ثقافة وفن

اليهود بين أرضي النوبة وأورشليم (2)

بدر الدين العتاق

  يتضح من تلك المقدمة أنَّ جملة الأحداث دارت ما بين بلاد مصر والشام والنوبة في سنة 1706 ق. م- 1491 ق. م.، وعليه لا يعني بحال من الأحوال أنَّ سكان الإقليم الشمالي لبلاد السودان من أصل يهودي من ناحية الجنس أو الجذور وإن كان أن حدث تزاوج ومصاهرة ومعايشة مع سكان تلك البلاد من النوبيين إلاِّ أنهم اليوم فليسوا من ناحية الانتماء والهوية والجذور التأريخية لمن أراد أن يأصل للمجتمع اليهودي آنذاك.

وجاء كليم الله موسي:

ولد موسى في مصر منتسبًا إلى بني إسرائيل في الجيل الرابع بعد الهجرة إلى مصر زمن النبي يوسف طبقًا لسلاسل أنساب التوراة؛ والتي تحدد بأن لاوي ابن يعقوب والذي يمثل الجيل الأول من الهجرة، له ابن هو قهات، الذي ولد عمرام (وفي القرآن: عمران (الذي يمثل الجيل الثالث من الهجرة، والذي تزوّج بنسيبته يوكابد من بنات لاوي أيضًا، وأنجبت منه موسى ثالث أولادها وأصغرهم، والفرق بالسن بين موسى وهارون ثلاث سنوات. تمت ولادة موسى، حسب القصة التوراتية في ظروف صعبة، فبعد أربعة أجيال من هجرة آل يعقوب إلى مصر جاء ليخلص بني إسرائيل وشعب بني كنعان من قبضة استعباد وإذلال الفرعون، قال تعالي في سورة الشعراء آية 17، ‭{‬فأتيا فرعون، فقولا: إنَّا رسول رب العالمين * أنْ: أرسل معنا بني إسرائيل‭}‬، وبقية القصة معروفة إلي آخرها، لكن الشيء الذي تفرقت حوله الدراسات أيدي سبأ هو: أمر إغراق فرعون وموضعه، وهو بكل حال لم يكن في أرض السودان كما سيأتي.

معني كلمة: البحر، اليَّم، النهر:

قسَّم الكاتب / محمود عثمان رزق، بحثه لأربع محاور، ولا أتتبعها قتلاً في التدقيق فقد خرج خروجاً ظاهراً من العمق التاريخي واللغوي وأراه متعصباً فيما ذهب إليه، وهو الذي ذهب به أكثر الباحثين، قال: ‭{‬كلمة البحر، لقد ظنَّ كثير من الناس أنَّ فرعون قد غرق في البحر الأحمر لأنَّ الله تعالي ذكر ذلك في ستة مواضع، نذكر منها: (وإذ فرقنا بكم البحر، فأنجيناكم، وأغرقنا آل فرعون، وأنتم: تنظرون) البقرة آية 50،‭}‬.

ذكر أهل اللغة في القاموس المحيط أنَّ: كلمة بحر، أو اليَّم أو النَّهر هو: متسع من الأرض أصغر من المحيط، مغمور بالماء الملح أو العذب، وذهب بعضهم والكاتب منهم ليقوي حجته وأنَّ المعاني فيها واحدة، فأوردها المحور الثاني: كلمة اليَّم، وهي سريانية عرَّبتها العرب، وهذا صحيح من جهة وخطأ من جهة أخري، فالصواب هنا: أنَّ أصلها غير عربي، والخطأ: في إشارته لورودها في القرآن الكريم باعتبارها غير عربية، وأعلم أخي القارئ العزيز: أنَّ كل ما جاء في القرآن الكريم هو لفظٌ عربيٌ قُحٌ لا عوجٌ فيه ولا أمْتا وكل ما لاكته العرب علي أنه عربي وإن جاء من غيرهم صار عربياً لما تشرَّفت به العربية لنزوله في القرآن، قال تعالي في سورة النحل آية 103: ‭{‬ لسان الذي يلحدون إليه: أعجميٌ، وهذا: لسانٌ عربيٌ مبين ‭}‬ وقال في سورة الزخرف آية 3: ‭{‬ إنَّا: جعلناه. . قرآناً، عربياً، لعلكم: تعقلون‭}‬ فتنتفي إشارته قبل أن تبدأ، ويشتم هنا من طرفٍ خبيثٍ أو إن شئت من طرفٍ خفيٍ الطعن في ألفاظ القرآن وأصوله العربية، فتعــالي الله عن ذلك علواً كبيراً.

هذا! وقد أرجعها بعضهم إلي أنها نوبية الأصل وأنها أقدم من العبرية، واستخدمتها بني إسرائيل وعُرِف اليَّم بنوبيته، ثم استدلوا بقول الإمام / مقاتل بن سليمان (توفي سنة: 150 هـ )بتفسيره إنَّ اليم بلسان العبرانية يعني به: البحر وهو نهر بمصر، – لنفس الكاتب – لاحظ الخطأ الذي وقعوا فيه لاستدراج عقل القارئ ليقتنع بحجتهم وأنَّ مجريات الأحداث بدأت بالسودان الشمالي ثم انتهت بمصر، ويقصد بـ (نهر بمصر )أي نهر النيل، قلت: مقاتل بن سليمان أصله من بلخ بالعراق وانتقل إلي البصرة ودخل بغداد وحدَّث بها – أي كان متكلماً بها وخطيباً فيها – قيل: وكان ضعيفاً وانصرف الناس عنه، وتوفي بالبصرة سنة 767 م، يعني: لا يمكن الاستدلال به ولا الاحتجاج أيضا ًمن أي جانب كان وآية ذلك: (انصراف الناس عنه لأنه ضعيف )، وزادوا: (ووافقه بن الجوزية )ومعلوم أنَّ بن الجوزية واسمه / شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، ليس من أصحاب اللغة وإنما من أصحاب الخطابة وطبقات المحدثين، عاش في دمشق ومولود في حوران بالأردن سنة: 1292م وتوفي سنة: 1350 م، فذهب الكاتب ومن معه ليغطوا وجوههم بأصابعهم فلم يفلحوا.

قلت وبه الثقة وعليه التكلان: إنَّ أقدم لغة هي العبرية، من حيث هي لغة لها مدلولاتها التعريفية ذات الحرف والصوت والإشارة، والعربية كما قال البروفيسور / عبد الله الطيب، العالِم اللغوي وعميد الأدب العربي (1921 م – 2003 م )أخت للعبرية، واللغة هنا أعني بها بروزها لمسرح الحياة من الطفرات البدائية التي عاصرت الهيلوغروفية والرسم علي الجُدُر والنقش علي الصخر والنحت علي الحجر والتصوير علي ذات الدُسُر، وانتقالها من حيز الإشارة والإماءة والهمز إلي حيز الصوت والنطق بها فكانت العبرية كلغة يمكن الاصطلاح عليها أنها عالمية أو واضحة المعالم وإلاَّ فإنَّ هناك لغات كثيرة أسبق من العبرية بزمان سحيق لم تدخل التأريخ البشري من ناحية التعبير الكلامي المباشر واندست شأنها شأن غيرها من الأمم التي كانت تتكلم بها، وهذا حديث طويل ليس موضعه هنا من التفصيل وإنما أردت توضيح معني كلمة اليَّم في اللغة.

ويشير العلاَّمة / عبد الله الطيب حين قال: (والعربية أخت العبرية) لأنَّ سيدنا إسماعيل بن إبراهيم، أوًّل من تكلم العربية ونطق بها وهو أخ لإسحاق بن إبراهيم عليهم السلام جميعهم.

ويتضح من هذا السرد أنَّ الكُتَّاب في هذا الباب حجتهم مدحوضة واجتهادهم محل تقدير وإن بعُد عن النسق العلمي الذي نادوا به.

أين غرق فرعون ؟؟:

باختصار: في رأس محمد بخليج العقبة عند مفترق لسان البحر الأحمر في رحلة بني إسرائيل نحو أورشليم القدس حسب رواية التوراة: عبر الدلتا ثم نحو الجنوب، خرج نحو 600,000 عبري حسب أرقام التوراة للبرية، يقود سيرهم ملاك من الله في شكل عمود من سحاب، [وخرج فرعون وجيشه في إثرهم، مما أثار خوف وهلع الشعب السائر في البرية، خصوصًا بعدما وجدوا البحر من أمامهم وجيش فرعون من خلفهم. غير أن الله أمر موسى بأن يضرب البحر بعصاه: ” ومدّ موسى يده على البحر، فأجرى الربّ البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة، وانشقّ الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر، على اليابسة والماء سور لهم، عن يمينهم وعن يسارهم. وتبعهم المصريون ودخلوا ورائهم، جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر، …، فقال الرب لموسى مد يدك إلى البحر ليرجع الماء على المصريين على مركباتهم وفرسانهم، فمدّ موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة، ..، فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل ورائهم في البحر،. ..، ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين، فخاف الشعب الرّب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى”.

يلاحظ هنا: أنَّ مفترق لسان البحر الأحمر يحمل الثلاثة معاني لكلمة البحر واليَّم والنَّهر من حيث اللغة، ومن حيث التسلسل الزمني وتتابع الأحداث تختلف الأمكنة كما أشار القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالي في سورة البقرة آية 50: ‭{‬ وإذ فرقنا بكم البحر، فأنجيناكم، (تفيد تراخي الزمن )وأغرقنا آل فرعون، (تفيد تتابع الأحداث )وأنتم تنظرون ‭}‬ نشير لرواية التوراة: (…، فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل ورائهم في البحر،. ..، ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين، فخاف الشعب الرّب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى” ). وهنا البحر كبحر هو: البحر الأحمر بلا ريب، لأنَّ الآية: ‭{‬فانفلق، فكان: كل فِرقٍ، كالطود العظيم‭}‬ أي الجبل العظيم، ولا يمثل فرقان البحر وانفلاقه صفة ضرب العصا له، النَّهر، أو اليَّم، صورة مماثلة للمعني قرينة للتصور الذهني للماء إذا اجتمع بين دفتين عظيمتين كالجبلين بينهما يابسة، لأنَّ مستوي الأعماق معروف عند النهر (8 – 11- 20 متر) والبحر (2.211 كم ومتوسط العمق 490 كم)، فسياق الآية يدل إن شاء الله حيث ذهبنا أنه البحر الأحمر وليس نهر النيل.

وقوله تعالي: ‭{‬وجاوزنا. .. ببني إسرائيل البحر‭}‬ في سورة الأعراف، قاطعة الدلالة على أنَّه البحر الأحمر، لأن القرينة هي المجاوزة والتجاوز والتعدية نحو أرض جديدة ليست هي أرض السودان ولا أرض بها فتحقق!

أمَّا قولهم: اليَّم، لقوله تعالي: ‭{‬ وأوحينا إلي أم موسي أنْ: أرضعيه، (وهي هنا مرحلة تفيد طفولة موسي زمنياً )فإذا خفت عليه، فألقيه في اليم، (وهو نهر النيل اليوم )ولا تخافي، ولا تحزني، إنَّا: رادوه إليك، وجاعلوه: من المرسلين ‭}‬ القصص آية 7، وسياق الآية يدل حين يشير إلي نهر النيل والقرينة في اليم هي: بعد المسافة بين الضفتين حال الإلقاء (7 كم أعلي نقطة، 350 متر أدني نقطة، 2.8 كم متوسط المسافة بين الضفتين )، فأعلي نقطة يمكن أن تكون في بعض بلاد السودان بعد المنابع والروافد من ناحية الجنوب سوداني، فالترجيح للقطع بين الأدنى والأوسط وهي في الراجح ببلاد مصر لأنه يقل من بعد اقترانه بالخرطوم وعطبرة وحتي المصب، هو نهر النيل، قال تعالي يحكي عن فرعون مصر: ‭{‬ ونادي فرعون في قومه، يا قوم: أليس لي ملك مصر ؟؟ وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون! ‭}‬ ليثبتوا ما جاءوا به من أنَّه بالسودان فيتضح بعده من الصواب، وما يؤكد صحة ما أقول فقد جاء في صحيفة اليوم السابع المصرية عن شهر يونيو 2016 ما أكدته الدكتورة / ميادة عبد القادر الباحثة في المركز القومي لبحوث المياه أنه في العصور القديمة، كان نهر النيل يتفرع في الدلتا إلى سبعة فروع لم يتبق منها الآن إلا فرعان نتيجة مكافحة الفيضانات وانجراف التربة. وهذه الفروع هي (من الشرق إلى الغرب):

1. البيلوزي (بالإنجليزية: the Pelusiac).

2. التانيتي (بالإنجليزية: the Tanitic).

3. المنديسي (بالإنجليزية: the Mendesian).

4. الفاتنيتي أو الفاتميتي (فرع دمياط الآن) (بالإنجليزية: the Phatnitic).

5. السبنتيني (بالإنجليزية: the Sebennytic).

6. البلبتي (بالإنجليزية: the Bolbitinic ).

7. الكانوبي (فرع رشيد الآن) (بالإنجليزية: the Canopic ).

وأثبتت خريطة قديمة باللغة الإنجليزية تمتلكها الهيئة المصرية للمساحة، لأفرع النيل قديماً يعود تاريخها ليوم: 13 نوفمبر عام 1798، لجون والس (مكتشف بريطاني)، وتكشف عن أن نهر النيل كان يتكون من 7 فروع مختلفة فى الدلتا من الشرق إلى الغرب، والتي اختفى منها حالياً 5 أفرع

وكتب على الخريطة أنها توضح بصورة موسعة عن الأجزاء التي اعتبرها الفرنسيون وقت حملتهم على مصر هامة.

وكشفت الخريطة عن أن نهر النيل كان يصل إلى سيناء، بفرع يسمى “البيلوزى” وتم تسميته بهذا الاسم نسبة إلى بلدة بيلزيوم ” أقرما ” وهذا الفرع اختفى ومجراه الآن قد يكون مطابقاً لأجزاء من ترعة الشرقاوية، والفرع الثاني هو ” التانيتى، في محافظة الشرقية، في الطرف الشرقي لبحيرة المنزلة ومصب مجرى بحر مويس مطابق بهذا الفرع حالياً.

والفرع الثالث يسمى ” المنديزى ” الذي كان يمر بمحافظة الدقهلية، وهو المجرى الأدنى للبحر الصغير، ومطابق لجزء من هذا الفرع، والفرع الرابع ” الفاتيمى ” وهو مطابق لمصب دمياط وموجود حالياً، والفرع الخامس ” السبنيتى ” الذي كان يمر فى محافظة الغربية وتم تسميته بهذا الاسم نسبة إلى البلدة التي تسمى حالياً باسم سمنود ومجراه مطابق لبحر “تيره”.

والفرع السادس، يسمى “البولبيتى” وهو مطابق لفرع رشيد وموجود حالياً، والفرع السابع، المصب “الكانوبى، وينطبق جزء كبير من مجراه على مجرى بحر دياب بمحافظة البحيرة.

فـــ (هذه الأنهار تجري من تحتي) توافق الحقيقة العلمية في تأكيد الدكتورة / ميادة عبد القادر، (الخرطة مرفق آخر البحث) تؤكد صحة بحثنا هذا، وليس بحال من الأحوال أنَّها بأرض السودان من نهر النيل فتمهَّل!

وذكر النيل في العهد القديم كثيرًا. إلا أنه لم يذكر في العهد الجديد. وورد تحت أسماء مختلفة. فهو نهر النيل في اش 19: 7 و23: 3 وار 46: 7 و8 وعا 8: 8 و9: 5، وأما الفرع الشرقي من النيل فهو شيحور أي “بحيرة حورس” في يش 13: 3 و1 أخبار 13: 5 وار 2: 18، واكتفى أحيانًا بتسميته بالنهر فقط (ار 2: 18 وتك 41: 1 وخز 1: 22 و2: 3 و5 و7: 20 و21) أو مياه مصر (مز 105: 29 وار 446: 7و 8 ). وذكر الكتاب عن المجاعة التي حصلت أيام يوسف مدة سبع سنين بسبب قحط الأرض ولابد أن ذلك كان بسبب عدم فيضان النيل (تك 41: 54) كما وصف طريقة فتح الأخاديد على جنبات النيل لدى المزارع بمياهه (تث 11: 10). وكانت ضربتان من مجموع الضربات العشر التي انزلها الله بالمصريين قبيل خروج بني إسرائيل من بلادهم على النيل: ضربة تحويل مياهه إلى دماء، وضربة ملئه بالضفادع، وكلاهما تظهران قيمة النيل لمصر (خر 7: 15-25 و8: 3-7). وتنبأ اشعيا بزوال الحياة في مصر وانقطاع نبات البابايروس (أي البردي) الذي كان رمز الحياة، والذي كان الورق للكتابة يؤخذ منه (19: 7)

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق