خارج الحدود

ربيع آخر لن يأتي …

محمد صلاح – كاتب وصحافي مصري

ضرب الربيع العربي مصر بعدما مرّ بدول أخرى في المنطقة، وبعدها عصفت رياحه بمجتمعات فقسّمها، وأصابت شظاياه اللحمة الوطنية في هذا البلد أو ذاك، وسيّرته أجهزة استخبارات ودول وجهات أجنبية أخرى بحسب خططها ومصالحها وتحالفاتها، لكن ما لا يمكن نكرانه أن أوضاعاً داخليه خلقت أسباباً تفاعلت معها مؤامرات الخارج، فأفرزت في بعض الدول النتائج والأوضاع التي هي عليها الآن. هذا هو الفارق بين ما جرى ضمن أحداث الربيع العربي وبين ما تحاول بعض القوى الإقليمية وأجهزة الاستخبارات، ومعها تنظيمات وجماعات متأسلمة وتنظيمات إرهابية، أن تحققه الآن وتفشل فيه فشلاً بعد آخر، فالعلاقة مثلاً بين تنظيم “الإخوان المسلمين” من جهة، وكل من تركيا وقطر لا يمكن إخفاؤها، بل على المستوى الاستراتيجي، لا مجال للفصل بين أهداف أنقرة والدوحة والتنظيم الدولي لـ”الإخوان” وجهود الاطراف الثلاثة ومساعيها. وليس علينا البحث عن أدلة أو براهين لإثبات العلاقة المثبتة أصلاً، والدعم التركي والقطري للجماعة الذي لم يتوقف ومنه احتضان قادتها أو الإنفاق عليهم، أو حتى توجيه المنصات الإعلامية الضخمة للدفاع عن “الإخوان”، أو تبرير تصرفاتهم أو تحسين صورتهم أو إخفاء جرائمهم، ووصل الأمر إلى حد اتخاذ مواقف حادة ضد كل من ينتقد “الإخوان” ويكشف مؤامراتهم.

نعم تركيا وقطر مع جماعة “الإخوان” في مركب واحد، واذا كان الربيع العربي صعد بهذا الحلف إلى واجهة الأحداث في العالم، فإن واقع الأمور على الأرض الآن وفشل محاولات استعادة ذلك الربيع، يشيران الى أن الشعوب أدركت حجم خطر “الإخوان” وانكشفت الأدوار التي ظلت وسائل الإعلام القطرية والتركية تؤديها لتخريب وعي الشعوب وغسل عقولها.

ويبقى سؤال قائماً: هل هناك ربيع آخر؟ تشير كل المعطيات على الأرض الى أن “الإخوان” اختاروا الصعود إلى الهاوية حين قفزوا على السلطة في مصر وسعوا إلى تحقيق الأمر نفسه في دول أخرى فرسموا بأنفسهم نهايتهم!! والحقيقة أن أنقرة والدوحة تكرران خطأ “الإخوان”، فالعاصمتان اعتبرتا أن الربيع العربي جاء محصلة لجهود بذلت وأموال أنفقت وظنتا أنهما ستحققان الدور الذي حلمتا به، لكن ثورة الشعب المصري ضد حكم “الإخوان” جعلت الحلم يتحول كابوساً كبيراً، فمضى تنظيم “الإخوان” يحارب طواحين هواء ويخوض معارك تنتهي كل مرة بالفشل في استعادة السلطة والنفوذ والمال.

صحيح أن التدفقات المالية من قطر للتنظيم لم تتوقف، وحقيقي أن الدعم اللوجستي التركي للجماعة مستمر حتى الآن، كما أن قطر لم تغير سياساتها وما زالت تصدّر الأذى الى جيرانها ومصر، والأمر نفسه تمارسه تركيا بتطلعاتها الإقليمية، لكن ملامح الصورة تشير الى أن المؤامرات ستنتهي كما انتهت معارك “الإخوان” في مصر!!. اسأل عن مصير “الإخوان” بعد هزيمتهم في مصر الآن تعرف مصير الدور القطري – التركي في مواجهة المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر!!

بقدر ما تسبب الربيع العربي بكوارث وخسائر بشرية ومادية جسيمة، ورغم السلبيات التي أفرزها مرور شظاياه فوق مجتمعات فقسّمتها ودول فتتها، ورغم اعتقاد ساد لفترة بأن الثورات والاضطرابات والتظاهرات ومظاهر الفوضى التي ضربت الدول العربية وعصف بها الربيع العربي، أظهرت المتأسلمين كقوة وحيدة منظمة تملك آليات للتواصل والتعامل مع فئات الشعب. وبالتالي فإن صعودهم إلى سدة الحكم في بعض الدول طبيعي، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أو إخفاؤها هي أنه لولا الربيع العربي لظل المتأسلمون يحظون بدعم شعبي من فئات لم تكن تصدق أن الجماعات التي ترفع راية الدين والتنظيمات التي تعلن ليل نهار الجهاد لتحرير فلسطين هدفها السلطة فقط، وأنها على استعداد لأن تبيع مبادئها لمن يدفع أكثر وأن تتحول أدوات في أيدي جهات ودول لتحقق مصالحها طالما تبنّت هذه الجهات وتلك الدول الإنفاق على قادة تلك الجماعة أو الفارين من رموز ذلك التنظيم.

المؤكد أن التنظيمات المتأسلمة والدول الداعمة لها والجهات المبررة لتصرفاتها كانت في أوضاع أفضل من التي آلت إليها الآن. فالـ”الإخوان المسلمون” في مصر مثلاً قبل 25 كانون الثاني (يناير) 2011 كانوا يتحالفون مع قطر، ويسربون الأخبار إلى وسائل الإعلام التي تنفق عليها الدوحة، وفي الوقت نفسه يتعاملون مع نظام حسني مبارك وينسقون مع أجهزة الأمن، ويخوضون الانتخابات ويفوزون بمقاعد برلمانية، ويجمعون التبرعات ويوزعون السكر والزيت على الناس في رمضان، ويقيمون ولائم الإفطار التي يحتشد فيها رجال المعارضة والحكومة، ويأكل الجميع على موائد “الإخوان”. كان لـ”الإخوان” حضور وكان للدوحة ووسائل إعلامها أدوار وتأثير، وبعدما انقلب الناس على الربيع العربي وخسر “الإخوان” التعاطف الشعبي وأطاح الشعب المصري حكم محمد مرسي ظهر للعالم أن لا فرق بين “الإخوان” وبين “داعش”، وأن المسألة فقط مجرد مسميات، أو قل تقسيم أدوار، وأن لعبة المتأسلمين تبدأ بالسياسة والإعلام وتنتهي بالعنف والإرهاب، وخسرت الدوحة نفوذها وما أنفقته على مدى سنوات، وبدأ الدور الذي ظلت تلعبه أنقره يتهاوى، فالعالم لن يقبل بأن يستمر الخداع إلى الأبد، فخطر الإرهاب صار يهدد الجميع و”داعش” تسرطن في النسيج الغربي بعدما مزق النسيج العربي

أخيراً، لا مجال لربيع جديد إلا في عقول “الإخوان” وبين ثنايا أمنيات داعمي الجماعة ومموليها، لأن المعطيات اختلفت. واكتشف الناس حقيقة المتأسلمين وأهداف محركيهم، كما أن الخبرات بالاعيب أجهزة الاستخبارات وخطط الخداع وتحريك الناس زادت بين الشعوب التي صارت أكثر حنكة في التعاطي مع الأزمات وحل المشاكل وتجاوز المحن، فـ”الإخوان” الذين خرجوا مطرودين من حكم مصر وتحولوا إلى العنف والإرهاب ومارسوا الشتائم والسباب ضد كل من يعارضهم أو يؤيد رحيلهم يبدو كأنهم تسببوا في تحصين الناس ضد فيروسات الجماعة وجراثيم داعميها.

* نقلا عن “النهار”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق