مجتمع

الديانات السماوية وحقوق الإنسان (2)

د. محمد الناصري

وقد تضمن سفر التثنية العديد من الحقوق الإنسانية الأخرى من ذلك:

أ. الحقوق الدينية

الحق في البراءة الأصلية وعدم تحمل أوزار الغير “لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل”[8].

ب. الحقوق الأسرية

حق الوالدين في الإحسان إليهما وإكرامهما؛ “أكرم أباك وأمك كما أوصاك الرب إلهك لكي تطول أيامك[9]“.

ج. الحقوق الاجتماعية

حق الفقراء والمحتاجين في المساعدة والمواساة: “وإن كان فيك فقير، أحد من إخوتك… فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير، بل افتح يدك واقرضه مقدار ما يحتاج إليه”[10].

د. الحقوق الاقتصادية

حفظ الإنسان في حقوقه المالية وذلك بالنهي عن:

الربا: “لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة أو ربا طعام”[11].

الغش: “لا يكن لك في كيسك أوزان مختلفة كبيرة وصغيرة… وزن صحيح وحق يكون لك… كل من عمل غشا مكروه لدى الرب إلهك”[12].

الرشوة: “ولا تأخذ رشوة فإن الرشوة تعمي أعين الحكماء”[13].

ﻫ. الحقوق السياسية والمدنية

الحق في التنقل والهجرة: “تحولوا وارتحلوا”[14].

الحق في المحاكمة العادلة: “وأمرت قضاتكم في ذلك الوقت قائلا: اسمعوا بين أخويكم واقضوا بالحق بين الإنسان وأخيه ونزيله”[15].

الحق في المساواة: “للصغير كالكبير تسمعون، لا تهابوا وجه إنسان”[16].

الحق في الحرية: “أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية”[17].

الحق في التعليم: “وتحرص أن تعمل حسب كل ما يعلمونك”[18].

الحق في القصاص: “لا تشفق عينك، نفس بنفس، عين بعين، سن بسن، يد بيد، رجل برجل..”[19].

الحق في العمل: “ستة أيام تشتغل وتعمل جميع أعمالك”[20].

الحق في العطلة والراحة: “وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك، لا تعمل فيه عملا ما، أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وثورك وحمارك وكل بهائمك، ونزيلك الذي في أبوابك لكي يستريح عبدك وأمتك مثلك”[21].

بناء على ما سبق نؤكد أن اليهودية قد أسهمت بشكل كبير في ترسيخ قيم حقوق الإنسان من منطلق ما أوصت به من حقوق، وما دعت إليه من وجوب حمايتها من كل اعتداء.

غير أنه وفي اللحظة هاته يتوجب علينا الإجابة عن سؤالين مهمين حتى يتسنى لنا فهم منطق اليهودية في الدفاع عن حقوق الإنسان.

أولهما؛ هل شريعة موسى احتفظت بخاصية الرحمة والموعظة التي وصفها القرآن بها، أم اكتسبت صفات أخرى مناقضة لذلك؟

ثانيهما؛ هل الحقوق التي أقرتها التوراة مطلقة تشمل كل الناس، أم أنها خاصة ببني إسرائيل؟

الجواب عن السؤال الأول: بالسلب قطعا؛ إذ بقراءتنا لسفرين من أسفار العهد القديم، وهما سفر التثنية وسفر العدد. يتبين أن شريعة موسى تحولت من شريعة الرحمة كما وصفها القرآن إلى شريعة الإصر والأغلال والحرج والمشقة والأخذ بقوة والتشديد على الناس… وفي هذا اعتداء على حقوق الإنسان وحط من كرامته[22].

أما بخصوص السؤال الثاني: فإن ما أقرته اليهودية من حقوق للإنسان هي خاصة ببني إسرائيل من اليهود دون غيرهم، وليست شاملة لكل الناس، إذ تضمنت التوراة نصوصا، أخلت بإطلاقها وجعلت النص الأول منحبسا في قيود أفرغته من محتواه.

٢) حقوق الإنسان في المسيحية

على النقيض من هذا نجد المسيحية قد التزمت الوصايا العشر، وأضافت إليها مبادئ مسيحية جديدة، تدعو في عمومها، إلى تكريم الإنسان وحفظ حقوقه، وتحث على إقامة المحبة، ونشر العدل والتراحم بين الأفراد والجماعات وتشجع على المساواة والتآخي بين الناس، استنادا إلى المعتقد المسيحي القاضي بأن البشر إخوة انطلاقا من أبوتهم الواحدة وعن ذلك نقرأ في إنجيل متى: “إنهم جميعا إخوة، ولا تدعوا أحدا أبا لكم في الأرض لأن لكم أبا واحدا هو الأب السماوي”[23].

انطلاقا من هذا الاعتبار نجد المسيحية قد تكررت دعواتها بضرورة تمتيع الإنسان بحقوقه كاملة غير منقوصة، وللتدليل نورد النصوص التالية:

أ. الحقوق الدينية

حرية الاعتقاد: “أنا النور الذي جاء إلى العالم، فكل من آمن بي لا يقعد في الظلام، من يسمع كلامي ولا يعمل به، فأنا لا أحكم عليه، لأني جئت، لا لأحكم على العالم، بل لأنقذ العالم، من يرفضني ولا يقبل كلامي، له من يحكم عليه، رسالتي التي أنادي بها ستحكم عليه في اليوم الآخر”[24].

ب. الحقوق الأسرية

حق الزوج على زوجته: “كذلك أيها الزوجات اخضعن لأزواجكن حتى وإن كان الزوج غير مؤمن بالكلمة. تجذبه زوجته إلى الإيمان بتصرفها اللائق دون كلام، وذلك حين يلاحظ سلوكها الطاهر ووقارها[25]“، فسارة، مثلا، كانت تطيع زوجها، وتدعوه سيدي، والمؤمنات التي يقتدين بها يتبين أنهن بنات لها”[26].

حق الزوجة على الزوج: “وأنتم أيها الأزواج إذ تساكنون زوجاتكم عالمين لأنهن أضعف منكم، أكرموهن باعتبارهن شريكات لكم في وراثة نعمة الحياة لكي لا يعوق صلواتكم شيء”[27].

حق الوالدين على الأبناء إكرامهما والإحسان إليهما “أكرم أباك وأمك”[28]، “قال الله أكرم أباك وأمك، ومن لعن أباه أو أمه فموتا يموت”[29].

٣) الحقوق السياسية والمدنية

الحق في الحياة: عن طريق النهي عن القتل “لا تقتل”[30].

قال “يسوع للكتبة أسألكم سؤالا: أيحل في السبت فعل الخير أم فعل الشر؟ تخليص النفس أم إهلاكها”[31]، “سمعتم أنه قبل لآبائكم: لا تقتل فمن يقتل يستوجب حكم القاضي، أما أنا فأقول لكم، من غضب على أخيه استوجب حكم القاضي”[32].

الحق في العدل: “قال عيسى عملت عملا واحدا في يوم السبت فانزعجتم كلكم، موسى أمركم بالختان ولذلك فأنتم تمارسون الختان حتى في يوم السبت لئلا تخالفوا شريعة موسى… فهل تغضبون علي لأني شفيت إنسانا بكامله في يوم السبت لا تحكموا بحسب الظاهر بل احكموا بالعدل”[33].

الحق في المساواة: “فلا فرق بين اليهودي واليوناني لأن للجميع ربا واحدا”[34].

الحق في الحرية: “تصرفوا كأحرار حقا لا كالذي يتخذون من الحرية ستارا لارتكاب الشر”[35].

الحق في التعليم: فمثلا في إنجيل مرقس وحده وردت كلمة يعلم (15 مرة)، ودعي المسيح معلما (12 مرة)، ليس فقط من تلاميذه، وجموع الشعب، وإنما حتى من أعدائه والمقاومين له. من هذه النصوص، “تم خرج أيضا إلى البحر وأتى إليه كل الجمع فعلمهم”[36].

الحق في التعبير: “وكان كل سبت يناقش الحاضرين في المجمع لإقناع اليهود واليونانيين”[37].

الحق في العمل: “ولما جاء المساء قال صاحب الكرم لوكيله ادع العمال كلهم وادفع لهم أجورهم”[38] “إن العامل يستحق طعامه”[39].

الحق في الإرث: “ما دمنا أولادا فنحن أيضا وارثون”[40].

بالإضافة إلى هذه الحقوق فقد طبع تعاليم المسيحية عموما التسامح حيث نقرأ: “أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى مبغضكم، وباركوا لاعنيكم وصلوا واستغفروا للمسيئين إليكم. ومن ضربك على خدك فحول له الآخر”[41].

“والمحبة صنو المسيحية في مدلولاتها الاجتماعية والإنسانية، بدءا من حياة الطفل وتكوين الأسرة، لذلك ثمة تأكيدات على الكرامة الإنسانية، والحرية والمساواة بين البشر، ولا فرق بين الرجل والمرأة لأسباب جنسية، فكلاهما مدعو لتغيير وجه الأرض، وكلاهما كائن عاقل وحر”[42].

إجمالا، فالمسيحية كانت أكثر من اليهودية دعوة إلى احترام حقوق الإنسان، وحرصا على حفظ كرامته، إلا أنه وقبل إنهاء الحديث عن حقوق الإنسان في المسيحية ينبغي التأكيد هاهنا على ملاحظتين:

أولهما؛ أن الفلسفة الحقوقية في المسيحية عصية الفهم صعبة الضبط، فهي، وبالنظر إلى ما ذكر، قد تبدو مكرمة للإنسان محافظة على حقوقه في عقيدته واجتماعه، وفكره، ومعاملاته المادية والأخلاقية والأسرية. لكن بقراءة الأناجيل تصادفنا نصوصا عديدة تنقض نقضا صريحا تلك الحقوق وتلغيها.

ولاشك أن هذا التناقض بين نصوص الأناجيل بل الإنجيل الواحد مرده إلى التحريف والهوى الذي سيطر على قلوب أولئك الذين كتبوا تلك الأناجيل.

ثانيهما؛ أن الكنيسة، وخصوصا في العصور الوسطى[43]، كانت تمارس باسم الدين الوصاية على الدين نفسه وعلى الدولة، فاتسمت ممارستها بالظلم والقهر والتعسف والتطرف في كل شيء:

التطرف في الوصاية على الدين: باحتكار فهمه وتفسيره وزعم الاستمداد المباشر من الله أو من المسيح (صكوك الغفران، تكفير الخطايا، حجز مقاعد في الجنة…).

التطرف في السياسة: بامتلاك حق تعيين الملوك أنفسهم أو تنحيتهم وإقرار النظم والتشريعات التي تخدم مصالح الكنيسة أولا.

التطرف في الإقطاع: بامتلاك الأراضي الشاسعة والقصور الفخمة وآلاف الرقيق، وفرض الضرائب والمكوس والإتاوات.

التطرف في الانحلال الخلقي وشيوع مظاهر الإدمان والشذوذ إلى درجة وصلت معه الأوساط الفكرية إلى القول بأن رجل الجيش أرقى خلقا من رجل الدين.

ولحماية هذه الأشكال من التطرف عمدت الكنيسة إلى رصد مؤسساتها الضخمة المعروفة بمحاكم التفتيش المجهزة بكل أنواع التصفية والتعذيب لمتابعة وملاحقة المخالفين من رجال العلم والفكر والدين… بوحشية وهمجية شديدة ضاعت معها حقوق الإنسان.

أمام بشاعة جرائم الكنيسة وفظاعتها، وتعدد فضائحها كانت هناك ثورة عارمة وعلى كل الأصعدة، فجاء الرد بالتطرف ضد الدين وفي كل التيارات المادية والإلحادية التي ظهرت بحجم الاستبداد والطغيان والتسلط، وباختصار بحجم التطرف الكنسي ذاته مما قاد أوروبا لاحقا إلى ثورات متتالية تناولت بآثارها كافة مناحي الحياة، وأسست لعصر النهضة ولنشوء التيارات الإصلاحية ثم العلمانية”[44].

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق