مجتمع

في نقد إرث المسلمين الإمبراطوري والعنصرية في العالم الإسلامي

«إمبريالية عربية وفارسية وتركية»

هل من إمبريالية إسلامية؟ يرى الصحفي تايفون غوتشتات أن من أنشأوا إمبراطوريات عالمية وأخضعوا قارات لسلطانهم عليهم تحمل المسؤولية وأنه قد آن أوان النقاش حول مسؤولية يتحملها العرب والأتراك والفرس والأكراد بشأن العنصرية والإمبريالية، متحدثا عن تقسيم تبسيطي يرى الأوروبيين مستعمرين وبقية العالم ضحايا.

بلغ التعاطف والتضامن العالميين مع المعاناة التاريخية واليومية للسكان السود في الولايات المتحدة من الضخامة درجة لم يُشهد لها مثيل منذ وقت طويل، ولم تقتصر الاحتجاجات الكبيرة على الولايات المتحدة وأوروبا.

فقد كان التضامن كبيرًا في الشرق الأوسط، وكذلك في أوساط الجاليات الشرق أوسطية في أوروبا والولايات المتحدة، حيث يرى المرء نفسه [هناك] أيضًا ضحية لعنصرية البيض الشماليين، وعار التاريخ الذي يصرخ الآن بصوت عال وغاضب لإحقاق العدالة، شأنه في ذلك شأن أصحاب البشرة السوداء.

وقد كان الأكراد والفلسطينيون من السبّاقين لطرح أوجه التشابه بين قضيتهم وكفاح السود في الولايات المتحدة الأميركية، وجرى ذلك غالبًا مع التأكيد على أن معاناتهم لا تقل بدورها عن معاناة السود. ولا يقتصر الأمر على الأكراد والفلسطينيين، إذ يعتقد معظم سكان الشرق الأوسط أن المعاناة من العنصرية لا تستهدف السود فحسب. وقد يكون هذا صحيحًا إلى حد ما، ولكن هذا الطرح يميّع المشكلة الحقيقية، ألا وهي وجود [ممارسات] عنصرية داخل تلك المجتمعات أيضًا.

تقاليد العبودية مستمرة منذ مئات السنين

سيطر مسلمو الشرق الأوسط على فضاء البحر الأبيض المتوسط وعلى مناطق شاسعة من أفريقيا وآسيا لمدة قاربت الألف عام، واستعبدوا خلال هذه المدة ملايين البشر؛ ورغم أن الاستعباد لم يقتصر على السود إلا أنه استهدفهم في المقام الأول.

وقد جرى بيع البشر، لاسيما من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، في أسواق النخاسة في جميع أنحاء العالم؛ وكان استعبادهم متوافق مع القانون الساري آنذاك، والذي كان يشرف على تطبيقه أسلاف الأكراد والأتراك والعرب المعاصرين.

وقد تم استخدام السود خدمًا وعمالًا وجنودًا بدون أي مراعاة لحياتهم أو لصحتهم أو لمزاجهم، وجرى خصي رجال سود لاستخدامهم خدمًا وحرسًا للحريم أو لأعمال البيت لدى الأسر الموسرة.

ويقبع السود حتى يومنا هذا في أسفل التسلسل الهرمي الاجتماعي [في المجتمعات الإسلامية / في بلدان الشرق الأوسط]، ويتعرضون للإهانة، ولا يحظون بفرص عمل كافية، ويشار إليهم على سبيل الدعابة باسم «العبيد» أو الخصيان، وغالبًا ما يتعرضون في أوقات الاضطرابات الاجتماعية -خلال الربيع العربي على سبيل المثال- للعنف الجسدي.

وعلى الرغم من إلغاء العبودية رسميًا في جميع بلدان الشرق الأوسط تقريبًا فإن أوجه عدم المساواة البنيوية التي تبعد السود عن المشاركة في الحياة الاجتماعية وعن [إمكانية مراكمة] الثروة لا تزال قائمة هناك أيضًا، كما هو الحال في الولايات المتحدة وأوروبا. فنكاد لا يمكننا أن نرى أصحاب بشرة سوداء في المناصب القيادية أو على شاشات التلفزيون؛ وينعدم وجود أسرة غير سوداء قد توافق على تزويج بناتها أو أبناءها لأصحاب بشرة سوداء.

بلال الحبشي: حصة السود من مجمل تأريخ الإسلام

ويفترض عبر تسليط الضوء على بعض الشخصيات السوداء، ممن لعبوا أدوارًا مهمة في الأيام الأولى للإسلام أو في الجيش العثماني واكتسبوا درجة من الشهرة وربما اعترافًا، أن يتم نسيان كل ما حدث [للسود عبر هذا التاريخ الطويل]. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يتم «تبييض» تاريخ الإسلام، أو بكلمة أخرى جعله «أسمر اللون».

فكما يتخيل معظم مسيحيو الشمال –بصورة غير قابلة للتصديق كليًا- عيسى [عليه السلام] شابًا أشقر أجعد الشعر ذا بشرة بيضاء مثل لون الحليب، يتم تخّيل المسلمين الأوائل برمتهم كما لو أنهم عرب. ويستثنى من ذلك بلال [الحبشي]، وهو أحد أوائل الذين اعتنقوا الإسلام وميّز نفسه بصفته مؤذنًا ذا صوت جميل، الذي يمثل -إذا جاز التعبير- رمز أصحاب البشرة السوداء في التأريخ الإسلامي، والمثال الجاهز عند الحاجة للدلالة على المساواة الثابتة المفترضة في الإسلام.

وقد بقي موضوع اضطهاد المسلمين لسكان البلاد [الأصليين] السود واستغلالهم في بعض البلدان الأفريقية موضوع نقاش حاد لمدة طويلة. ووفقًا لرأي بعض النشطاء، كان الغزو الإسلامي مدمرًا شأنه في ذلك شأن الاستعمار الأوروبي، أو حتى أسوأ منه.

إلا أن هذه المقالة لا تهدف إلى مقارنة هذه الظواهر المختلفة تاريخيًا وبنيويًا، وإنما إلى [إقرار] الاعتراف بتعقيد التاريخ البشري وبانتشار القمع والاستغلال والتمييز في كل مكان. إذ لم يكن العالم حتى بداية حقبة الإمبريالية الأوروبية خاليًا بأي حال من الأحوال من مفاهيم التفوق والإقصاء والكراهية على أساس لون البشرة أو الدين أو اللغة أو النسب.

وإذا ما فهمنا العنصرية بوصفها أداة للقوة، فمن المنطقي القول بأن المسلمين قد مثّلوا، حتى وقت قريب نسبيًا، واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية والعسكرية والثقافية المهيمنة في العالم التي استخدمت آليات إقصاء لإضفاء الشرعية على الهياكل التي وفرت لهم وضعًا متميزًا في السلطة، تمامًا كما فعل الأوروبيون الغربيون بعد مئات السنين.

وقد تكون العنصرية بوصفها علمًا (زائفًا) اختراعًا أوروبيًا ظهر في عصر نهضة العلوم، إلا أن تصنيف السكان وفقًا لمعايير مثل لون البشرة والعرق أو الدين، ومنح المكانة والحقوق بناءً على ذلك، موجود مع الأسف منذ أن بدأ الإنسان في التفكير.

ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار حجم العواقب التي خلفتها الإمبريالية الإسلامية العربية والفارسية والسلجوقية والعثمانية حتى يومنا هذا.

فحقيقة كون العربية اللغة الأكثر شيوعًا من الخليج إلى جبل طارق لا تنبع بالتأكيد من كونها لغة سهلة التعلم بصورة خاصة. فعلى غرار اللغتين الفرنسية والإنكليزية، جرى فرض اللغة العربية عبر ضغوط اقتصادية وسياسية وعسكرية بصورة مباشرة وغير مباشرة.

وقد قمعت الإمبريالية العربية والفارسية والتركية العديد من الثقافات واللغات، وأحيانًا تم كبتها أو حتى تدميرها بصورة متعمدة. وحقيقة كون الإسلام الدين المهيمن من المغرب إلى منغوليا تفسرها أسباب أخرى غير دينية لاهوتية. وقد أصبح اليهود والأرمن واليونانيون والعديد من الشعوب الأخرى أقليات في أوطانهم التاريخية.

وإلى جانب الدخول في الإسلام من منطلق الاقتناع به، تم ذلك أيضًا عبر طرق قسرية، وكذلك نفاقًا بهدف الاستفادة مما قد يحققه ذلك من فرص ممكنة، إذ اقتصرت بعض مجالات الحياة الاجتماعية المهمة على المسلمين فقط، وبالتالي، كان من شأن التحول إلى دين الحكام أن يتيح لصاحبه إمكانيات غير متخيلة.

وكان لوقوع أعمال شغب بين حين وآخر، ومجازر ارتكبت بحق الأقليات، ودمار سببته الحروب، وضغوط سياسية واقتصادية، أن أسهمت مجتمعةً في القضاء على وجود غير المسلم؛ وإن حدث ذلك بصورة بطيئة، إلا أنه تم بوتيرة ثابتة. وتكاد لا توجد اليوم أقليات في معظم مناطق الشرق الأوسط، وما تزال هجرة مسيحيي الشرق الأوسط، على سبيل المثال، مستمرة حتى يومنا هذا.

عواقب الإمبريالية العربية والتركية والفارسية

وإيراد ذكر هذه الأحداث لا يعني عقد مقارنة دقيقة تهدف إلى التقليل من حجم الفظائع التي أرتكبها الأوروبيون، وإنما الإشارة إلى أن عواقب الإمبريالية العربية والتركية والفارسية لا تزال محسوسة حتى يومنا هذا، وتتكشف في القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لهذه الشعوب ولدولها القومية.

فيكاد لا يُتاح لأقليات مثل الأمازيغ والبربر والأكراد فرصة للدفاع عن مصالحهم الخاصة؛ وإن تمكن أفراد منهم من تولي مناصب بارزة في المجتمع أحيانًا، إلا أن ذلك [لا] يأتي [إلا] بعد ذوبان هؤلاء في الأكثرية.

ومع ذلك، يستفيد أكراد وفلسطينيون في الوقت نفسه، لدرجة ما، من الهيمنة الإسلامية الشاملة في الشرق الأوسط. ومشكلتهم الرئيسة تكمن في مسألة الانتماء للدولة، وقد بدأت خلال المئة عام الماضية. فقد كانوا حتى تأسيس الدول القومية ينتمون إلى الأغلبية صاحبة الامتياز، وذلك بوصفهم مسلمين، بغض النظر عن وضعهم الاقتصادي.

وكان للأكراد دور فعال في قتل الأرمن والآشوريين، كما كانت لغالبية فلسطيني اليوم، بوصفهم مسلمين، عنصر التفوق على المجموعات السكانية الأخرى. ويضاف إلى ذلك الإمكانية المتاحة لهم -بوصفهم جزءًا من الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط- للاستفادة من العديد من الامتيازات حال صرفوا النظر عن مطالبهم في التحرر الوطني.

وفي الصراع بين إسرائيل وفلسطين، وبصورة أدق: في ردود الفعل عليه، يتجلى أيضًا إرث إمبراطوري لدى الجانب العربي. وهنا لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف التقليل من حجم جرائم الجيش الإسرائيلي المسلح، أو من فظاعة المجازر التي ارتكبت ضد المدنيين أثناء تأسيس دولة إسرائيل

(نقلا عن قنطرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق