آراء

كوكاسيات

"كورونا" يغتال الصحف الورقية ويبث الروح في "الهواتف البليدة"(3)

عبد العزيز كوكاس

تخيل منزلك بدون مرآة أو أي مرآة بديلة، مثل كاميرا الهاتف المحمول. تخيل أنك لا تستطيع أن ترى انعكاسك الخاص. تخيل الآن أن بلدك فقد مرآته الوطنية، ولا يمكنك أبدًا رؤية انعكاس صادق لما يبدو عليه”. وستكون النتيجة أسوأ بكثير مما نتخيل، فقد ظل توماس جيفرسون يؤمن بأن الصحف مؤسسة ديمقراطية أساسية إلى درجة أنها كانت البديل الوحيد للثورات العنيفة المتكررة: “إن هذا الرقيب الهائل للموظفين العموميين، من خلال استدعائهم اليومي إلى محكمة الرأي العام، ينتج إصلاحًا سلميًا، كان مفترضا أن يتم من خلال ثورة”.

واقع الصحافة الورقية اليوم أسِمهُ بسِمة الاحتضار.. إن الصحافيين الذين يعملون بالصحافة الورقية يعيشون وضعا صعبا مع ظهور الحامل الإلكتروني، ليس في المغرب وحده، بل على المستوى الدولي.. إنه قدر أعمى وأحمق الخطى؛ ذلك أن التطور الذي عرفته الوسائل التكنولوجية الحديثة ووسائط الاتصال الجماهيري، وشيوع الإنترنت التي وصلت إلى أبعد الدواوير في المغرب.. جعل المطبوع بشكل عام يشهد انتكاسا بينا لا تخطئه العين، وبالتالي يبدو لي أن مدراء نشر الصحف الورقية والصحافيين العاملين بها مثل فرسان دونكيشوتيين، يريدون الموت بشرف في معركة يعرفون أنهم سينهزمون فيها حتما، والدليل وجود صحف عالمية عملاقة اضطرت إلى إغلاق جرائدها المطبوعة.. إنه قدر لا نستطيع أن نغالبه أبدا!.

في موطن تقاليد قراءة الصحف الورقية والمطبوعات يحدث النزيف، فقد أنجزت الحكومة الكندية عام 2012 تقريرًا يتكهن بما قد تبدو عليه الديمقراطية في عالم ما بعد الصحف الورقية، وفي بريطانيا حذرت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي من أن إغلاق الصحيفة بعد الصحيفة يشكل “خطرا على الديمقراطية”.. رغم تقدمها مازالت الصحافة الإلكترونية موضع شك، لا من طرف الصحافيين التقليديين فقط، بل أيضا لأن التوازن والموضوعية وصياغة الأخبار من المعلومات المتداولة في وادي السليكون بمعايير مهنية مازال غائبا عند أغلب المواقع الإلكترونية، وكل ما فكرت فيه الدولة هو الجانب الأمني من ترويج الأنباء الزائفة والكاذبة أو تلك التي تضر عميقا بمصالحها، ولم نفكر كمجتمع في أي صحافة إلكترونية نستحقها كمغاربة، لأن الصحافة ستستمر والحامل الورقي هو الذي سينقرض.

الصحافة ابنة عصرها وستظل قائمة، بل إنها تعرف قمة انتشائها الكوني.. فكل شيء يمر بالصحافة، التي أصبحت عصب الاقتصاد والسياسة وشؤون المجتمع والإدارة، إنها قائمة، بل زادت اتساعا. لقد أصبحنا نتكلم عن صحافة مواطنة وصحافة الموبايل، وعن تحول كل مواطن إلى صحافي؛ فما إن يقع الحدث حتى ترى كل الناس يحملون شاشات هواتفهم ويسجلونه لحظة وقوعه طريا طازجا، ويتداولونه على فيسبوك وتويتر ويوتوب وباقي مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية ودمه على خده، حتى دون أن يمر من معمل الصياغة الصحافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق