سياسة

المجتمع السياسي في السودان وخيارات النخب الاستراتيجية … ودورها في التحول الديمقراطي

ابراهيم مختار علي

قبل أسابيع مرت الذكرى الثالثة لثورة ديسمبر المجيدة، التي مهرها شباب وشابات السودان بدمائهم وأرواحهم، ولا يخفى على أحد أن طريق الثورة ليس ورديا؛ بل ملئ بالتحديات والعقبات، ولكنها كلها تهون في سبيل تحولا ديمقراطيا يرسخ نظاما سياسيا ديمقراطيا يوفر استقرارا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ويحقق سلاما مستداما، تنعم به البلاد والعباد.

وللسودان تجارب ديمقراطية سابقة كانت رغم هشاشتها ولكنها تعتبر الاولى على مستوى العالم العربي وتجارب الربيع العربي في العقد الأخير، مهما كان يشكل ذلك بذورا للتطور الديمقراطي وترسيخ التجربة، وذلك يعتمد على عدة عوامل تحدث عنها علماء السياسة المتخصصين في الانتقال الديمقراطي وفقا لدراسة عدة تجارب ديمقراطية نجحت في التحول الديمقراطي.

وتعد خيارات النخب السياسية الاستراتيجية المؤيدة للتحول الديمقراطي (توافق حد الادنى على مشروع وطني) من أقوى عوامل نجاح التجارب الديمقراطية وترسيخها.

صحيفة إيلاف طرحت هذا السؤال لعدة باحثين ومثقفين ومهتمين بالشأن السوداني فكانت إجاباتهم على هذا النحو.

تأخر النخب لنحو عقدين على الواقع

يقول الاستاذ عمر البشير الترابي رئيس التحرير بمركز المسبار للدراسات والبحوث غائصا في ذلك الشأن وسابرا أغواره:”الخيارات الاستراتيجية للنخب تحتاج إلى تأمّل؛ لتقويم مساراتها، ولتحويلها إلى خيارات تقدّم حلاً لمشكلة السودان؛ فالنخبة المفكرة مطالبة بأنّ تتقدم على الواقع بعقد أو عقدين، دائماً. ونحن في السودان، ربما نكون متأخرين على الواقع، بعقدين على الأقل، لذلك نعيد إنتاجه سياسيًا واجتماعياً، ولا يكون الخروج من هذه الدائرة، إلا بالتفكير في طريقة التفكير، والتفكير في قيم التفكير، والتفكير في مآلات التطبيق، وتقييمها؛ لا للتأثير فيها، بل لفهمها أولاً، والاستفادة من تجربتها ثانياً، ثم نترك للسياسي الإفادة منها”.

الثابت المهيمن في التفكير في السودان؟

وأضاف الأستاذ عمر :”تتسم التعبيرات السياسية واللحظية اليوم، بقشوريّة وسطحية انفعاليّة، ولكنها متفهَّمة؛ إذ مَثَّلَت العقود الأخيرة في الوعي السياسي والثقافي السوداني، موجات قصيرة بإيقاع مضبوط، تتكرر، ولما يتسنّ لها أن تكتمل في أي مسار. ولا يبدو اتهاماً قاسياً أن نحكم بأن كل المشاريع الفكرية في السودان: ناقصة، أو قصيرة تجربة؛ فهي تصطدم بالواقع القويّ وتغرق في دواماته؛ فتلجأ إلى التخلي عن المُثل الفكرية وتنخرط في البراغماتية. وسبب هذا أنّ المدرسة الفكرية التي تبناها المفكرون في السودان؛ هي تخيّل المُثل والصواب والخير، وتنزيله على الواقع بالقهر. ولم يتم التفكير في العكس من ذلك: دراسة الواقع أولاً والاعتراف به؛ ثم استنبات الخير الذي فيه، بمعاييره هو، وهذا متفهّم أيضاً ، ويظلّ الثابت المهيمن في التفكير في السودان؛ هو الرغبة في التغيير، دون الدخول في الحديث عن التغيير نفسه، ومآلاته”.

أكبر النظرات الاستراتيجية:

وأردف الاستاذ عمر قائلا:” وفي مساحات كهذه، تبدو أكبر النظرات الاستراتيجية مجرد نظرة إلى الأعلى فالأسفل، فالاستسلام للواقع، وتقعيد هذا الاستسلام، قد يقول التاريخ إنّ نضوج الأفكار يحولها إلى تيارات للحفاظ على القديم، وأخرى لبناء الجديد والتحرر من القديم، وأخرى تصالحية ومصلحيّة تكمن في الوسط، وهذا التقسيم لا يرتبط بخيرية؛ فالخير محض الخير ليس في اليمين أو الوسط أو اليسار، وإنما تحدد هذه التقسيمات: “المصلحة”؛ المصلحة بمعناها الروحي الهوياتي والمادي النفعي والسياسي السلطوي التحكمي”.

أن يستولي المثقف على الأمد:

وزاد:” لو أحسن الناس قراءة التاريخ، فإنّ الخيارات الاستراتيجية للنخب على امتداد عشرية مقبلة، ستتمحور في بناء نظريات لهذه المحاور، وسترتبط بأنماط الإنتاج والانحيازيات لها، إلى أن يتهيّأ في داخل كل معسكر حركة سياسية اجتماعية فكرية، تحاول أن تعوّض الزمن المفقود، ليحدث التزامن؛ بين واقع الحال، وتصور السياسي. والشرط هنا: أن يستولي المثقف على الأمد، كما يقول النابغة”.

مشكلة السودان هي أدوات العمل الجماعي الناجز

ويقول الأديب عماد البليك ساردا رؤيته حول خيارات النخب:” في البدء يجب ان نحدد ماهية النخب الاستراتيجية في السودان حيث أننا امام عدم وضوح في الاصطلاح نفسه، لكن إذا افترضنا انهم سياسيون ومفكرون ومثقفون واداريون الخ.. فالإجابة قد تكون مبدئيا لا من حيث النتيجة الكلية وليس القناعات الفردية في بعض الأحيان. فمشكلة السودان هي أدوات العمل الجماعي الناجز، الذي يحرك الأفكار والمشاريع وينقلها لحيز الواقع. بنية التفكير النخبوي عند البعض عالية غير انها تشتغل منعزلة عن الكل”.

وواصل البليك قائلا:” الجانب الثاني يتعلق بالديمقراطية وفكرها وإحداثها في المكان، وهذا موضوع معقد لأن تعريف الديمقراطية المرتجاة غير واضح كما أن ممارستها وفق السياقات الغربية يعني فشلا في إعادة إنتاج الأنظمة الاجتماعية والتقاليد التراثية، فالأحزاب التي قد تكون ذات منحى حداثوي سرعان ما ستفشل، برغم ان الثورة السودانية مفترض أنها عملت على تغيير الوعي وهذا مشكوك فيه إلى اللحظة”.

المتغلب دائما السؤال حول من يحكم؟

وعلى صعيد ذي صلة يقول الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى ياسر زيدان:” ‎ان تاريخ السودان الحديث يخبرنا ان النخب السودانية دائما ما غلبت مصالحها الشخصية والأيدولوجية على مشروع وطني ينقل السودان الي مصاف الدول الديمقراطية الناجحة. ودائما ما كان السؤال حول من يحكم متغلبا على كيفية حكم السودان. في حالات الانتقال تصبح المسؤولية أكبر على النخب لصياغة مشروع سوداني يتفق فيه السودانيون على الحد الأدنى خصوصا وان أوقات الانتقال تكون أكثر عرضة للمهددات الأمنية والاقتصادية. ولعل قدر السودان في تاريخه منذ الاستقلال أن نخبه دائما ما كانت أقل من مستوي التحدي ومستوى المشروع الوطني”.

وفي هذا الصدد يقول الاستاذ زين العابدين عمر الباحث في الشأن السوداني ومؤسس الحركة السودانية المركزية للنمو والوحدة والحرية :”  وصف المرحوم منصور خالد النخب السودانية بإدمان الفشل ، و يصف د. النور حمد عقلياتنا السائدة في النخب و غير النخب ، اي العقل السوداني السائد ، يصفه بالعقل الرعوي

وفي رأي المتواضع عن هذه الأوصاف هي أوصاف الظاهرة فقط، اي ظاهر الجبل الجليدي وليس جذره الأكبر”.

وأضاف الأستاذ زين العابدين: „في لحظات الاستقلال المجيدة، كانت حمولة مثقفي الثلاثينات قد افرغت تماما وأصبح التكالب على المناصب قد اشتد وذلك بجاذبية قواعد الأكثرية الطائفية، فتفرغ كثير من النخب في تلك الأحزاب لضمان موقع في الحياة السياسية القادمة”.

إعادة التأسيس لكياننا السوداني

وفصل قائلا:” كما أوردت كل هذا التحليل هو ظاهر الجبل الجليدي وليس جذره، هذه الظاهرة التي لازمت النخب جعلت بوصلتها منحرفة تجاه الخيارات الاستراتيجية، ايضا من ادعي تمثيل القوي الحديثة يسارا أو يمينا فشلت كل محاولاتهما، تارة بوصف قوانا التقليدية بأنها رجعية متخلفة اجتماعيا أو حتى دينيا 

هذا الانحراف حرم ثوراتنا السودانية وآخرها ثورة ديسمبر المجيدة من وجود نخب فلسفية ثورية قادرة على تقديم رؤية استراتيجية، لأن مطلوب اللحظة التاريخية الراهنة هو (إعادة التأسيس لكياننا السوداني) و علي أسس استراتيجية و علي أسس العولمة الراهنة، و التي تستند علي شراكات عابرة للقارات توفر الطاقة و التكنولوجيا و اسرار الصناعة عندها فقط سنتجاوز عقلياتنا و تتغير عقليتنا الناتجة من انعكاسات اقتصادنا التقليدي الرعوي الزراعي “.

ضرورة تمثيل قوى الثورة داخل نظام وحدة وطنية دستورية

وختم الاستاذ زين العابدين حديثه:” قد غاب عن نخبنا التفكير الاستراتيجي و لم تستخدم التحليل النقدي لمعرفة محركات مجتمعنا و لم تدرك جدلية قوانا الحديثة في وجود أغلبية تقليدية ناتجة من منعكسات اقتصاد تقليدي و لم تجتهد في ضبط القوتين، و لم تدرك أن مطلوبات اللحظة الثورية الراهنة يتمثل في توسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار و ايضا في ضرورة تمثيل قوي القوي الحديثة منتجة الثورات و ذلك عبر تقنين وجودها دستوريا داخل نظام وحدة وطنية دستورية “.

لا توجد رؤية سياسية لما نستقبل من تحديات

ويقول الدكتور محمد احمد فقيري متناولا التشكيلات السياسية ما بعد الاستقلال  :”النخبة السياسية التي تشكلت في أفق مؤتمر الخريجين وتحالفت مع الطائفية أو تلك التي نادت بالتحديث وفق منظور ماركسي أو حركي إسلامي كلها تعاني من التصدع والتوهان بين يدي تشظي الدولة المركزية الموروثة من المستعمر، لذلك تجدها عاجزة عن مجابهة الواقع بعد زوال الإنقاذ فهي ماتزال تستخدم ذات الأدوات القديمة في العمل السياسي، مثلا الشيوعي ما يزال يستخدم النقابة  كأساس لفعله السياسي بينما الإسلاميون يركنون إلى الجيش الذي باع مشروعهم منذ العام1999 فيما عرف بالمفاصلة الشهيرة كذلك الأحزاب الطائفية تعاني من تضخم التسيس للقبيلة خاصة مع الحراك المسلح لما عرف بالهامش، ببساطة يمكن القول بأن سودان ما بعد الاستقلال قد انتهى تماما  لكن للأسف لا توجد رؤية سياسية لما نستقبل من تحديات لدى كل أطياف الفعل السياسي.

ويبقى الحلم السوداني

ويبقى حلم السودانيين في التحول الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية معقودا في الوعي الاجتماعي ثقافة وممارسة؛  الذي بدوره ينتج نخبا سياسية استراتيجية تؤسس لنظام سياسي ديمقراطي راسخ ،  يحفظ السلام و يضمن الرفاه الاقتصادي الذي يكفل حياة كريمة لكل المواطنين بجميع اتجاهاتهم الفكرية والسياسية ومناطقهم الاقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق