ثقافة وفن

سيمفونية الحزن والوفاء

دراسة عن قصيدة "ودبادي" في رثاء "حميد"

طارق يسن الطاهر

الرثاء أحد فنون الشعر العربي البارزة، ويتسم أكثر من غيره بصدق التجربة، وحرارة التعبير، ودقة التصوير.

قيل لأعرابي: ما بال مراثيكم أفضل شعركم؟ قال: لأننا نقول وأكبادنا تتقطع.

للرثاء ثلاثة أنواع: الندب والتأبين والتعزية

الندب: بكاء النفس ساعة الاحتضار وبكاء الأهل والأقارب، والأحباء وإخوة الفكر والاتجاه والمشرب، بل يمتد إِلى رثاء العشيرة والوطن والدولة.

أما التأبين، فليس نواحًا ولا نشيجًا كالندب، بل هو تعداد الخصال وإِزجاء الثناء وإِنه تنويه وإِشادة بشخصية لامعة، أو عزيز ذي منزلة في مجتمعه، ويكون تعبيرا عن حزن الجماعة على الفقيد أكثر منه تعبيرًا فرديًا عن ذلك.

والعزاء هو في مرتبة عقلية فوق مرتبة التأبين. إِذ هو وصول إِلى ما وراء ظاهرة الموت وانتقال الراحل، وتأمل فكري في حقيقة الحياة والموت، ينطلق إِلى آفاق فلسفية عميقة في معاني الوجود والعدم والخلود.

وتتجلى تلك الخصائص واضحة عندما يكون المرثي هو شاعر، فقدَه المجتمع بكل ما تحمل رسالة الشاعر من أهمية، وتكون أكثر ظهورا وجلاء عندما يكون الشاعر المتوفى من طراز حميد، شاعر كان لسان قومه، وصوت من لا صوت له، تناول قضايا الفقراء والكادحين والعمال وتصدى لظلم الحكام.

لسودانيون –كما قال الطيب صالح-” يُحسنون الموت ولا يحسنون الحياة”، فلا عجب أن وجدت شعر رثائهم أكثر اتقادا.

أتناول في هذه الدراسة النقدية التحليلية قصيدة الشاعر الدكتور محمد بادي في رثاء الشاعر محمد الحسن سالم حميد.  وسيكون جليا أنّ كل أنواع الرثاء الثلاثة –سابقة الذكر- اجتمعت في تلك القصيدة.

عندما يرثي شاعرٌ شاعرا، وصديقٌ صديقه تتجلى أبهى مشاعر الصدق والروعة والإخلاص، وتبرز عاطفة الحزن ويظهر خلق الوفاء، وتجد الدهشة تسيطر عليك؛ إذ تستلب القصيدة المتلقي في كل مراحلها.

رغم غلبة الشعر الفكاهي والساخر على شعر ودبادي، لكنه أبدع أيما إبداع في شعر الرثاء الذي تجلى ظاهرا في رثائه للشاعر إسماعيل حسن، وفي هذه القصيدة موضع الدراسة في رثاء الشاعر حميد.

ُتفاجِئنا القصيدة المرثية الرائعة ببدايتها غير المعتادة؛ إذ يذكر في مقدمتها أن حميدا كأنه اختار وقت موته؛ لأنه وجد صعوبة في قبول الباطل بعدما تغيرت المفاهيم، وضاعت الحقوق التي كان يدافع عنها، وبعدما فشا الباطل، وانتشر الظلم:

بعد نشفت عروق النيل

وجفت وردة الأحلام

بعد مات الأمل مخنوق

وضاع واتنكّست أعلام

بعد غابت شموس الحق

وخيّم فوق دروبنا ضلام

بعد أصبح كلامنا الفيها

أي كـــــــــــــــــــــــــلام

نفض إيدك بقيت مارق

عرفت الحال صبح مايل

نقطة الاختيار هنا هي: ” نفض إيدك بقيت مارق “، ويقول ود بادي في توصيف الموت مخاطبا حميد:

ترى اتفكفكت من وحل البدن والطين

لأنه شاعر يسمو بروحه إلى فضاءات عليا، ولا يرضى أن يكون سجين البدن، ولا أريد هنا أن أخوض في جدلية البدن والروح، ولكن أود التأكيد على أن حميدا حمل وطنه، وأرضه، ومحبيه، وحلق بهم عاليا، ويبدو ذلك في كلمات توحي بالارتحال انتظمت النص منها:

الساري – السماء –الصحراء-النيل –سايق الخطوة –لا قدام –تسافر-المركب …

ثمة جملة محورية تكررت بعد نهاية كل مشهد وصفي، يذيِّل بها كل مقطع شعري، ويغيّر الشاعر فيها كلمة واحدة بما يتلاءم مع المشهد وُيبقي على البقية:

سلام يا حامل الأختام

عجيب يا حامل الأختام

حرام يا حامل الأختام

مات حميد ولم يقل كل ما لديه، مات حميد ولم يمت الكلام، مات حميد، وكان محبوه ينتظرون منه أن يرووا ظمأهم من قوله:

لسع ما شبعنا كلام

وكذلك:

ولسع لينا عندك فيها

باقي قصيد وباقي نشيد

وباقي سلام وباقي كلام

قرر المغادرة لأنه يملك نفسا أبية، لم يستطع التكيف مع “الحال المايل”:

أبيت ما تخوض مع الخايضين

وأبيت ما تبيع كذا البايعين

وأبيت ما ترهن الأقلام

مات حميد، وكان تأثير صدى موته لدى محبيه ومبغضيه مختلفا، في توصيف بديع ذكره ود بادي، فكان الفريق الأول:

أولاد الشمش ألا بن عم لا خال

ملح الأرض والعدام رهاف الحال

والمتعففين بالمافي داخرين العفاف راس مال

أما الفريق الثاني:

الناس الضياهم رااااااح

والناس الضميرم غاب

البايعين غلاوة النيل

والخاربين بلدنا خراب

حمل حميد هموم الفريق الأول: “أولاد الشمش” الذين لا ينتسبون لحميد بنسب ولا قرابة، وإنما فقط آمن بقضيتهم، يعانون من الفقر والجوع والمرض والتشرد، فيسأله ود بادي متعجبا: لمن تتركهم في ظل تلك المعاناة التي تحيط بهم؟!، وأنت أدرى بها!!:

يا حميد تسيبم كيف؟

وعارف قسوة الأيام

ويا حميد تسيبم كيف؟

وعارف شهوة الظلام

ويا حميد تسيبم كيف؟

وعارف لعنة الحكام

فرح الفريق الثاني لوفاة حميد، رغم أنهم أظهروا الحزن كذبا ورياء ونفاقا، لكن دواخلهم كانت سعيدة، وبدا هذا في الصورة المتناقضة لهم التي رسمها ود بادي:

ديل باكين مع البكاي

وفرحانين ورا الأبواب

ماذا يمتلك الشاعر غير صوت وقلم؟ لا شيء، هنا فرح الفريق الثاني:

وقالوا ارتحنا من صوتك

لكن يقرر لهم ود بادي استحالة استكمال فرحتهم:

لكن رجاهم خاب

لأن صوت حميد موجود أنى اتجهوا، فحيثما توجهت تجد تأثيره كامنا، تجده في البلد، ووتر الغنا، وفي القلوب، وفي النباتات، وفي السواقي وحكاوي الناس، والسكة الحديد، وزيت المكن، وفي حلوق الغلابة  و….

ثم يذكر تأثير صوته وأهميته:

صوتك كان لقيمة وزاد

وكُت للجايع الممكون

صوتك لمة التربال وفي

صوت المتر مدفون

يبلل في صحاري الصيف

لهات الجالب العطرون

والكايس الهوا البارد

تحت الزنكي والجملون

صوتك في البريد غناي

يدوزن في غناوي الكون

أما قلم الشاعر، وهو الذي استخدمه لنصرة المظلوم، والتعبير عن أشواق الغلابة، فتبدو رمزيته هنا جلية:

سَنين قلمك بديقات ابنعوف

الكاسر الكِشّيف

يستخدم قلمه في ردع الظالم:

وانت مخوي نص الليل مباري القيف

حارس النيل وتطعن في

تماسيح الزمن والزيف

ثم تعرج القصيدة لتتناول ثنائي خالد في العقل الجمعي للسودانيين، جمعهما الهم المشترك، وحب الغلابة، والدفاع عن الفقراء، وعشق الوطن، ثنائي لو لم يقدم للمتلقي السوداني سوى “عم عبد الرحيم” – سيمفونية الفقر والحب والعذاب – لكفى:

زمانك ومصطفى الألحان

زمن كانت بحورنا تساب

تغزل من قطننا حروف

وينسج للبلد جلباب

مواويلكم لهيب النار

وليهن في الشموس انساب

نيازك في الفضا طاشات

بين نوري العليها النور

وبين الشعلة ود سلفاب

نيازك في حشاها سموم

تجيك بي فوق تحوم وتحوم

تفج الليل وترجم في شياطين

الكراسي الشوم

تتاوق لي بويتات الغبش بالنور

وتحرق لي بيوت اللعنة في الخرطوم

شواظ من نار على الظُّلّام

وبردا للضعيف وسلام

فكانت إبداعاتهما بردا وسلامة للضعيف وجلبابا للوطن، ونيازك وشواظ على الظَلَمة.

كان حميد زاهدا ورعا تقيا نقيا، وصفه ود بادي في هذا النص:

كنت عفيف وكنت شفيف

وكذلك:

كنت سجين وكنت حزين

رأى ود بادي – وهذه حقيقة- أن حميدا ترك قصائد لها تأثيرها الممتد، بما تحمله من طاقة إيجابية في نفوس الناس، وبما تكتنزه من مشاعر الصدق والوفاء لهذا الشعب:

غنيواتك بنات الريف

دعاش النسمة في الوبان

رغيف القمحة والعيش ريف

غنيواتك جناح ورهيف

وللبايتين قوى كسرة وملاح ورغيف

كان حميد عنيدا لا يقبل الباطل ولا يرضى الظلم، حمل هم الدفاع عن الوطن والفلاح والعامل والفقير والمسكين والضعيف، ولاقى من جراء ذلك ما لاقى من صنوف الظلم، كان مدافعا عن قضية الوطن والمواطن، عاش مقاوما مصادما، يجيد السباحة ضد التيار – دون كلل وبلا ملل-طالما أنها في مصلحة الوطن:

معاكس الموج وضارباك الرياح الهوج

والمركب تلوج وتلوج وتدفر فيها لا قدام

لا كلّيت ولا ملّيت ولا اتمدّيت ولا انجمّيت

وتدفر فيها لا قدام ولا قدام

فكانت النهاية المفجعة:

وتدفر فيها لا من شالك الهدام

فقد مات حميد – رحمه الله – في حادث سير في الطريق من نوري إلى الخرطوم.

لم تخلُ مرثية ود بادي من تأثيرات النزعة الصوفية، فأفرد لها مقطعا جميلا، جعل من حميد شيخ طريقة، يقود أتباعه ومريديه، ويتأثرون به:

مجاذيب الحروف أشواق

وغرقانين  يلاهوبك

مسيدك في البعيد ضواي

مصوبر فيهو لالوبك

وانت تنادي بالحضرات

تغرف وتسقي من كوبك

إذ زخر المقطع بعدد من الكلمات الحصرية لدى الصوفية: “مجاذيب، لالوب، كوب، حضرة، مسيد، غرقانين …”

وهم يسترشدون به، وهو القائد الرحيم:

تقطّعُن البحور بشويش

وماسكين في طريف توبك

في هذه المرثية يبدو التناص واضحا بين ودبادي والحطيئة فيما يلي  :

يقول ودبادي:

والطاوين على فد لقمة

كمت أيـــــــــــــــــام

ويقول الحطيئة:

وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل

ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما

وأرى أن ود بادي تفوق على الحطيئة؛ لأن الحطيئة حصر مدة الجوع هنا في ثلاثة أيام „وطاوي ثلاث” ، بينما هي عند ود بادي ممتدة وغير محددة “كمت أيام”.

وصورة ودبادي أدْعَى للتعاطف والاستغراب؛ لأن الطوى والجوع وسط العشيرة أمر عجب، ولكن لدى الحطيئة ففي بيداء، وهذا شيء طبيعي.

يتناص ود بادي مع نفسه في قصيدتين: في رثاء إسماعيل حسن وفي رثاء حميد، حيث قال في رثاء إسماعيل حسن  :

ارمي الدمعة فوق الدمعتين يا عين

بعد الليلة حابساها الدموع لي مين

عجيب يا هودج الأحزان

مواسم الهجرة ما حانت، ولا زمن الرحيل قد حان

والتناص بين النصين موجود بين: عجيب يا حامل الأختام “في رثاء حميد” و “عجيب يا هودج الاحزان “في رثاء إسماعيل حسن”

كذلك في “مواسم الهجرة ما حانت “في رثاء إسماعيل حسن”، „وتسافر في جناح الشوق ولسع ما شبعنا كلام “في رثاء حميد” 

وغيرها كثير جدا بين المرثيتين.

يمتد التناص بين جميع من رثوا حميد ” القدال، ودبادي، أزهري …” حيث اتفقوا جميعهم على سرعة الرحيل، واتفقوا على أن هناك كلاما كثيرا في جعبة حميد لم يُقل بعد، وهناك كثير من الحزن الذي خلفه رحيله .

يقول القدال في مطلع مرثيته:

يا حميد أقيف شوف الخلوق محنانة

هو المعنى نفسه الذي ذكره ود بادي هنا:

تسافر فوق جناح الشوق

ولسع ما شبعنا كلام

كذلك:

غافلت البلد جملة

وللطبيعة ومفرداتها وجود كبير في هذه القصيدة؛ ولا عجب فحميد ابن الطبيعة، ابن نوري، ابن نهر النيل، فلابد أن تجد كلمات مثل:

الصحراء –النيل- نسايم- التمساح –الريف – السما، دعاش، أنسام، الَمَتر – الربيع – أزاهر …

كلمات القصيدة موحية، وتراكيبها بها ظلال، وموغلة في تعدد التفسيرات، وتباين الشروحات، رغم سهولتها، ونجح ود بادي ببراعة في توظيف كلمة “ديالكتيك” رغم عجمتها، وصعوبتها – بشكل سلس لا تحس أنها نشاز أبدا، فكانت ملائمة؛ لانتظامها في سياق الحديث عن بنات الجامعة.

  وتبرز إيحاءات الكلمات وظلالها في المقطع الذي تحدث فيه عن حميد ومصطفى؛ حيث شبه أعمالهما الفنية بالنيازك واللهيب؛ لذا كان لابد من وجود كلمات تلائم ذلك، مثل: تشلع- بروق- تضوي –تحرق-شموس –شعلة-النور –ترجم …

تزخر القصيدة بالصور الشعرية بنوعيها: القصيرة والممتدة، كما تكتنز في ثناياها كثيرا من الجوانب البديعية.

من الصور الشعرية القصيرة:

تتاوق لي بويتات الغبش بالنور

وتحرق لي بيوت اللعنة في الخرطوم

هي قصائد حميد نفسها، لكن تأثيرها يختلف على كل فريق من الفريقين اللذَين ذكرتهما سابقا؛ إذ تنير هنا وتحرق هناك!!!

الاستعارة في: جناح الشوق –حارس مشرع الأوطان –تطفي مصابيح الشعر -ما شبعنا كلام –نغزل من قطننا حروف…

التشبيه في: مواويلكم لهيب النار، نيازك، شواظ

سنين قلمك بديقات أبنعوف؛ إذ شبه قلمه في حدته بالبديقات وهو ذلك الخشب المسنون الحاد

الكناية في: أولاد الشمش –تماسيح الزمن والزيف –خليت المدينة حطام

ومن أجمل الصور الممتدة، وأبرزها ذلك المقطع الذي يتحدث فيه عن قصائد حميد؛ إذ شبه “غنيواته ” بأنها: بنات الريف ودعاش النسمة ورغيف القمحة وجناح ورهيف … المشبه واحد مع تعدد المشبه به.

كذلك المقطع الذي وصف فيه تأثير الأعمال التي كانت نتيجة للتعاون بين حميد ومصطفى.

ومن جوانب البديع:

الجناس في: لا كليت ولا مليت –سلام وكلام-…

والطباق في: باكين وفرحانين / وضياهم وظلام

ومن جوانب البلاغة التي وظفها ودبادي بشكل رائع هو القصر المتمثل في تقديم ما حقه التأخير بغرض الاختصاص والاهتمام به، وذلك في:

سنين قلمك / وتسيبم كيف

يعد المكان بطلا من أبطال هذه المرثية، فقد تجلت عبقريته في غير موضع: نوري” موطن حميد” –ود سلفاب” موطن مصطفى سيد أحمد” – التمتام –اليمن -الشام …

هكذا طفت في جوانب هذه القصيدة الغنية، ولا أقول غصت، فما زلت في شاطئها واقفا حيران، ففيها من الكلام الكثير الذي يمكن أن يقال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق