سلايدرسياسة

الصادق المهدى: رحلة في العقل العرفاني الجريح (3)

خالد موسى دفع الله

تكشف سلسلة الكتب التوثيقية الهامة التي حررتها السيدة رباح الصادق بدقة عالية وحنكة في توثيق السيرة الذاتية والسياسية للصادق المهدى التي صدرت في خمس كتب مسلسلة حسب التدرج التاريخي انها قدمت اصدق صورة لتوجهات وخيارات الصادق المهدى السياسية وشرحت المتاعب التي واجهته، لعل أهمها أنه لم يكن يحكم منفردا بل مع شركاء متشاكسون كما قال حسب طبيعة الحكم الائتلافي الديمقراطي. لكن رغم هذه الحقيقة الساطعة فإن الغربيين لم يتعاطفوا مع سنوات حكمه، لأنهم اختاروا دعم الجانب الآخر من معادلة الصراع وهو جون قرنق وحلفائه من دعاة السودان الجديد والمشروع العلماني. لذا قال غازي صلاح الدين في كتابه عن “الإصلاح السياسي” أنه تفاجأ برد المبعوث الأمريكي الخاص دانفورث عندما طلب منهم الحياد لحل قضية جنوب السودان. فقال دانفورث ان أمريكا ليست محايدة في الحرب مع الحركة الشعبية بل تدعم الجنوبيين. وكما درج الدبلوماسيون الأمريكيون على القول في الاجتماعات الرسمية في ذلك العهد

We are not neutral but trying to be fair.

لسنا محايدين لكن سنجتهد لنكون منصفين.

لعل الصورة الذهنية للصادق المهدى في المخيلة الغربية ذات الاهتمام بالسودان تجعله في مقام الحفيظ على تراث المهدية لكن لم تهتم بجهوده التحديثية في كيان الانصار وحزب الامة، بل حاكمته على ما أسمته فشل فترة حكمه في الديمقراطية الثالثة. لكن سرعان ما استدركت خطأها مع تنامى ظاهرة الاسلام السياسي.

الإسلام والغرب بعد التفجيرات الارهابية:

عادت المؤسسات الغربية للاهتمام باجتهادات الصادق المهدى الإسلامية خاصة نهجه الوسطى المعتدل بعد انتشار الإسلام السياسى في المنطقة في مقارباته العميقة عن جدل الأصل والعصر.

ولعل أفضل نموذج للاستشهاد ليست جهوده في نادى مدريد أو منابر الوسطية الدولية لكن في المحاضرة القيمة التي قدمها في معهد الدفاع في الولايات المتحدة عن (الاسلام والغرب) عقب أحداث ١١ سبتمبر في العام ٢٠٠٢ وشاركت معه الزعيمة الباكستانية الراحلة بنازير بوتو. وقد كنت شاهدا وحضورا على مدى تقدير المعهد والمختصين والمهتمين لإسهامه الفكري.

ابتدر المحاضرة وهي عبارة عن سياحة فكرية جمعت بين السياسة والفلسفة والتاريخ ومحددات العلاقات الدولية والصراع الحضاري بقوله إن أحداث ١١ سبتمبر احدثت آثارا عميقة على المستوى الدولي مما يجعل إجالة النظر في العلاقة بين الإسلام والغرب أمرا ضروريا وحتميا.

قدم الصادق المهدى نفسه في هذه الندوة ليس بإرث عائلته التاريخي بل داعيا للحداثة والتوافق الوطني، اذ أكد ان كل افكار التسوية السياسية لقضية الحرب الاهلية في ادبيات حل النزاعات قدمها حزبه خاصة المواطنة بدلا عن الهوية الدينية. وقال رغم انه ينحدر من سلالة تاريخية مرموقة ارتبطت بالتحرر الوطني والحكم في تاريخ البلاد الا انه قرر العمل في السياسة وقاوم ثلاث ديكتاتوريات.

وقال الصادق عن نهجه السياسي أن جده الإمام عبد الرحمن نجح في تقديم نموذج تحديثي معتدل من نسخة الثورة المهدية، وأنه بعد تسلمه زمام القيادة توسع في تحديث الكيان كمنظومة سياسية حديثة وجعل اتخاذ القرارات أكثر ديمقراطية.

انتقد الصادق في الندوة تفكير النخب الغربية في التعامل بأسلوب رد الفعل على أحداث ١١ سبتمبر بما في ذلك الاحتفاظ بالوضع القائم حينها مع استخدام القوة والأدوات العسكرية الخشنة للانتقام دون الدخول في نقاش عميق حول أسباب ودوافع تلك الهجمات. وعضد منطقه باستشهاد من أدب شكسبير بأن المزايا في طي البلايا أو المنن في طي المحن مما يعنى ضرورة التعامل مع هذه المأساة والازمة بانها وفرت سانحة للمراجعة والتأمل والبحث عن الاسباب الحقيقية للظاهرة.

أن ما ذكره الصادق المهدى في هذه الندوة يجد أصداء في كتاب المستشرق اليهودي الراحل برنارد لويس في كتابه (ما الخطأ) What went wrong

وقد حملت المناظرة الفكرية التي جمعت برنارد لويس ومحمد أركون في مكتبة الكونجرس في العام ٢٠٠٣ تقريبا إلى إعادة التساؤل حول ارتباط العنف والارهاب بالحضارات، عندما قال لويس ما الخطأ والمسلمون يرتبطون بالعنف والحضارة الإسلامية تشتبك في مشتركات إنسانية مع الحضارة الغربية. وكان تساؤل أركون ما الخطأ الذي جعل الحضارة والمدنية الغربية تحصد أرواح الملايين من البشر في الحرب العالمية الثانية. والعالم الإسلامي كان ضحية للحرب ولم يكن جزء منها أو سببا فيها.

أكد الإمام الصادق المهدى في الندوة أن الاستدلال بحديث بعض الأئمة وعلماء الإسلام أن تفجيرات ١١ سبتمبر هي عقاب سماوي لأمريكا، قاله ايضا كبار القساوسة ورجال الدين الغربيين مثل القس جيري فاويل في امريكا نفسها. وانتقد الامام في عرضه أطروحة صراع الحضارات لهنتجنتون وقدم استدراكات مهمة عليها مثل أن طالبان أو القاعدة لا تمثلان سهم الإسلام في الصراع الحضاري القائم. كما اعترض أيضا على نهج بعض الساسة في الغرب الذين يدعون لمواجهة الأزمة الأمنية التي خلقتها التفجيرات بالوسائل العسكرية وأدوات القهر والجبر والاكراه. ووصف بوضوح هجمات ١١ سبتمبر بأنها فعل سياسي استخدم العنف والإرهاب كوسيلة للتعبير والاحتجاج ومحاولة لتسويغ ايدلوجيا معزولة للأقلية الدينية لتبرير الإرهاب. وقدم تعريفا للإرهاب تجاوز فيه استخدام العنف لتحقيق غايات سياسية ليشمل توظيف ارهاب الدولة بواسطة الانظمة الدكتاتورية لإكراه وتعذيب المدنيين العزل.

ثم عرج في محاضرته القيمة إلى استعراض الآيات الواردة في القرآن الكريم عن التسامح والتعايش واحترام الآخر المخالف، وناقش آيات السيف التي عدها البعض أنها نسخت آيات الاسماح حسب التعبير الجمهوري. وقال انه فصل كل هذه الرؤية في كتابه جدل الأصل والعصر وكتابه الذي صدر باللغة الانجليزية بعنوان The Dialectics of Identity and Modernity

وقال ان كل الفتاوى الصادرة من العالم الإسلامي في هذا الصدد كانت رد فعل لنزعة المغالاة في معاداة الدين الإسلامي.

وانتقد السيد الإمام المركزية الغربية دون أن يسميها مشيرا أن فشل الغرب في الاعتراف بالإسلام مقابل فرضية تفوق المسيحية كدين وحاضنتها الحضارة الغربية أصبح أمرا مفروغا منه، وهو ما عزز من رد الفعل الغاضبة والمناهضة من قبل المسلمين.

مذكرا بأن كثيرا من مفكري الغرب مثل ارنولد تونبي طالبوا بأن يعترف الغرب بأن حضارته هي أبنة التعددية الثقافية وليست فعلا أوروبيا محضا.

وفي مقاربته لتعضيد أطروحة تونبي حدد ثلاثة مصادر للحضارة الغربية اولها نابع من داخل الثقافة الغربية الأوروبية. ثانيا ثورة عصر التنوير، وثالثها أن الحضارة الغربية هي ثمرة لتراكم الخبرة والمعرفة الإنسانية من جميع أنحاء العالم التي تتمثل في حرية البحث العلمي، الحريات الشخصية والعامة، وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر وغيرها. لذا تبنت المجتمعات الإنسانية في العالم هذه القيم والمنتج الحضاري الإنساني حسب جذورها الحضارية وخصوصيتها الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق