مجتمع

نقد الدّين بديلًا عن نقد السّلطة (3)

في انتهازيّة المثقّف وضرورة المُفكّر المُمَارس

في أركان المفكّر المُمارس: الصّدق، اتّساق الذات

مع المقولات، التضادّ مع السُّلطة

حتى يمكن للمفكّر المُمارس أن يتخذ شكل الوجود الموضوعيّ، ثمّة أركان أساسيّة عليها أن تتحقّق فيه ليكون جزءًا من حركة التاريخ (السّعي الفعّال من أجل التحرّر والتّغيير) لا عبئًا عليه. أوّل هذه الأركان هي الصّدق، والصّدق (بحسب جرامشي): «هو فعل ثوريّ»،[20] فلا يناور المفكّر الممارس حول مقولاته، ولا يقدّمها بصياغات «مخفّفة» تستبطن منزلة عليا يُسبغها على نفسه مقابل «غباء» أو عدم جهوزيّة أو «بدائيّة» العامّة، فالعكس هو الصحيح كما هو ثابت في الانتفاضات العربيّة المتتالية التي تفوّقت حركيًّا وفكريّا على المثقّف نفسه بنقدها الشّديد للسّلطة، وتعلّمها من عثراتها وأخطائها، ومناوأتها لأشكال التّفتيت والتوظيف الطائفيّة والدينيّة، وإصرارها على «تغيير النظّام» ورحيل ومحاسبة «الجميع» من شركاء المجموعات الحاكمة. صحيح أن بعض المجموعات الحاكمة أو بعض عناصرها (بدعم من رعاتها، أو تدخّل من مناوئيها، الإقليميين والخارجيّين) قد نجحت بالتأثير في مسار الأحداث وقلبه رأسًا على عقب (كما حصل في سوريّة وليبيا واليمن مثلًا)، لكن خط الوعي العامّ التصاعديّ في كل الانتفاضات كان واحدًا: الحديث -بشكل أو بآخر- عن تصفية المجموعات الحاكمة تمامًا ومحاسبتها (السّودان، الجزائر، لبنان، العراق)، وطلب الانتقال من حالة كيان وظيفيّ تتسلّط عليه مجموعة حاكمة فاسدة وتابعة، إلى حالة «دولة حقيقيّة» تتشكل من مواطنين يتشاركون في الحكم، عبر مؤسسات مدنيّة مستقلّة وذات سيادة، تُحقق شكلًا من العدالة الاجتماعيّة.

تظلّ هذه المطالب الجماهيريّة حالمةً وطوباويّةً في ظلّ إغفالٍ الدّور الفاعل الذي يلعبه النّظام الاقتصادي الرأسماليّ العالميّ، وإغفال دور القوى الدوليّة والإقليميّة والمحليّة التي تتدخّل في الانتفاضات الشعبيّة بشتى الوسائل، وانعدامٍ لوجود تنظيمات متماسكة تنقل -بآليات فعليّة- مقولاتها من حيّز المطالبة إلى حيّز التحقّق السياسي، لكن هذه المطالب، ونطاق التحرّكات التي تعبّر عنها، تجاوزت جذريًّا، وبمراحل عديدة، نطاق مطالب المثقّف وحركته؛ وفي حين عبّر الشّارع المُنتفض عن موقف حاسم وحازم من السّلطة، يبغي إسقاطها برمّتها، بما في ذلك شركاءها والمتعاونين معها، وجد المثقّف -الذي راهن طويلًا على السّلطة باعتبارها رافعة التّغيير الأساسيّة، ومنفّذة مشاريعه المقترحة التي يتسلّق من خلالها هو إلى موقع ما فيها- نفسه مُهدَّدًا، لا بفقدان المكانة المتخيّلة التي عمل طويلًا على توسّلها من السّلطة فحسب، بل وجد نفسه مُتّهمًا (بحقّ) في إدامة عمر السّلطة وعسفها، وجزءًا من الكلّ الذي ينبغي الإطاحة به ليحدث التّغيير.

أنطونيو جرامشي وأدوار «المثقّف» المتعدّدة

لهذا يبدو -ظاهريًّا على الأقل-، أن عمل المثقّفين في سياق التاريخ العربيّ المعاصر، وبالنّظر إلى مآلات الانتفاضات العربيّة وتحوّلاتها، كانت نتيجته الفعلية ترسيخ السّلطة وتقوية موقفها، من خلال عدم مساهمتهم في بناء البدائل الفكريّة الماديّة، وعدم مشاركتهم في خلق التنظيمات والفعل التنظيميّ وبناء الائتلافات الاجتماعيّة، وعدم انخراطهم في التّغيير والاشتباك مع السّلطة على الأرض بما يؤدّي إلى إنتاج وإنضاج البدائل والتّنظيمات والائتلافات من خلال الممارسة نفسها، وعدم عملهم على رفع المستوى الفكريّ والنقديّ لأكبر شريحة من الناس، واقتصار نشاطهم على الحدود النخبويّة التي تسمح بها وترعاها السّلطة، وإبقاء النقاش الفكريّ والنظريّ خارج متناول العامّة، وخارج الممارسة.

هذه المهمّات المركزّيّة لنجاح التّغيير، يضعها أنطونيو جرامشي، الذي كتب كثيرًا عن المثقّفين، في صلب المهمّات المنوطة بهم، فمن حيث بناء التنظيمات السياسيّة التّي تقدر على العبور من حالة اللّاتحديد العامّة، الحالة الهُلاميّة، للجُموع، إلى الحالة المُشخّصة، الشخصيّة، السياسيّة لها، يقول جرامشي:

«إن كتلةً بشريّة ما لا تُميّز نفسها، ولا تصبح مُستقلّة، ’بنفسها‘؛ [كما أنّها لا تصبح مستقلّة] دون أن تُنظِّم نفسها (بالمفهوم الواسع للكلمة)؛ ولا يوجد فعل تنظيميّ دون مُثقّفين، أي: دون مُنظِّمين وقادة، ودون الجانب النظريّ من ثنائيّة نظريّة – ممارسة».[21]

أمّا من حيث التّركيز على أهميّة كسر احتكار المعرفة النقديّة، واقتصارها فقط على مجموعة المثقّفين، وتمكين أكبر عدد ممكن من النّاس منها، فيؤكّد جرامشي أنّ «على كل حركة تريد أن تُغيّر المفاهيم المستقرّة عن العالم (…) أن تعمل بشكل متواصل لرفع المستوى الفكريّ لشريحة لا تني تتوسّع، أي: إعطاء وجود شخصيّ (personality) لتلك الكتلة التي بلا شكل، والتي هي جموع النّاس».[22] هذا التحوّل في نظر العامّة إلى الفلسفة من «اعتبارها إيمانًا»[23] إلى كونها «التاريخ مُمَارسًا (history in action)؛ إلى الحياة بذاتها»[24] سيؤدّي –بنظر جرامشي- إلى أن يتغيّر «فعليًّا المشهد الأيديولوجيّ للعصر».[25]

أمّا من حيث التحضير النظريّ المُسبق، فيمكن استنتاجه من جرامشي وإرثه في سياق آخر شبيه: «الدرس من السّنتين الحمراوين [في إيطاليا، 1919 و1920 اللّتان حصلت فيهما التحرّكات الثوريّة للعمّال في تورين، وفشلت] هو أنّه كان على القوّة الثوريّة أن تكون موجودة قبل تلك اللحظة».[26] لكن هذا التحضير النظريّ لا يكمن في اجترار مقولات قاطعة أو خلاصيّة، بل هو تحضير في التاريخ، يشتبك مع السلطة وتجلّياتها، ويتشكّل ويطوّر نفسه من خلال هذه الاشتباك الذي يمكّنه من «اختبار تصوّراته»[27] من خلال الفعل نفسه.

يطرح جرامشي مفهوم «المثقّف العضوي»، أي المثقّف الذي يُعبّر عن مصالح طبقةٍ بعينها، ويصوغ لها مفاهيمها التي تُعطيها «شخصيّتها» التاريخيّة، أي معالم وجودها الفاعل في التاريخ، ويُساهم في تحوّلها إلى «كتلة». في سياق التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة العربيّة، لن نجد مثل هذا المثقّف العضويّ لسبب أساسيّ: انعدام وجود طبقات سياسيّة-اجتماعيّة بالمعنى الذي وجدت عليه في البلدان الصّناعيّة في أوروبّا مطلع القرن العشرين. وإذ ينبثق مثقّفو العالم العربيّ من طبقة وسطى هلاميّة ومتغيّرة وغير محدّدة المعالم، فهم يحملون معهم، ويستبطنون فيهم، مصالحها، ومحدّداتها، ومخاوفها، وانتهازيّتها، وميلها إلى «الاستقرار» والحفاظ على الوضع القائم كما هو، وارتباطها بالسّلطة، ورُعبها من التّغيير؛ أمّا القلّة من المثقّفين الصّاعدين من الطبقات المسحوقة والهوامش، فجلّ اهتمامهم ينصبّ على قبولهم في «مجموعة المثقّفين» الحصريّة، لهذا فعليهم أوّلًا أن يستنكروا «تخلّف» الطبقات التي قَدِموا منها، ويتبنّوا خطاب ونسق ومظاهر الطبقة الوسطى التي يريدون الانخراط فيها، ويرغبون بأن تقبلهم في مصافّها. ويعقّد انسلاخهم الطبقيّ، ويسهّله في آن، تكريس المقولة الليبراليّة/الرأسماليّة التي تنظر بوضاعة إلى العمل اليدويّ، وتضعه في منزلة دنيا في مقابل المنزلة الرّفيعة التي يحوزها العمل الذهنيّ، فيرفّع مُثقّف الطبقات المسحوقة نفسه من هذا الباب، لينسلخ طبقيًّا بالاتّجاه المُعاكس، ويفاقم من تفريغ طبقته من إمكانيّاتها الثوريّة.

سينطبق على المثقّفين العرب، إذًا، دور آخر يصفه جرامشي بكونه «ضباط شرطة الطّبقة الحاكمة»، الموكولة إليهم تنفيذ مهمّات الهيمنة الاجتماعيّة، والمتعلّقة باختلاق بداهةٍ تتعلّق بـ«الموافقة التلقائيّة لجموع الناس على التوجّه الذي تطبعه الطبقة الحاكمة على الحياة الاجتماعيّة»، وترويج «أدوات الإكراه التي تستخدمها الدّولة، والتي تضمن –’قانونيًّا‘- تأديب المجموعات التي لا ’توافق‘».[28]

إن استبدلنا بـ«الهيمنة» مفهوم «السيطرة»، ستنسجم الوظيفة أكثر مع الاستعارة التي استخدمها جرامشي، فمثّقفو العالم العربي لا ينتجون أيديولوجيا لـ«الدولة» وطبقتها الحاكمة، لتمكينها من بسط هيمنتها على النّاس والمجتمع المدنيّ (بالمفهوم الجرامشيّ)، إذ لا «دولة» ولا «طبقة حاكمة» ولا «نظام» في العالم العربيّ منذ ما بعد الاستعمار، ما يوجد هو كيانات وظيفيّة تتسلّط عليها مجموعات حاكمة تتقلّب وتتغيّر مصالحها باستمرار مع تغيّر التوازنات المحليّة والإقليمية والدوليّة، لذا، يشكّل المثقّفون أبواق الدّعاية والتّبرير للبهلوانيّات السياسيّة التي تؤدّيها المجموعات الحاكمة على حبال تلك التوازنات، أو للقرارات النزقيّة التي تتخذها على الصعيد الداخليّ (في ظلّ انعدام وجود مؤسّسات حكم فعليّة).

وفوق هذا، يلعبُ المثقّفون دور الكابح، واللّاجم، في مواجهة المفكّرين الممارسين وأفكارهم النقديّة، التي يُسحب عنها الغطاء أمام الإجماع البديهيّ الذي يُسبَغ على السّلطة ومقولاتها، لتتحوّل إلى مجرّد أفكارٍ «إشكاليّة» و«جدليّة» يتم تجاهلها والتّعتيم عليها في أحسن الأحوال، و«تخريبيّة» تستدعي العقاب في أسوئها، ويمارس المثقّفون حريّة انتقائيّة على مقاس السّلطة، فيُدان بشدّة القمع الذي تمارسه الأفكار الدينيّة أو تنظيماتها دون أن يُدان القمع الذي تمارسه السُّلطة؛ أو -من جهة أخرى، نقيضة- يُدان ما قد يعتبر «تحرّرًا زائدًا» يُحرج السّلطة أمام مجتمع ما يزال محافظًا في أغلبه.[29]

لا وجود لـ«غير المثقّفين»، والثورة يمكن أن تنطلق من أيّ نقطة

«كلّ الناسِ ’مثقّفون‘» يقول جرامشي، «لكنّهم لا يؤدّون وظيفة طبقة المثقّفين (…) وبنفس المعنى، لا يمكن الحديث عن طبقة مثقّفين مقابل ’غير المثقّفين‘، فلا وجود لهذه المجموعة الاخيرة».[30]  يلتقي جرامشي هنا مع ماركس المتأخّر، المتأثّر بكُمْيُونَة باريس، إذ تلاحظ رايا دونايفسكايا على إنتاجه الفكريّ ما يلي: «لم يعد يخوض نقاشاته مع ريكاردو أو سمِث، مع المنظّرين، سواءً أكانوا برجوازيّين أم اشتراكيّين؛ تحوّله من تاريخ النظريّات إلى تاريخ الصّراع الطبقيّ في نقاط الإنتاج صار هو النظريّة، وبهذا فهو يبتعد عن مفهومٍ يعتبر النظريّة نقاشًا بين المنظّرين، ويبتعد عن فكرة أن ذلك التاريخ [تاريخ الأفكار] هو المهمّ، ويسير باتجاه مفهومٍ يقدّم النظريّة باعتبارها تاريخًا لعلاقات الإنتاج»،[31] أي، بعبارة أخرى، باعتبارها تاريخًا للفعل، أو: أن الفعل هو التاريخ.

كما يلتقي جرامشي مع المفكّرين المُمارسين لكُمْيُونَة باريس، والذين مارسوا المعرفة باعتبارها اشتباكًا مع، وانبثاقًا عن، العمل في الواقع. تقول كرِسْتِن روسّ:

«أوضحت كُمْيُونَة باريس (…) أن الصراع السياسيّ نفسه يخلق شروطًا جديدة، يعدّل العلاقات الاجتماعيّة، يغيّر المشاركين في الحدث والطريقة التي يفكّرون ويتحدّثون بها، الصراع نفسه يخلق أشكالًا سياسيّة جديدة، طرق وجود جديدة، ومفاهيم نظريّة جديدة لهذه الطرق والأشكال. جدليّة المُعاش والمُدرَك -ما سمّاه عدد من الكُمْيُونِيّون المستقبليّون في نصّ لهم كتب عام 1871: الاختراق التبادليّ للفعل والفكرة- هو جدلٌ [دياليكتيك] حقيقيّ، بحيث لايمكن التفكير في شيءٍ حقًّا قبل أن يخرج شيءٌ آخر إلى الوجود».[32]

في موقفهم من الفعل والفكرة، استلهم الكُمْيُونِيّون عبارة جوزيف جاكوتو: «كلّ شيء موجود في كلّ شيء».[33] كلّ المعارف محتواةٌ في كل شيء، عبر ترابطات كلّ شيء مع كلّ شيء آخر، وبالتالي لا تهمّ نقطة الانطلاق، إذ «يمكنك أن تبدأ من أيّ مكان» بحسب جاكوتو،[34]  لأنّ أي نقطة انطلاق ستقود إلى كلّ شيء، وهذا هو بالضبط حال العالم المعاصر الذي تتشابك فيه كلّ القضايا، ولا يمكن التعامل مع واحدةٍ منها دون التعامل معها جميعًا، ومع جذرها المولّد للأزمات وانعدام العدالة: الرأسماليّة.

كان هذا هو الردّ الواضح من «العامّة» الذين أثبتوا أنّهم يعرفون أكثر بكثير من المثقّفين، حين نزلوا إلى الشوارع بالفعل، مطالبين بـ«إسقاط النظام»، محاولين اشتقاق «نظام جديد»، خالقين –في خضمّ ذلك- «أزمة النّفوذ» (crisis of authority) التي عرّفها جرامشي هكذا: «القديم يحتضر، والجديد لا يمكن له أن يولد؛ في فترة الخلوّ هذه، تظهر أشكال هائلة من الأعراض المرضيّة الفظيعة»،[35] كاشفين بذلك عورة المثقّفين الذين طفقوا يتجادلون عن «كارثة» فشلهم في التنبّؤ بالتحرّكات الشعبيّة العربيّة الأخيرة، قبل أن ينحاز أغلبهم بعدها للسّلطة في مواجهة «الفوضى» و«الغوغاء». تلك هي النتيجة المنطقيّة الوحيدة لصيروة المثقّف الذي مازال –حتّى اليوم- يبحث عن «التقدّم» في حداثة تجاوزها أصحابها إلى ما بعدها، وعن الاعتراف عند قدمي سلطة زاد تسلّطها وقمعها ولا تكترث به إلا بمقدار ما توظّفه من أجل بقائها وسيطرتها.

المفكّر الممارس كنقيض للمثّقف: في مواجهة الحداثة

وجذرها الأعمق، الرأسماليّ

إن كان ثمّة دورٌ للمثقّف «الثوريّ» في بدايات صعود الرأسماليّة المعاصرة، باعتباره نبيًّا ناطقًا باسم الحداثة، يفكّ للعامّة (الأميّين في مجملهم) مغاليق النصّ المكتوب، ويوعّي الجماهير «الجاهلة» ويدفعها (عن قصد أو دون قصد) للانخراط في التبعيّة للنظام الاقتصاديّ العالميّ الجديد حينها، فإن انتشار الراديو، ومن ثمّ التّعليم، ليليه التّلفاز، وبعدها الإنترنت والهاتف الذكيّ ووسائل «التواصل الاجتماعي» (وهي تقع بمجملها تحت سيطرة السّلطة والنظام الرأسمالي، وتشكّل بمجموعها أدواته الأساسيّة للسيطرة والهيمنة والتطويع وتشكيل الأنماط السلوكيّة ومعرفة وتوجيه الجمهور)، قد قلّلت كثيرًا من أهميّة هذا الدّور وذاك الامتياز، فسقطت عن المثقّف هالة التميّز التي أحاطت به في مرحلةٍ سابقة، وصار –عمومًا- محلًّا للتندّر والتهكّم والاستهزاء.

هذه التغيّرات تجعل للمفكّر الممارس اليوم دورًا لا علاقة له بالتّوعية (التي تُحيل مباشرة إلى المنزلة والسّلطة والاغتراب الذاتي عن عامّة النّاس)، بل بالمواجهة والنقد والإبداع: مواجهة السّلطة وإفرازاتها وآليّات عملها، وبالتالي مواجهة الجمهور، أو –لنكون أكثر دقة- مواجهة كسل الجمهور وارتخائه واستسلامه لمخدّرات التّسلية والاستهلاك، أفيون الشّعوب المعاصرة؛ ونقد الحداثة التي صُوّرت لأكثر من قرن من الزّمن على أنها طريق الخلاص، لنكتشف متأخّرين أنها طريق الانخراط في التبعيّة للاقتصاد الرأسمالي العالميّ والفخّ الذي دُمّرت فيه اقتصادات الاكتفاء الذاتي لصالح أشكال «النموّ» التي تعتمد على تقسيم العمل العالميّ وإغراق المستعمرات السابقة (بعد أن نهبها المُستعمِرون وأفقروها وتركوها في ذمة مجموعات حاكمة تابعة وفاسدة) بالدَّيْن لصالح المُستعمِرين ذاتهم؛ وإبداع أشكال جديدة للوجود البشريّ القائم على العدالة والمساواة واحترام الطبيعة، من داخل الاشتباك اليوميّ مع الوضع القائم.

المفكّر المُمارس هو مغادرة كاملة ونهائيّة وحاسمة لمفهوم «المثقّف»، هو التحوّل من النبيّ المُبشّر بخلاص الإنسانيّة عبر الحداثة وتطويع الطبيعة، إلى مواجهة هذه «الحداثة» وجذرها الأعمق، الرأسماليّ، وآثارهما الكارثيّة المتمثّلة في ابتلاع الثّقافة وتحويلها (ضمن أشياء كثيرة أخرى)، عبر خطوط الإنتاج والتّسليع، إلى تسلية مخدّرة، وآلية لترويج وتعميق نفاذ أشكال الاستهلاك وتشكيل البشر وغسل عقولهم لصالح مزيد ومزيد من الشّراء الذي يزيد أرباح الرأسماليين، ويسحب ما دفعوه من أجور بائسة لمأجوريهم، لتعود الأموال إلى جيوبهم ثانية، فيُعاد إنتاج دورة الاستغلال من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق