مجتمع

الديانات السماوية وحقوق الإنسان (1)

د. محمد الناصري

يزداد الحديث اليوم عن حقوق الإنسان حتى كاد الدفاع عن الحقوق الإنسانية والحريات الأساسية يصبح ثابتا من ثوابت. وأصبحت الأحزاب والمؤسسات، بل والدساتير الوطنية أيضا تعمل على إبراز هذه الحقوق وتأكيدها. فلقد صار مبدأ احترام حقوق الإنسان أحد المعايير المهمة في تحديد العلاقات الدولية، وكذلك في قياس التطور السياسي لأي مجتمع، وقد يتخذ مقياس النمو أو تلبية الحاجات الأساسية التي تستخدم في تحديد مستوى تطور الدول اقتصاديا وماديا.

وقد عالج البيان الختامي الصادر عن اجتماع قمة مجلس الأمن الدولي المنعقد في 31/1/1992م، موضوع حقوق الإنسان بوصفه جزءا من السلم والأمن الدوليين، الأمر الذي يجيز للمجلس ممارسة صلاحياته بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. بمعنى أن أي انتهاكات لحقوق الإنسان تناقش على أنها من باب تعريض السلم والأمن الدوليين للخطر والتهديد..

هذا فضلا عن تحميل الأفراد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان المسؤولية الشخصية إضافة إلى المسؤولية الدولية، مما يعد مؤشرًا مهماً للوضع الدولي الجديد وأبعاده الرامية إلى توظيف مبادئ وشعارات حقوق الإنسان لتدعيم غاياته وأهدافه [1]. وبهذا اكتسب مفهوم حقوق الإنسان عالمية جديدة ذات فعالية أكبر بعد أن كان مجرد شعار تتضمنه مواثيق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية[2] .

الأمر الذي يدعو للتأكيد، أن هذا المسار العالمي آخذ في الصعود، بدليل أن ما طرح في العقود الأخيرة لم يكن مألوفا من قبل؛ فالمسيرة الإنسانية حول حقوق الإنسان استقطبت دولا وحكومات، وباتت متقدمة في طروحاتها وفاعليتها، وبتنا نشهد قيام هيئات ولجان وجمعيات، دولية وإقليمية ووطنية محلية، معنية بحقوق الإنسان ومدافعة عنها على أكثر من صعيد[3].

لكن على الرغم من كل التشريعات والمواثيق والمنظمات الدولية الإقليمية التي تدعي نصرة حقوق الإنسان وما تصدره من تقارير، فإن حقوق الإنسان لم تواكب هذا التطور.

والحاصل، أن أزمة حقوق الإنسان، اليوم، تتمثل، من ضمن ما تتمثل، في عدم إعادة الاعتبار للقيم الدينية ودورها في معالجة الخلل وتحرير الإنسان واسترداد كرامته. وتشتد الحاجة أكثر فأكثر، حيث الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان والفلسفات المنحازة لصالح الهيمنة والتسلط، إلى بيان دور الأديان في التحرير وتحقيق مبدأ المساواة الذي يعد أساس حقوق الإنسان، واستشعار المسؤولية تجاه الإنسان حيثما كان. فما هي مواقف الرسالات السماوية من جوهر حقوق الإنسان؟

من هنا كان الحديث عن حقوق الإنسان في الأديان. أما الحديث عن الشق الآخر، وهو إشكالية الخصوصية والعالمية في قضية حقوق الإنسان، فيأتي نتيجة ما أثارته فكرة العالمية في مجال حقوق الإنسان من انتقادات وردود، وصلت في بعض الأحيان إلى الرفض تشبثا بالخصوصيات الثقافية.

أولا: دور الأديان في ترشيد منظومة حقوق الإنسان المعاصرة

لا شك أن من أهم إنجازات الفكر الإنساني المعاصر، المراجع المقررة في حقوق الإنسان؛ والهادفة إلى حماية الإنسان من كل أشكال القهر والتسلط والعدوان التي يمكن أن يمارسها إنسان على آخر، أفرادا أو جماعات، وتتمثل تلك المراجع في كل الإعلانات العالمية والمواثيق الدولية أو المحلية المهتمة بحقوق الإنسان.

بيد أن الناظر إلى مرجعيات هذه الإعلانات والفلسفات النظرية المؤطرة لكثير من الحقوق المندرجة تحتها، وإلى أشكال التطبيق والتنفيذ المعاصرة داخل القطر الواحد، أو بين الأقطار والشعوب المختلفة، يلحظ أن ثمة مشكلات بنيوية تسهم في جعل تلك الإعلانات غير متحققة بمقاصدها وغاياتها.

إن “الانتكاسة” التي تعرفها حقوق الإنسان في عالمنا المعاصر، ترجع في جانب مهم منها إلى عدم النظر إلى الحقوق من الجهة الأولى، إلا باعتبار المصلحة الذاتية والمردودية والإنتاجية والأداء الكمي الذي بشر به العصر الصناعي على حد تعبير إريك فروم. ونجد تفسير هذا في مذهب المنفعة الذي يمثل الأساس النظري للديمقراطية الليبرالية الذي ينص على أنه “مبرر أخلاقيا أن يتصرف الفرد في ضوء مصالحه، وأنه كلما فعل الفرد هذا أكثر عاش حياة أفضل[4].”

وعليه؛ وبناء على ما سبق لا يمكن إلزام الإنسان باحترام حقوق غيره إذا لم يكن يرى في ذلك منفعة أو مصلحة ذاتية. ليصح إطلاق المذهب الأناني الذي روج له ” توماس هوبز” على مذهب المنفعة. ولقد كان الإنسان في كينونته الإنسانية هو المتضرر الأول من هذا التوجه الفلسفي في إقرار هذه الحقوق؛ إذ انتقل من مركز الاستخلاف والسيادة في الكون من خلال القيم و الأخلاق الفطرية فيه؛ إلى مركز التبعية والذوبان في منظومات قيمية وأخلاقية “اصطناعية” بديلة، الفعل يها لا يعتبر صحيحا أو غير صحيح بذاته بل بناء على نتائجه.

ثم لم ينظر كذلك إلى تلك الحقوق من الجهة الثانية؛ بطريقة معيارية عادلة… فتكون الحقوق بذلك غير خادمة للإنسان إلا من حيث كونه إنسانا بغض النظر عن كل التصنيفات والتقسيمات…

لقد كان لاستبعاد الدين والفلسفات الدينية عن هذا المجال، أثره البالغ في إفقار تلك الإعلانات من مضامينها الإنسانية العميقة. وأنه مهما يكن اجتهاد الإنسان في البحث عن سعادته فإن جهده هذا يبقى قاصرا بحكم نسبتيه ومحدودية معرفته في إدراك غايات ومقاصد الخلق التي لا سبيل إليها إلا من خلال الأديان، الأديان بما هي وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات.

ونحن إذ نؤكد على أهمية ودور الأديان في تفعيل وترشيد وتصويب منظومة الحقوق؛ نؤكد كذلك على المشترك بين الأديان في هذا الاتجاه، تغليبا له على دائرة الاختلاف التاريخي التي تحكمت في تفسير النصوص وتأويلها بين مختلف الفرق والمذاهب. فالأصل في الأديان أنها لسعادة ومصالح العباد في المعاش والمعاد.

كما نؤكد كذلك على أن دائرة المشترك بين الأديان وبين إعلانات حقوق الإنسان الدولية واسعة. وأن البناء المرجعي لفلسفات الحقوق على أسس دينية مشتركة يكسبها أبعاد تفعيلية إضافية، كما يحول دون كثير من أشكال الإجحاف والظلم والتمييز الموجودة في المرجعيات المادية المتمركزة. ونعتقد أن تفعيل البعد الديني بإمكانه أن يسهم في تنقيح الحقوق نفسها، وتصحيح مسار المشكلات النفسية والاجتماعية المدمرة للإنسان، والتي هي إحدى إفرازات التطور الفلسفي المادي المحض.

ليس المراد أخيرا من هذا التوجه العودة إلى فلسفات ونزعات دينية مغلقة تقيّد أكثر مما تحرر، وتضر أكثر مما تنفع. بل المراد رد الاعتبار إلى الحالة الوسط السواء والمتوازنة التي ينبغي أن يكون عليها الفرد والمجتمع، والتي تسهم في صوغها الأديان توجيها وإرشادا إلى الأصلح وفقا لغايات ومقاصد الوجود الإنساني، وتسهم فيها كذلك العلوم والمعارف المكتسبة في كل عصر بما يحقق التطور والتنمية والتحديث لصالح الإنسان كل إنسان، من غير تحيزات أو تمركزات خفية أو معلنة[5].

وغرضنا في هذا البحث بيان أهمية ودور الأديان في تفعيل وترشيد وتصويب منظومة الحقوق المعاصرة؛ من خلال التأكيد على أن الديانات السماوية تأتي على رأس المصادر التي عنيت بالإنسان… ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا، في هذا الخصوص إن ما تم التنصيص عليه، مثلا، في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م، وفي العديد من الإعلانات والمواثيق التالية ذات الصلة بحقوق الإنسان، بشأن عدم جواز التمييز في المعاملة بين الأفراد لأسباب متعلقة بالجنس أو الأصل الوطني، أو العرقي أو الانتماء السياسي، ما هو إلا أمر كاشف عما نصت عليه، قبلا، هذه الأديان السماوية. إذ تلتقي الرسالات التوحيدية الثلاث: اليهودية، المسيحية والإسلام حول احترام الإنسان عامة، والدعوة إلى تحقيق الكرامة الإنسانية، والمساواة التي تعد أساس الحقوق جميعا.

ونأتي بهذا البيان بعرضنا لبعض النصوص التوراتية والإنجيلية المؤكدة لبعض الحقوق الإنسانية مع تسجيل بعض ملاحظاتنا بخصوص الفلسفة الحقوقية لكل من الديانتين اليهودية والمسيحية. وبالحديث عن الفلسفة الحقوقية في الإسلام باعتباره الدين الخاتم المصدق المهيمن الحافظ لتراث من سبقه واستمرارا له.

١) حقوق الإنسان في اليهودية

انطلقت التشريعات اليهودية من صحف موسى، عليه السلام، التي سماها القرآن بهذا الاسم في قوله تعالى: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى﴾ (الأعلى: 18-19)، ومن الألواح التي جاء ذكرها في سفر التثنية: “هذه هي الوصايا التي كلم الله بها وكتبها على لوحي الجبل وسلمها إلي”[6]، وقد تحدث عنها القرآن في عدد من السور والآيات، ومنها ما جاء في سورة الأعراف: ﴿وكتبنا له في الاَلواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء﴾ (الأعراف: 145). وفي الأعراف، أيضا، قوله تعالى: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ (الأعراف: 154).

والوصايا المشار إليها هي الوصايا العشر التي كلم الله بها موسى، وهي تتضمن احترام بعض حقوق الإنسان كحقه في الحياة الذي جاء في صيغة النهي عن القتل: “لا تقتل”، وحق صون الملكية الذي جاء في صيغة النهي عن المس به: “لا تسرق”، وفي صيغة “لا تشته بيت أحد ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لسواك”، وفي النهي عن الكذب الذي قد يرتكب لإنكار حق الغير وإضاعته أو الإسناد ظلم”[7].

(٭نقلًا عن مجلة الرابطة المحمدية – الدراسات المحكمة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق