سلايدرسياسة

الصادق المهدى: رحلة في العقل العرفاني الجريح (4)

خالد موسى دفع الله

وفي حديثه عن آثار العولمة قال إن توزيع الثروة والقوة الاستراتيجية أضعفت العالم الثالث لصالح القوى الكبرى وان تنمية (الجنوب) العولمي لا يمكن ان يترك لقوى السوق فقط. داعيا الغرب لانتقاد نفسه والنظر لغبن الدول الفقيرة في ظل توجهات العولمة الشرسة.

لعل الجزء الأهم من الندوة والذي تحدث فيه الإمام الصادق المهدى بشجاعة في معهد الدفاع بفرجينيا وفي حضور عدد من الدبلوماسيين والباحثين وجنرالات البنتاغون وخبراء وضباط محاربة الارهاب في الوكالات المختلفة، تحدث فيه عن قضية فلسطين وأنها جزء من أسباب تغذية ظاهرة الإرهاب خاصة في ظل التماهي والدعم الأمريكي لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية واغتصاب الحق الفلسطيني. لذا لم يكن غريبا أن يتصدى الإمام في آخر عمره لدعاوى مشروع تطبيع السودان مع إسرائيل في إطار الاتفاق الإبراهيمي وقد أصدر ورقة مشهورة فصل فيها موقفه موردا الشواهد والمنطق والتاريخ.

وكشف الإمام في محاضرته تلك كيف انه حاول مع صديقه أحمد مختار امبو مدير اليونسكو الاسبق التوسط لحل أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران عام ١٩٧٩. وقال انه خلال رحلاته المكوكية للتوسط بين واشنطن وطهران وجد تمنعا إيرانيا قويا اعترف بمبرراته وزير الخارجية الأمريكي جورج شولترز. كما اعترف به كتاب أمريكيين مثل مارك كيرتز في كتابه (غموض القوة) بقوله إن قضية الرهائن الأمريكيين في طهران هو رد فعل على تدخل أمريكا في إيران وصنع انقلاب ١٩٥٣ على مصدق ودعم نظام الشاه الديكتاتوري. كما تحدث مستشهدا أيضا بالتدخل الأمريكي في أفغانستان وان ظاهرة العرب الأفغان التي أنتجت بن لادن هي نتيجة طبيعية لدعم أمريكا للمجاهدين العرب أثناء فترة الغزو السوفيتي.

قال لم يكن بن لادن أو طالبان هما من صنع أمريكا مباشرة بل نتيجة لسياسة العزل بدلا من حكمة الاحتواء.

واستشهد بكتابات بعض المفكرين الاتراك عن احتمالات زيادة الحركات المتطرفة في تركيا إذا استمرت سياسة عزل الاحزاب الإسلامية والعمل على دعم النظام العلماني المتطرف في تركيا. ولعل في وصول اردوغان إلى سدة الحكم تصديقا لرؤيته النقدية بعد عقد من الزمان منذ قيام هذه الندوة.

وفي رسالة مباشرة وجهها للأمريكان قال ان جزء من الأزمة يكمن في النقد الموجه للنظام الأمريكي وهو ان امريكا ديمقراطية في الداخل وداعمة للديكتاتورية في الخارج.

وان الترياق لمناهضة الإرهاب هو بسط الديمقراطية وترسيخ دولة القانون. وان الغرب يفضل التعامل مع الأنظمة الديكتاتورية لان الديمقراطيين اقل مساومة على المصالح الوطنية ويسعون لعلاقات متساوية ومصالح مشتركة عن طريق التفاوض.

لعل الإمام الصادق المهدى يشير في هذه النقطة إلى موجدته الشخصية عن ازورار أمريكا عن دعمه ومساندته أثناء توليه منصب رئيس الوزراء في الديمقراطية الثالثة (١٩٨٦-١٩٨٩)

وكما ذكرت في صدر هذا المقال فإن تأثير واشنطن على توجهات وسياسة الصادق الخارجية كانت ضعيفة للغاية، ولعل أوضح تجليات هذا الموقف رفضه لمقترحات الوفد الأمريكي الذي التقاه سرا مرتين خارج السودان. ولا شك ان ثقته في نفسه وحرصه على استقلال قراره الوطني كانت سببا في هذه الفجوة مع واشنطن التي سعدت لنهاية نظام حكمه لعلاقاته الممتدة مع ليبيا وإيران حينها.

وقال الإمام في الندوة أنه توقع في كتابه (تحديات التسعينات) استمرار حالة الحرب الباردة وانقسام العالم إلى فسطاطين. من يملكون الثروة والقوة وأسلحة الدمار الشامل في جانب. وفي الفسطاط الآخر يقبع الضعفاء الذين لا يملكون. وسيسعون لمقاومة هذه الهيمنة بوسائل شتى مثل تفشى الإرهاب وزراعة ونشر المخدرات والهجرة غير الشرعية واختلالات في السياسات الصحية والمناخية وغيرها.

في الختام قال انه يقدر توجهات المجتمع الأمريكي ونزوعه نحو التدين والمثالية. وان أمريكا التي استطاعت أن تشكل مستقبل العالم بعد الحرب العالمية الثانية وساهمت في إنقاذ أوروبا واليابان وانتصرت على القطب الشيوعي السوفيتي، فإن أمريكا تستطيع أن تقود العالم لمواجهة التحديات الجديدة لكن بعد إعادة النظر في اختلالات خيارات سياساتها السابقة، وأن مقدرات الدولة الأمريكية يجب أن تتخطى حاجز المصالح الصغيرة واهداف اللوبيات الضيقة لخلق نظام دولي يتسم بالعدالة والفاعلية.

حظيت ورقته التي قدمها في الندوة باحتفاء ظاهر واهتمام بالغ من قبل الحضور. ورغم حديث الزعيمة الباكستانية الراحلة بنازير بوتو الا ان الاهتمام كان منصبا على ورقة الامام لأنها جاءت صريحة وواقعية وحمل فيها الولايات المتحدة بعض المسئولية في تنامى ظاهرة الارهاب خاصة انحيازها الاعمى للدولة الاسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية العادلة وقدم في الورقة سياحة فكرية وسياسية مهمة.

لعل أبرز سمات الورقة التي قدمها الإمام الصادق المهدى في معهد الدفاع عقب أحداث ١١ سبتمبر أنها لم تكن اعتذارية ولم يفرط في جلد وتقريع الذات بل تحدث بندية فكرية داعيا أمريكا لعدم الانجرار والتعامل برد الفعل بل دراسة أسباب الظاهرة.

اهتمام الاكاديميا بالقوانين الإسلامية في السودان:

اهتم معهد موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في جامعة تل أبيب بإسرائيل بدراسات السودان التاريخي والمعاصر خاصة المهدية وحركات الإسلام السياسي في السودان. وقد أصدر المركز عام ١٩٩٩ دراسته الشهيرة التي أعدها د. فيسبورد عن ( التعإلىم السياسية والدينية عند حسن الترابي) ، كما اصدر دراسته الاشهر عن القوانين الاسلامية في السودان وتطبيق الشريعة في عهد نميري التي أنجزها الدكتوران أهرون لايش الأستاذ بالجامعة العبرية وغابيريل واربيرغ الأستاذ بجامعة حيفا، وهو باحث مهتم بالسودان حيث سبق وأن أصدر كتابا عن ( القومية الإسلامية والشيوعية في مجتمعات تقليدية. دراسة حالة السودان).

ظلت دراسة عودة القوانين الإسلامية في السودان سمنارا أكاديميا راتبا في الجامعة العبرية تحت اشراف الدكتور لايش، لكن ما يهمنا في هذه المقاربة هي النظر في قضايا الأسلمة وتطبيق الشريعة عند الصادق المهدى.

ترجح الدراسات السائدة ان كل مشروعات الأسلمة عبر تاريخ السودان الحديث تستمد إلهامها ونموذجها الاول من الفترة المهدية، لكن يعتبر الصادق المهدى أن المهدية كانت عبارة عن جسر يربط بين السنة والشيعة ومذاهب التصوف والفقه المتعددة. وانا اعتقد ان اهم اجتهادات الإمام هي تخريجه وتحريره المهدية من سياقها العقدى إلى (المهدية الوظيفية) اى ان النظر للمهدية يجب ان يتم من خلال وظيفتها في البعث والاحياء الديني وليس من خلال النظر في الادلة والجدل الفقهي حول حقيقتها. وقد توسع في هذا المبحث في كتابه ( يسألونك عن المهدية).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق