مجتمع

حول سورة الممتحنة (1)

بدر الدين العتاق

تاء التأنيث ؛ أو التاء المربوطة آخر كلمة ” الممتحنة ” لا تعني لزاماً الجنس الأنثوي بحال من الأحوال بل تفيد إن شاء الله الذكوري معا في ذات الوقت ؛ وهي كما قدمنا في سورة النساء والشورى والحج ‭{‬ وتضع كل ذات حمل حملها ‭}‬ ؛ من أنها النفس البشرية وليس المرأة ” الأنثى ” وغيرهم ؛ فإن الخطاب الرباني إذا جاء بصيغة التأنيث فلا تعني لزاماً المرأة وإن كان للمرأة أقرب ؛ ولكن يتعدى اللفظ للرجل أيضاً ؛ لأن الخطاب موجه للناس كافة ؛ والعكس صحيح ؛ إذا كان الصيغة الربانية جاءت بصيغة المذكر فهو لا يعني بالضرورة توجيه الخطاب للذكور فقط دون الإناث ولكن يتعداه للمرأة وإن كان للرجال أقرب منه للنساء كقوله تعالى بسورة المؤمنون: ‭{‬ قد أفلح المؤمنون ‭}‬ ؛ فالصيغة أو النداء ” ظاهر النص ” مقصود به الرجل دون المرأة وهذا ليس دقيقاً بل مقصودان معا ولكنه للرجال أقرب .

تاء التأنيث: لأن المرأة تحمل في جيناتها الوراثية XX وهي الصفة الوراثية „ بينما الرجل يحمل في جناته الوراثية XY وهي الكروموسومات الذكورية والانثوية؛ ما لم يكن هناك تخصيص بعينه لفئة ما دون الأخرى؛ هذا عند الإشارة الربانية موضوع الكلمة.

الامتحان ؛ فرق من الاختبار ؛ فالأول لا يقبل غير الصفة الموجبة بينما الثاني يقبل الصفتان السالبة والموجبة ؛ بمعنى ثاني: الامتحان محصلته النهائية هي النجاح / الصفة الموجبة فقط حتماً / ؛ والاختبار محصلته النهائية فشلاً أو نجاحاً / يقبل الصفتان السالبة والموجبة ؛ بمعنى: يحمل في طياته فرص التجديد للحصول على درجة النجاح في الامتحان حال الفشل – السالب – وفي ذات الوقت يقبل الصفتان النجاح والإخفاق فكأنما الامتحان أعلى مستوى من الاختبار وهذا واضح بجلية / وليس هنا موضع التفصيل ؛ فقط أردت التنبيه والإشارة ؛ وبغض النظر عن سبب نزول السورة فإنها تمثل في واقعنا المعاش اليوم في القرن الواحد والعشرين قفزة استثنائية ممتازة بحسب حكم الوقت وتطوير شريعة الأحوال الشخصية والمتمثلة في القانون المدني للناس كافة مما يتوجب وضعها في الدستور العالمي وميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على النحو التالي:

١ / الحريات العامة والخاصة لحقوق الإنسان؛ وهي حرية التعبير والاعتقاد (زائداً الحريات الأخرى المكفولة بموجب الدساتير والقوانين المنظمة لحياة المجتمع المدني وتقرها المواثيق والأعراف والتقاليد والمعاهدات الدولية)؛ على أن يشترط عند تبني أي حرية ما الالتزام بالمسؤولية تجاهها وتتحمل عاقبة ما يصدر منك حال مخالفتك أو تعديك أو اختراقك لحقوق الغير بصورة من الصور؛ وأن تتحمل تبعات تلك الحريات وفقاً للقانون والمشرع من قول أو عمل.

٢ / عدم الدمج بين معتقد وآخر؛ بغض النظر عن ماهية هذا المعتقد؛ للفصل والحيلولة القانونية لتجنب المسؤولية الكاملة تجاه ما يصدر منك متنافيا مع حقوق الآخرين؛ والمقصود هنا هو فصل السلطات والقوانين المنظمة لحياة المجتمع الذي تنتسب إليه وتحمل قيمه ومعاييره ومن ثم عدم الإفلات من العقاب بحجة أنك بين معتقد وآخر.

٣ / استغلال هذه الحريات الممنوحة لهوى النفس أو لتقويض الدستور لجهة معينة أو حزبية أو جهوية أو طائفية أو دينية أو عرقية أو طبقية أو ما يدخل حاق التعريف لهذا البند؛ بغرض أو بفهم احتكار السلطة والقانون أو الإخلال بالعدالة الاجتماعية الشاملة مما يميل أحد كفي الميزان جورا لجهة دون الأخرى أو لطرف دون الثاني.

٤ / المسؤولية المالية كتعويض أو معاوضة عن تبعات هذا الالتزام وذاك التحول فلا مناص من التهرب المعاوضي حين يتعلق الأمر بالناحية المادية والمعنوية والنفسية؛ وهذا الشرط الجزائي غرضه العقوبة النفسية والمعنوية والمتمثلة في دفع الاستحقاقات المالية؛ فهي مقرونة مع جزاءات تحددها السلطات القائمة.

٥ / عدم الابتزاز أو السخرية أو التقليل من الآخر بحجة الفضل للأقوى لو للأقدر؛ مما يحط من قيمة ومنزلة الكرامة الإنسانية وهي مناط التكليف والأداء؛ وانتفاء سلطة القانون.

٦ / في حالة وجود ثغرة قانونية أو ذريعة تحول دون تحقيق الحرية والالتزام بها مثل التهرب أو التخفي أو التذاكي أو التحذلق؛ فإن على المشرع الجديد الأخذ في الاعتبار بيانها ورد المنافع لأهلها ودرء الضرر عن الآخرين بما يحقق بذلك المساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة وإنفاذ القانون.

سن المشرع السماوي قانونية الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة ووافق بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة ؛ انفرادا وتضامنا ؛ بفضل الله ثم بفضل التطور الإنساني الهائل في كل المستويات الحياتية اصطلحنا عليها بلغة العصر الحديث ب ” الديمقراطية والاشتراكية ” التي تحقق هذا المفهوم ؛ ولم يترك المشرع السماوي حالات الفوضى بين القطيع الآدمي في مواضع الخلاف والاختلاف دون ذكر – تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً – فسماها ( العداوة ) بين القبول والتطبيق للقانون ؛ وبين الرفض والعصيان ؛ وشملت هذه العداوة بين القطيع الآدمي فيما بينهم وبين أنفسهم وما بين أنفسهم والمشرع الإلهي العظيم ؛ وقال عن شكل العداوة الأولى: ” وقد كفروا بما جاءكم من الحق ! يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ” ؛ وقال عن الثانية: ” عدوي وعدوكم ” ؛ ثم شمل الحالة العامة بقوله: ” تسرون إليهم بالمودة ” ؛ وهي التعامل وفقاً للفطرة البشرية السليمة ؛ لكن … أراد هنا التفريق بين كل هذا وذاك لإحقاق الحق كل على شاكلته ؛ لذا ندبهم للفصل بين الحقوق والواجبات والالتزامات الدستورية ؛ كما جاء على ألسنة الأنبياء والمرسلين الإبراهيميين ؛ ” الديانات السماوية الثلاث ” ؛ وجعل أول ما جعل النموذج لشكل العداوة بين إبراهيم وأبيه ؛ لأن القانون – الآيات القرآنية – والحالات الحادثة والحديثة تستمر بوجود تفعيل أو تعطيل تلكم القوانين واللوائح المنظمة الاجتماعية و المنظمة لحياة الناس ؛ فيجب الفصل بين الاعتبارات الشخصية – الحريات الفردية – والالتزامات الدستورية الجماعية الدولية – العدالة الاجتماعية الشاملة – فلا ينفع التخلي والتهرب من المسؤولية بينك وبين نفسك وبين الله ؛ وبينك وبين نفسك والناس تجاه الله ؛ كما لا تجدي نفعاً إلقاء المسؤولية عن عاتقك ليتحملها غيرك وإن كان أقرب الأقربين إليك [ النبي إبراهيم وأبيه ؛ نموذج واقعي / الأخذ بجريرة الغير ] حتى وإن أدى إلى المقاتلة في سبيل تحقيق هذا الهدف .

راعى المشرع أيضاً العدل والمساواة بين القطيع الآدمي وندب إليه وحث على مراعاة حسن الجوار الجغرافي والأسري كمبدأ دستوري مكمل؛ فإن لم يعمل ويحسن العمل بهذا المبدأ انتقلنا سويا لإعلائه وفق ما يتاح لنا من آليات ووسائل وأيدولوجيات – المظاهرة والتأييد سبباً سالبا أو موجبا لأدوات التنفيذ – فليس من تساهل في إقامة دولة الإنسان ودولة القانون الدولي.

شكلية العداوة والبغضاء بين القطيع الآدمي يتمثل في أقلاها درجة: الخلاف الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي والديني لمجتمع ما في موضع ما داخل هذا الكوكب لدرجة أن تصل هذه العداوات للقتال وبث الرعب النفسي واستعراض القوى والآلة الإعلامية وغيرها ؛ وفي ذات السياق يمكن تلافيها تماماً بالأخذ في الاعتبار سبل التعاون المشترك والتفاوض والحلول السلمية وتبادل المنافع والمصالح في أكبر المستويات الحياتية ( الطاقة وتقسيم المياه والثروات الطبيعية والموارد البشرية ) ؛ هنا في تطبيق هذه الحالة العامة والخاصة تتحقق إن شاء الله الموافقة بين المفهومين: الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة ” عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ! والله قدير ! والله غفور رحيم “.

المصداقية والشفافية والنزاهة وإحقاق الحقوق والواجبات والالتزامات الدستورية الجماعية الدولية والفردية ( سماها المشرع السماوي ب ” الإيمان بالله ” وعن انفاذها على أرض الواقع وتطبيقها على حذافيرها سماها: ” الممتحنة ” – بقدر الإمكان وهو مقياس نسبي لكن تحققه بعض الدول الأوروبية كالسويد ودول اسكندنافيا بنسبة كبيرة جداً – والآن ؛ منذ هذه اللحظة تتقدم البشرية نحو كمالاتها المرجوة والمرجوة بفضل الله ثم بفضل التطور الإنساني الهائل في كل المجالات الحياتية المستمرة فهي ذاهبة إن شاء الله لجعله حياة معاشة كريمة ) المتلخصة في الآتي:

١ / الفصل أو قل: عدم الدمج ‭{‬سماها المشرع هنا ب: الإشراك بالله؛ وقد وضحنا كثيراً معنى كلمة: الإشراك بالله؛ فالتراجع في موضعها من الكتاب إن شاء الله‭}‬ بين التخصصات الحقوقية والإنسانية وإعطاء كل ذي حق حقه؛ بمعنى آخر: إقامة دولة الإنسان ودولة القانون الدولي دون المحاباة أو المراعاة لطبقة دون الأخرى أو لطرف دون الثاني فالفيصل في القضايا هي السلطات القضائية المختلفة لا غير.

٢ / المحافظة على حقوق الملكية الخاصة والحق العام المتمثل في المؤسسات الحكومية الرسمية للدولة من غائلة التعدي من الفئتين: الأفراد فيما بينهم وبين أنفسهم؛ والافراد فيما بينهم وبين الجماعة؛ أو قل: الجماعة فيما بينها وبين نفسها؛ والجماعة فيما بينها وبين الأفراد ؛ ويشير بالتأكيد إلى منع الفساد المالي والإداري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي والديني والثقافي ليحفظ كل الحقوق والواجبات والالتزامات الدستورية الجماعية والفردية .

٣ / المحافظة على الأعراض والخصوصيات الإنسانية ؛ في عدم التعدي بسبب أو لآخر على حرمات الآخرين كأن باستلابك أو استلابها الملكية الخاصة والحق الخاص في التمتع بواحد فقط أو واحدة فقط ‭{‬ سماها المشرع السماوي بالزنا أو اللواط ؛ بينما نتعارف عليها اليوم بالمثلية الجنسية ؛ أو العاشق والعشيقة ؛ واصطلح عليها آخرون بالفاحشة وهي شيوع الممارسات الجنسية خارج الأطر المتعارف عليها وتشير بالتأكيد على إعلاء الفضيلة الأخلاقية والإنسانية وكبت الغرائز السالبة السالبة للحرية الفردية ‭}‬ وجعل الرباط الأسري رباطا مقدساً .

٤ / النهي عن سفك الدماء؛ وهو زج الرجل والمرأة – الناس عموماً – في مثالب مهلكة لأتفه الأسباب تحت ذريعة أي اسم وهو ذاته الاستغلال السيء للسلطة وتقويض مبدأ الحريات العامة والخاصة لتحقيق أهداف دنيئة ؛ إذ جعل المشرع السماوي قدسية لدم الإنسان وحرمته مكاناً مميزاً دون سائر الخلق.

٥ / خلق نظريات وأفكار ومفاهيم خاطئة ‭{‬ سماها المشرع السماوي ” بالبهتان ” ويعني بها إن شاء الله الذرائع المهلكة والمهدرة لحياة الإنسان الكريم ‭}‬ بناء على إعادة تجربة إنسانية سالبة أو قراءة واقع معاش أو ماضي وئيد أو مستقبل بعيد لا يتماشى مع الواقع القريب لأرض الناس ويفرض فرضا بقصد أو بدون قصد لغرض معين يتبناه بأنه الحق والحقيقة وهو غير ذلك ” يفترينه بين أيديهن / الواقع القريب لحياة الناس / وأرجلهن / السعي لخلق نظريات وأفكار ومشاريع ومفاهيم خاطئة كما هو اليوم: نظرية المؤامرة / المتسببة في أزمات سياسية لدول كثيرة ” ؛ وكل ذلك يهدف إلى تحقيق مآرب ذاتية للفرد أو للجماعة ؛ وهو ما منعه الله منعا باتاً .

٦ / إقامة علاقات أخوية تراعي حق الجوار الجغرافي والأسري كمبدأ دستوري إنساني مكمل لحياة المجتمع المدني وتقرها المواثيق والأعراف والتقاليد والمعاهدات الدولية ؛ وهي ذاتها المستنبط منها القانون الدولي ‭{‬ سمهاها الله تعالى: ” ولا يعصينك في معروف ” والمعروف هو: ما تعارف عليه الناس والموضوع هو: ما تواضعوا عليه إما عملا به أو تركا له ‭}‬ ؛ لأن الانتقال السريع لعجلة الحياة تتطلب سوقا للمفاهيم السائدة في المجتمع المعني بالأمر ؛ ولا يعني تركها لكن بالضرورة يعني تطويرها إن شاء الله ؛ راجع كلمتنا عن سورة النساء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق