سياسة

حول الفشقة وحلايب بلا معايير مزدوجة …

د. النور حمد

لا مشاحة إطلاقا في مسؤولية قواتنا المسلحة عن تفكيك البؤر الاستيطانية الإثيوبية في منطقة الفشقة في حدودنا السودانية الشرقية، وتنظيف المنطقة من سيطرة العصابات، التي هي عصابات أجنبية تنشط خارج حدود بلادها. بل لقد تأخر هذا العمل بأكثر مما ينبغي بكثير. فقد ظلت العصابات المسلحة الإثيوبية تعيث فسادا في هذه الرقعة من الأراضي السودانية، على مدى عقود طويلة، ظللنا نسمع خلالها، وباستمرار، عن مقتل مزارعين سودانيين بواسطة هذه العصابات. ولقد كادت منطقة الفشقة التابعة للسودان، وفقا لما تثبته الخرائط الدولية، أن تصبح أرضا إثيوبية بوضع اليد. ولا بد أن نعترف أن الإتجار بالأراضي من جانبنا، نحن السودانيين، قد أسهم في مفاقمة هذه الحالة الاستيطانية الأجنبية. فقد درج كثير من ملاك الأراضي في منطقة الفشقة على إيجار أراضيهم للمزارعين الإثيوبيين، منذ عقود كثيرة، لقاء أسعار مرتفعة، يبدو أنها كانت الطعم الذي أسال لعاب هؤلاء المزارعين. فقد وجدوا، فيما يبدو، أن تأجير تلك الأراضي للإثيوبيين، أدر للربح لهم من لو أنهم زرعوها. وواضح أن في هذه الممارسة الخاطئة تفريطا في السيادة الوطنية. ولابد أن بعض التنفيذيين الذين تعاقبوا على إدارة تلك المناطق منذ عقود طويلة يعلمون هذه الممارسة الخطيرة. لكنهم غضوا عنها الطرف نتيجة للغفلة وضعف الكفاءة واللامبالاة تجاه المخاطر المترتبة عليها، أو ربما لوجود فساد إداري، وقفت وراءه الرغبة في التكسب بالحصول على نسب من تلك الإيجارات. وإلا كيف يسمح لمزارعين أجانب بالزراعة في الأراضي السودانية من وراء ظهر الدولة المركزية؟

حسنا أن وصل الجيش السوداني إلى الخط الحدودي الفاصل بين السودان وإثيوبيا وأحكم سيطرته على المنطقة. ونرجو ألا يكون في هذا ما يشعل حربا مفتوحة بين البلدين الجارين. وأتمنى أن تتفهم إثيوبيا ما جرى، ولا تتجه نحو مواجهة عسكرية، وتفوت بذلك الفرصة على كل من يريد أن يستثمر بخبث في هذه الأحداث. كما ينبغي أن نوقف نحن من جانبنا نزعات دق طبول الحرب، وإثارة روح العداء بين الشعبين. فالأمر ليس أكثر من فرض الدولة السودانية سيطرتها على أرض هي أرضها بموجب الوثائق الدولية، وقد ظلت مستباحة بغير حق، وتتحكم فيها مليشيات أجنبية مسلحة سلاحا بعضه يدخل في عداد الأسلحة الثقيلة. وحتى هذا اللحظة لم تدق إثيوبيا طبول الحرب ضد السودان، رغم مما يقال إنها حشدت قواتها على الحدود.

كان الأفضل في تقديري أن يتم إجراء فرض السيطرة على تلك الأرض السودانية من غير فرقعة إعلامية. هذا إن كان لابد من فرضها في هذا التوقيت بالذات، لأي اعتبارات تتعلق بالظرف الموآتي. ومن الضروري قفل الباب على من يحبون الصيد في الماء العكر، خاصة مجندي المخابرات المصرية في وسائط التواصل الاجتماعي. الذين نشطوا الآن في إيغار الصدور وتأجيج الفتنة، وتصوير الأمر وكأن الجيش السوداني قد سحق الجيش الإثيوبي. وكذلك إغلاق الباب على القوى الخارجية في الإقليم، والقوى الداخلية، التي ترى أن في إشعال حرب خارجية للسودان فرصة ذهبية لكي يستولي الجيش على السلطة، ويقضي على كامل استحقاقات الثورة، والوثيقة الدستورية، جملة وتفصيلا، بحجة حماية أمن البلاد.

مع أنني أقف بالكامل مع حقنا في استرداد أراضينا، إلا أن شعورا مبنيا على عديد الملابسات يتملكني، وهو أن في حدوث هذه الهبة، في هذا التوقيت، ما يريب. ولسوف تظهر الأيام المقبلة صحة هذا الشعور من خطئه. يضاف إلى ذلك، فإن مما يفاقم الريبة، في هذه الهبة العارمة للسيطرة على الفشقة واستئصال البؤر الاستيطانية منها، أن صمتا كاملا يسود فيما يتعلق باحتلال حلايب بواسطة مصر منذ عام 1995. هذا على الرغم من أن حلايب التي ظلت تابعة للسودان منذ ترسيم الحدود في بدايات القرن العشرين، وقد جرى احتلالها عسكريا بواسطة مصر ردا على محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك، وجرى رفع العلم المصري عليها واستتبعت تماما للإدارة المصرية. وقد شرعت مصر منذ احتلالها في استغلال ثرواتها المعدنية والسمكية والسياحية وغيرها. بل قامت بمحاولات جادة لمصرنتها والإغداق على وجهاء العشائر فيها، وعلى عموم مواطنيها السودانيين، تحبيبا لهم في التبعية لمصر. فلا ينبغي إطلاقا أن يكون لنا معياران فيما يخص الاعتداء الأجنبي على أراضينا. ومسألة حلايب واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج منا إلى تحريك الجيوش، وإنما اللجوء إلى التحكيم الدولي، فالخرائط الدولية في جانبنا. فما الذي يبرر هذا التراخي المتطاول في هذا الشأن؟ فهل يا ترى أصبح القطر السوداني منصاعا بالمطلق للإرادة المصرية، حتى فيما يتعلق بسيادته على أراضيه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق