مجتمع

مهرجان من الفن والجمال والألق البولنديّ

كراكوف

د. محمد بدوي مصطفى

عندما كنت طالبا في جامعة كونستانس تعرفت على زميلة تدرس اللغات الإسلافية واللغة الإنجليزية، كانت مبعوثة من بولندا. وفي أول لقاء لنا في غضون محاضرة في اللسانيات أخبرتني عن مدينتها كراكوف. حقيقة يا سادتي لم أكن أعرف شيئًا كثيرًا عن بولندا لكن اهتمامي ما فتئ إن ازداد يومًا تلو الآخر لا سيما مع معرفتي الجيدة لهذه الصديقة التي صارت فيما بعد من أعز أصدقاء أسرتي. كانت تتحدث بولهٍ وحبّ وشغف عن مدينتها، ولا زلت أذكر بريق عينيها عندما ما كانت تصف جنبات هذه المدينة. لذلك فاسمحوا لي يا سادتي أن أقدم لكم في طيّات هذا المقال مدينة انشدهت لها، بيد أنني، حقيقة، لم أزرها، كما عهدتم ذلك دائما في مقالاتي عن المدن، لكنني سأطمئنكم وأقول أنِّي سافرت إليها بأعين صديقتي سوزانا. فهاكم بعض من سحر كراكوف الجمال.

مدينة كراكوف، أو كراكوڤيا، غيداء ترقد على نهر فيستلا كحورية عذراء، تعتبر من أقدم المدن البولندية، إذ يمتد تاريخها ويضرب بجذوره في أعماق الأزمنة إلى بدايات القرن السابع الميلادي. تطورت هذه المدينة مع تعاقب الحقب والممالك عليها لتصير عاصمة بولندا الثقافية والسياسية بجدارة لا سيما في الفترة ما بين عام ١٠٣٨ و١٥٩٦. وككل المدن الغنية فقد تعرضت كراكوف لهجمات عديدة من قبل جيوش التتار والجيوش الألمانية، واستولت عليها مملكة النمسا في نهاية القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن التاسع عشر (١٨١٥) وأعلنت حينئذ جمهورية كراكوف وأصبحت المدينة عاصمة لها، ولكن حسن المدينة وتاريخيها التليد جعل أعين المتربصين تحوم بها ولم يغمد لهم جفن، فشرعت النمسا في منتصف القرن التاسع عشر إلى ضمها ثانية إلى مملكتها وبقت تحت السيطرة النمساوية إلى أن شارفت الحرب العالمية الأولى بالخمود، فعادت الحسناء مرّة ثانية إلى أمها بولندا وانضمد الجرج وائتلف العضو المفقود في حضن أمّه الرؤوم.  شهدت كراكوف على ساحاتها حروبًا ضروس لا سيما بين القوات الروسيّة والألمانية اللتان كانتا تتنازعان عليها وعلى الظفر بأجمل مدن العالم ثقافة وتاريخاً وألق. وفي نهاية المطاف استطاعت ألمانيا النازيّة أن تجعلها جزءًا من حلم طالما راودها، حلم توسعيّ كان يقبع في أحشائها، لتضم بين جناحيها كل بقعة في العالم. لكن عند انهزام جيوش هتلر استطاعت القوات السوفيتية أن تُعيدها سيرتها الأولى وأن تعود مرّة أخرى لتخلد في نعيم تحت سيادة أمها بولندا.

تتألف هذه الحورية من حارات قديمة، كما هي الحال في أغلب المدن الأوروبية، وأيضا حارات حديثة انضمت إلى أعطافها وامتدت حواليها فارشة بساطتها فيها وعليها. ونجد أن المدينة القديمة تسطع بأسوارها القروسطية والتي لا يزال يصمد بعضها هنا وهناك إلى يومنا هذا، ونجد بها كنوزًا أثرية من المباني القديمة الآسرة التي تقف شاهدًا على تاريخها التليد العامر بالفن والجمال والحضارة. من أهم تلك المعالم هي الكاتدرائية القوطية الذي يعود بنائها إلى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وقد بنيت تخليدًا لأحد القساوسة، يدعى ستانيسلوس. ولأهميتها الفائقة فقد كانت مراسم تتويج ملوك بولندا تقام في صحنها وعلى مقربة من القلعة الملكية التي صارت متحفاً في الوقت الحالي، ينطوي على لوحات قيمة وأقمشة قديمة رائعة، ونجد أيضا مبنى الجامعة. مدينة كراكوف حسناء غيداء لابد لكم من زيارتها، وبعد الكورونا تقول لكم زورونا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق