خارج الحدود

خارج الحدود

المعلوم والقليل من المكتوم عن الأحزاب السياسية المغربية

عصام المضور (كاتب مغربي)

ارتبط ظهور الأحزاب السياسية وتطورها بتطور المجتمعات وما عرفته من انقلابات وثورات في جميع بقاع العالم والتي كانت لها نتائج إيجابية في أغلب دول الشمال والعكس في دول الجنوب.

إن الحقيقة التي لا يمكن أن ينكرها إلا جاحدا اليوم هي أن الأحزاب تم إضعافها في جميع دول العالم لصالح قوى أخرى أصبحت توازي دور الأحزاب السياسية خدمة للرأسمالية الشرسة. وفي هذه المقالة المصغرة نحاول – ولو لم نصيب – مقاربة واقع الأحزاب المغربية اليوم ولا نصطنع بذلك التشاؤم ولا نزعم التفاؤل!

كشرت الرأسمالية عن أنيابها وكرست العنف واللاإنسانية والفردانية والأنانية، فأصبح العامل الاقتصادي حاضرا في جميع المجالات والتي لا شيء عندها تخدمه غير الاقتصاد. والسياسة لم تشد عن القاعدة، إذ سخرت بدورها لخدمته – الاقتصاد يحرك السياسة – بل كما تنبأ ” ميشال فوكو ” أنه سوف يتغلغل هذا العامل – العامل الاقتصادي – حتى في علاقة الأم بابنها وتصبح عملية استثمارية (اللعب بالأطفال اليوم على حسابات الانستغرام وقنوات اليوتوب لجني المتابعات وحصد الأموال). والأحزاب – وهي موضوعنا – أصبحت هي الأخرى مسخرة لخدمة الشركات والقوى الاقتصادية التي أصبحت تفرض نظامها عليها، هكذا ووفق ما تمت قراءته في أكثر من مقال، أن المؤسسات الاقتصادية العالمية أصبحت مستاءة من دور الأحزاب وخاصة في الدول المتخلفة أو التي على وشك الإقلاع واعتبرتها فاسدة غير قادرة على تنمية البلاد والعباد مما جعلها تفرض على هذه الدول إشراك جهات أخرى لتكون المخاطب المباشر لهذه المؤسسات الدولية إلى جانب الأحزاب السياسية وتتلقى منها الدعم للمساهمة في النهوض بدولها تحت مسميات عدة ” الديموقراطية التشاركية”، ” المجتمع المدني ” و ” الديموقراطية المواطنة ” …بل أكثر من ذلك بإبعاد تمثيلية الأحزاب السياسية في بعض المؤسسات والمجالس العامة – كما ذهب البعض وعن حق في نظرنا – وجعلها بيد التكنوقراط تحث دريعة التجربة والخبرة، وفي هذا تغييب دور الأحزاب، بل دور الشعب من خلال النيابة عنه في هذه المؤسسات والمجالس .

لا أحد ينكر من الدارسين لتاريخ الأحزاب السياسية بالمغرب – وإن اختلفنا معها – الهوة بين أحزاب الأمس وأحزاب اليوم، إذ كانت الأحزاب تؤدي الغاية التي من أجلها تأسست وبرزت إلى الوجود – ألا وهي تأطير المواطنين وجعلهم مساهمين في الإرادة العامة للدولة من خلال النيابة التي تبشرها عنهم – وكانت للأحزاب حركات على طول السنة وليست انتقالات منسباتية – الانتخابات – ناهيك عن كتبهم ومقالاتهم في المجلات والجرائد ( يحتار المطلع على ماضي الأحزاب بالمغرب بين كتابات أعضائها علال الفاسي، محمد حسن الوزاني، عبد الكريم غلاب، وعزيز بلال، عابد الجابري…) والتي تعبر من خلالها على واقع المغرب، وما يبرز قوة المعارضة و مواقفها من قرارات الحكومة آنذاك حتى في ظل غياب – تأطير دستوري للمعارضة – أما اليوم ولو في ظل تخصيص المشرع الدستوري – لسنة 2011 – للمعارضة عدة فصول فإنها تتجاهل – عمدا – أو تجهل – جهلا – المواضيع التي يجب أن تثيرها وتتمسك بما هو من سفاسف الأمور وأهون من خيوط العنكبوت قصد التمثيل المسرحي على الشعب لا غير والتظاهر بالمدافع الأمين – الحرص على الأمانة دليل على الخيانة  كما يقال – لنيل ثقة شعب يئس – بفعل فاعل وبفعله – من المشهد السياسي ككل. دعونا من المعارضة وتنظيمها الدستوري ونتحدث عن الأحزاب السياسية اليوم بصفة عامة، هاته الأخيرة التي لا حول ولا قوة لها اليوم – وبصراحة أقول إن كان في علم الاجرام ” لكل مجتمع مجرمه” فلكل مجتمع أحزاب على مقاسه – هي في المغرب إما ساكتة، صامتة – والسكوت مؤامرة – نتيجة استفاذتها من الريع، وإما محدثة ضجة أكثر ما يقال عنها أنها في غير محل ولمجرد المزايدات الفارغة وإظهار عضلات مزعومة ليس إلا.

إن هذا التقهقر الذي تعيشه أحزاب اليوم كما يرجعه الباحثين لعوامل خارجية تمثلت في توصيات المؤسسات الاقتصادية الدولية بإدخال و إشراك جهات أخرى – سبق ذكرها – إلى جانب الأحزاب السياسية تقوم بنفس الدور، لا ننكر العوامل الداخلية المتجلية في ضعف الوعي المجتمعي – بفعل فاعل وفعله – وذلك بإبعاده وابتعاده عن السياسة وعن الاهتمام بتطوير مجتمعه، وفتح باب ” الحرية ” على مصراعيه في كل ما هو لا سياسي ويهم الصالح العام، فعمت الشعباوية وأصبح الكل يفهم في الكل، والمعضلة التي يعيشها المشهد السياسي اليوم، بل منذ مدة هي القبول بالأعيان في الأحزاب – مما يدل على فساد الذمم – دون الأكفاء، مما خلق لنا برلمانين معاقين معرفيا وثقافيا، ما يطرح سؤال في غاية الأهمية: ما هو دور المؤسسة البرلمانية – باعتبارها أهم مؤسسة نيابية في الدولة – والمفترض فيها أنها من الشعب وبالشعب وللشعب ؟ والجواب عن هذا السؤال هو أن البرلمان له دور واحد وأوحد هو استيقاظ البرلمانين عند كل مشروع قانون – مقدم من الحكومة، التي تعد في المغرب بقدرة قادر المشرع الأصلي –  من نومهم لرفع أصابعهم للتصويت – دون العلم بمحتوياته – ما يفسر أنهم يرفعون أصابعهم تحت الطلب لا غير. لا هم حاضرين كممثلين ومشرعين ولا كمراقبين ولا كمعارضين بما تدل عليه الكلمة من معنى ولا مسوقين للمغرب بالخارج – الديبلوماسية البرلمانية – فقط مستفيدين من الأجور والنزهات والامتيازات والأراضي والسقي… وإذا كان الحال كذلك، فلماذا الأحزاب – إن كان لا دور لها – ؟

إن مسألة الحزب الوحيد والتي كان البعض تواق لها في مرحلة ما بعد الاستقلال سرعان ما خاب ظنهم بإعلان دستور 1962، الذي رفض صراحة نظام الحزب الوحيد لما فيه من مساوئ للعرش والشعب، وإعلان، بل وتشجيع التعددية الحزبية، لكن وإن كنا وكان الشعب مع هذا النظام الأخير فإننا نجد من المستحب أن يكون التعدد بناء على اختلاف وجهات النظر والرؤى وليس لأجل التعدد في حد ذاته حتى أصبحت الأحزاب مجرد تكرار لحزب واحد اليوم وانزلقت من موضعها وزاغت عن هدفها وتاهت عن وجهتها…

إن المبرر الوحيد لصمت الأحزاب اليوم هو استفادتها من الريع في غياب تام لوعي المجتمع بكل أطيافه – وهنا نذكر لعل الذكرى تنفعنا نحن المغاربة – والذي أصبح أفراده إما على مواقع التواصل الاجتماعي ( الفايسبوك، الانستغرام…) خاشعون أو في الحانات والمقاهي مرابطون أو من منهم شبه مثقفين، متملقين، منافقين، ينتظرون الفرصة السانحة للخروج بمقالات سطحية التحليل بعيدة كل البعد عن الصدق في التحليل وكشف الحقائق طمعا في ترقية أو تزكية أو مجرد اتصال هاتفي من مسؤول يمدحهم ويطري عليهم، واخرون واعين – وهم قلة قليلة – هاربة إلى خارج الدولة – أي يتجاهلون مضطرين لما يقع في المغرب – لما تلقوه من صمم الأذان المسؤولة، فهربوا هروب الشعراء العرب إلى الغاب – هل اتخذت الغاب مثلي منزلا دون القصور -…

إن أحزاب اليوم فقدت البوصلة – وذلك في خدمتها – مادامت الأداة – أعضائها – دون المستوى المطلوب للرقي بالمجتمع فانغمست في الفساد واكتفت بتلبية مصالح أعضائها ومصالح ذويهم…وما زاد حدة الوضع أن ازداد مستفيد اخر باسم ” الجمعيات ” التي أصبحت تتقاسم الكعكة عبر استفادتها من الدعم بدون نتائج تذكر والشباب غائب ينتظر مباريات الوظيفة العمومية والتي لا تكفي رواتبها حتى لكراء شقة في بعض المدن المغربية دون الحديث عن القطاع الخاص وما يثيره موضوع الحد الأدنى للأجور، بل ما دون الحد الأدنى – وهذا موضوع آخر نتمنى أن نتمكن من معالجته يوما – …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق