة السودان بشأن تعويضات على غرار تعويضات ضحايا تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام وضحايا المدمرة الامريكية يو اس اس كول. ونجحت هذه المنظمات الداعمة للضحايا في الحصول على تأييد سيناريوهات مؤثرين ونواب في الكونغرس تعهدوا بالوقوف في وجه أي مشروع قوانين لصالح إزالة اسم السودان طمعا في مكاسب انتخابية ولإرضاء شركات التأمين التي تبدأ مسؤوليتها تجاه الضحايا بنهاية وجود السودان في القائمة المنحوسة.

بعد ان رفع اوباما العقوبات الاقتصادية عن السودان في 2016 لم توافق البنوك التجارية وشركات التكنلوجيا العالمية باستئناف التعامل مع السودان بسبب استمرار خضوع السودان لتصنيف الدولة الداعمة للإرهاب ولخوف هذه المؤسسات التجارية من الدخول في مخاطر الوقوع تحت طائلة قانون مكافحة الارهاب وامكانية تعرضها هى نفسها لملاحقة ضحايا الارهاب الساعين لتعويضات من أي طرف يملك اصول مالية بالإمكان تسييلها لدفع التعويضات. وبالتالي لم ولن تحل خطوات رفع العقوبات الاقتصادية أي مشكلة طالما ظل السودان قابعاً في هذه القائمة ومسلوب الحصانة السيادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق