مجتمع

الجن والشياطين والعفاريت والمردة

عبد الحميد اليوسفي (كاتب مغربي)

بدايةً، دفعني إلى الخوض في هذا الموضوع الحافل بالأعاجيب مقال أوردته إلكترونية هسبريس في إحدى إطلالاتها اليومية لأحد خبراء التحليل النفسي الاجتماعي بعنوان: “هذه حقيقة إطلاق سراح الجن والعفاريت في ليلة القدر”، تناول فيه ظاهرة انشغال المجتمع العربي بهذا الموضوع بنوع من السخرية، التي أرى أنها لها ما يبررها بالفعل، لولا أنه أبدى في تطرقه لهذا الأمر قراءة للقرآن الكريم لا أجد ما أصفها به سوى أنها منقوصة من جُلّ أطرافها، حتى لا أقول إنها قائمة برُمّتها على مفاهيم مغلوطة، أو إنها تنظر للموضوع نظرة أحادية تكاد تدّعي امتلاك ناصية الفهم الصائب والسليم، دون أغلب فئات المجتمع العربي/المسلم، بخصوص ما ورد في كتاب الله الحكيم من معلومات ومعطيات أصفها شخصيًا بكونها “حقيقية خالصة ومفصلة” عن الكائنات المشار إليها في العنوان أعلاه، كما سيرد بيانه.

وحتى لا أُغرِق كثيرًا في التعقيب على العبارات الساخرة لصاحب المقال، لأن تدخُّلي هذا ليس للردّ والنقد، وإنما لتقديم معلومات غابت عن هذا الباحث، وربما غابت عن أذهان السواد الأعظم من المتطرقين لهذا الموضوع بما في ذلك من يدّعون التضلّع في فنونه، فسوف أكتفي بتقديم معطيات موازية وبديلة محاولا أن أجد لها مستندًا في الذكر الحكيم ما أمكنني ذلك.

لا مجال للشك في الوجود الفعلي لـ”الجن”، كما يدل على ذلك كتاب الله العزيز الحكيم وكما وردت الإشارة إليه في كمٍّ غير يسير من آياته البينات، باعتبار هذا الاسم جامعًا لكل فصائل ذلك الكائن الخفيّ، الذي يراه صاحبنا أسطوريًا أو وليدًا للمخيال الشعبي الجماعي. 

ويبقى علينا بعد هذا التأكيد الجازم، والذي لا يحتاج إلى كثير إطناب، أن نميز بين تلك الفصائل كما ورد ذلك في آيات الذكر الحكيم وليس اعتمادًا على أي مصدر آخر، ما دام الأمر يتعلق بشأن يعتبر القرآن المصدر الثابت الوحيد في كل ما يتصل به من المعلومات والأسرار، مع التذكير بطبيعة الحال بأن هناك أحاديثَ شريفةً لم تخرج بدورها عن الهَدْيِ القرآني ولو طرفة عين.

-1 نبدأ إذن بآيتيْن ورد فيهما ذكر الجن كنوع جامع:

– وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿100 الأنعام﴾؛

– وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴿128 الأنعام﴾.

-2 من الآيات التي ورد فيها ذكر أصناف مختلفة من الجن:

– فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴿50 الكهف﴾؛

– قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ… ﴿39 النمل﴾؛

– وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ﴿7 الصافات﴾؛

-3 من الآيات التي تتطرق لإمكان قيام علاقة مَصالح بين الثقليْن:

– وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴿128 الأنعام﴾.

-4 من الآيات التي تتطرق لتخصُّص العفاريت في طي المسافات:

– قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ﴿39 النمل﴾.

-5 من الآيات التي تدل على أن للجن أمما كالإنس:

– وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴿25 فصلت﴾.

-6 من الآيات الدالة على إمكانية تحصيل  الثقليْن لسلطان العلم وممكناته:

– يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

فَانْفُذُوا لا تنفذون إلا بسلطان ﴿33 الرحمن﴾.

وهناك آيات أخرى ميّزت بين خدّام سليمان من الجن، الذين تفننوا في البناء والذين أتقنوا فنون الغوص في المحيطات، وكذا المتخصصين في تعليم الناس السحر وما أنزِل على المَلَكيْن ببابل هاروت وماروت كما يقص القرآن الكريم ذلك… الخ. 

نعود الآن إلى دلالات الآيات أعلاه أولاً بأوّل:

-1 الآيتان في الاستشهاد 1 تشيران إلى “الجن” كنوع جامع لمختلف فصائل هذا الكائن دون استثناء، وهذا يماثل تسمية “الإنس” أو “البشر” دون تمييز بين الألوان والأجناس والأعراق.

-2 الآيات الثلاث في المجموعة 2 تميّز أولاها إبليس كنوع منفرد انبثقت منه الأنواع الأخرى ومنها الشياطين على الخصوص، لأنه بعد مقام “الأبلسة” سيتحول على إثر الهبوط إلى الأرض إلى مقام “الشيطنة” بما يلائم دوره الأرضي الجديد؛ وتميز الآية الثانية فصيلة العفاريت، وهذه تمتاز بسرعة الحركة والتنقّل وطي المسافات؛ والآية الثالثة تميّز فصيلة الشياطين المردة، المتخصصين في التسلق عبر أسباب السماوات (المعارج) لمحاولة استراق السمع إلى ما يدور فيها من الأمور الربانية، ويؤكد القرآن استحالة ذلك لأن شواظ الشهب النارية والنحاسية يمنعهم من تحقيق تلك الغاية.

-3 الآية الواردة في الاستشهاد 3 تشير إلى إمكانية استكثار الجن والإنس ببعضهم البعض، بمعنى استعانة كل منهم بالآخر في تحقيق أوطار دنيوية زائلة، كالجاه والثروة والنفوذ وقضاء مختلف الحاجات.

-4 الآٍية في الاستشهاد 4 تؤكد تخصص العفاريت في طي المسافات بأقصى سرعة كما سبق القول.

-5 الآية في الاستشهاد 5 تدل على أن الجن منهم أمم كما لدى الإنس تمامًا دون أن يرد أي تمييز بينهما في هذه الخاصية.

-6 ثم إن الآية الواردة في الاستشهاد 6 تدل على أن الثقلين معًا في وسعهما تحصيل العلوم والمعارف التي قد تُكسبهما سلطانًا يمكّنهما من النفاذ إلى أقطار السماوات والأرض. 

وهنا يتعين علينا الانتباه إلى كلمة “النفاذ” بالذات  (“فانفذوا”، لا “تنفذون” إلا بسلطان) لأنها لا تعني بالضرورة السفر عبر المسافات كما نتعارف عليه فيزيقيا، بل تدل على “المروق” من مكان إلى آخر من خلال ثقب يمكن تحصيل علم عنه يسمى “علمًا من الكتاب”، وهو العلم الذي مكّن العبد الذي عنده بعضًا منه من أن يأتي لسليمان بعرش ملكة سبأ من أرض الحبشة إلى بيت المقدس قبل أن يرتد إليه طرفه، أي بسرعة تفوق ما لدى عفريت الجن الذي كان حاضرًا نفس المجلس، والذي اقترح أن يأتي به قبل أن يقوم سليمان من مقامه.

وبالمناسبة أيضًا، فقد اكتشف جهابذة العلم الحديث، وعلماء الفيزياء الطاقية والفضائية على الخصوص، آلية أو ثقب أو بالوعة “الحيّز الوقتي”L’espace-temps”، التي أيقنوا في الزمن الراهن أنها تُفسح إمكانية قطع مسافات مُهْولة بين نقطتيْن في أقل من لمح البصر، مما يدفع إلى القول إن هذا ربما يدخل في خانة “علم الكتاب” السالف ذكره.

ها هو موضوعنا إذنْ لم يعد مقتصرًا على العلاقة بين الإنس والجن فحسب، بل صار ذا صلة بالمجالات الأرضية التي تصل بينها “الفجاج”، والعوالم السماوية التي تصل بينها “المعارج”، في تلاؤم تام مع قول الله عز وجل في الآية 12 من سورة الطلاق: «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن* يتدبر الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير* وأن الله أحاط بكل شيء علما»، مما يدل على وجود سبع عوالم متوازية يحتجب كل منها عن غيره، بدليل أن الأمر الإلهي يتدبّر بينهن في خفاء خارج وعي الإنس والجان وإدراكهما وإرادتهما. وهذا يدل فعلا على أن الله على كل شيء قدير وأنه أحاط كلَّ شيء بعلمه الواسع، ولو كان الأمر يتعلق بأراض ظاهرة ومتباعدة من حيث المسافات، وليست متداخلة وفي أبعاد مختلفة بنفس الحيز الزماني والمكاني، لكان إدراك ذلك بالحواس ممكنا وهيّنا، ولما ورد فيه وصف التعظيم الذي يربطه بالقدرة والعلم الإلهييْن.

نعم، لقد سار بنا هذا النقاش إلى مجال ذي علاقة بما يسميه العلم الحديث بـ”العوالم المتوازية”، أي الموجودة في نفس الحيز ولكن في أبعاد مختلفة تحتجب فيما بين بعضها البعض (أنظر كتاب “العوالم الموازية” للدكتور محمد عزيز الوكيلي) وهذا ما توصلت إليه أبحاث العالم الفيزيائي الظاهرة “ستيفان هاوكينغ” وأورده في كتابه “قصة الزمن بإيجاز” Une brêve histoire du temps  الذي أكد فيه إثبات وجود عشرة أبعاد بالتمام والكمال، أربعة منها يحتكم إليها عالمنا الأول، الفيزيقي الكثيف، وهي الطول والعرض والارتفاع (أو العمق) والزمن، والأبعاد الستة الباقية لتمام العشرة يحتكم إليها على التوالي كل من العالم الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ثم السابع، وبذلك أدرك هذا العالم أن خلق سبع سماوات لكل منها أرضها وفضاؤها وبُعدها المتميز حقيقة لا مِراء فيها، ولو من الناحية العلمية النظرية، في انتظار اكتشاف وسائل ضبط إحداثياتها والتنقل بينها.

لقد انحرفنا ها هنا إلى هذا الموضوع الجانبي ليس اعتباطًاً، وإنما لنَخْلُص منه إلى القول إن الجن يوجدون فعلا كأمم أمثالنا، وإنهم – ربما – يمارسون أشكال وجودهم في إحدى العوالم السبعة المذكورة، ولكنهم يحكمهم بُعد مختلف يجعل ذبذبات مكوناتهم ومكونات عالمهم الفيزيقية أكثر سرعة وبالتالي أشدّ لطفاً واحتجاباً عن حواسنا المعلومة.

خلاصته، إن الكلام عن الجن لم يكن أبدًا وليد المخيال الشعبي كما أشار ذلك الباحث، ولا نتاج خرافات وأوهام الزمن الضائع كما قال، وإنما هو كلام في غاية الموضوعية والعلمية، لولا ما يكتنفه هنا وهناك من ممارسات شعبية جاهلة ومتهورة كتلك التي تطرق إليها في مقاله، والتي من الطبيعي والعادي أن تصدر عن فئات مجتمعية ليس لها من العلم – وبالكاد – إلا القشور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق