مجتمع

محرّكات الأصولية الإسلامية (1)

مارسيل غوشيه

ترجمة: جهاد الحاج سالم

[نشر هذا النصّ بالفرنسيّة تحت عنوان « Les ressorts du fondamentalisme islamique »، في العدد 185 من مجلّة “جدل” (Le Débat) الصّادر في الفصل الثّالث من سنة 2016.]

ملاحظة:

هذا النصّ عبارة عن تفريغ لحلقة دراسيّة ساخنة مرتجلة تحت صدمة هجمات السّابع والتّاسع من يناير الماضي، مسعاها الاستجابة إلى تحدي استغلاق الفهم، وحدودها رهن هذا الهدف. فلا طموح لها سوى فتح منظور من البيّن أنه يقتضي الكثير من التدقيقات والمزيد من التطويرات.

إنّ الدّين بصدد التحوّل إلى أكثر شؤون العالم استغلاقاً علينا، نحن معشر الأوروبيّين في مستهلّ هذا القرن الواحد والعشرين.

وقد قدّمت لنا ردود الفعل على هجمات باريس في شهر يناير الفارط شهادة صارخة عن ذلك. فمن جهة أولى، رصدنا ردّة فعل غرائزيّة ورائجة بقوّة، فحواها انكار الدينيّ، فالأمر لا علاقة له بالدّين! كما يُستبعد أن يكون الدّيني المحرّك الحقيقي لأفعال من هذا القبيل، ولا بدّ من وجود بواعث أمتن وأقوى، إذ أنّ الدين لا يعدو في الأكثر مجرّد تعلّة، أي عقلنة سطحيّة قياساً بدوافع أخرى محدّدة لا يُمكن أن تكون إلاّ من طبيعة اجتماعيّة اقتصاديّة، مثل الفقر والتهميش والإقصاء، وباختصار “الفصل العنصري” كما اختزل الأمر رئيس الوزراء [الفرنسي] على نحو أخرق بقدر ما هو معبّر. ثمّ، من جهة أخرى، ردّة فعل أكثر تدبّراً في مسار العالم وإلماماً بشؤونه وإدراكاً للشأن الدّيني، لكنّها مفتقدة في نهاية المطاف إلى التبصّر المطلوب.فقد اتخذ هذا الادراك شكل نقد ذاتي مفاده: لقد اعتقدنا سابقاً في انتصار التنوير الغربي، وكنّا مخطئين في ذلك. وها هو الإيمان يصحو في جلّ الأصقاع، إلى حدّ بات فيه الارتداد الأوروبي عن الاعتقاد استثناءً على وجه المعمورة. وها نحن نتلقّى صفعة “عودة الدّيني” الذي يكسر خيلاءنا نحن معشر الحداثيّين. بيد أنّ إدراك هذه الصّحوة لا يفسّر في حدّ ذاته التوجّه نحو الإرهاب، إذ أنّ الصّلات بين الإرهاب والحاجة المفترضة إلى الاعتقاد لا تبدو بديهيّة. ومن هنا إضافة متغيّر آخر إلى المعادلة، مثل التعصّب أو الاختلال العقلي أو اضطراب الشخصيّة أو البؤس الاجتماعي، وبذلك نعود إلى المربّع الأوّل. وسواء تعلّق الأمر بذريعة أو بانخراط صادق، فإنّنا نسيء في الحالتين فهم الظاهرة التي نحن بصددها.

ويُبيّن هذا الانكار، وهذه الحيرة، وهذا التخبّط، في الواقع إلى أيّ حدّ خرجنا من الدّين. فقد ابتعدنا عنه إلى حدّ أنّنا لم نعد ندرك معه ما يختزنه من قدرة على التعبئة، وأنّ ما بقي لنا من معرفة به لا يسمح بالانخراط في تعبيرات عنيفة مثل تلك التي تتهدّدنا. فمرجعيّاتنا العفويّة للدّين تحجب عنّا فهم ما كان يؤدّيه من دور في ماضينا، كما يحجب الدّور الذي مازال يؤدّيه في جزء واسع من مجتمعات العالم، وما تمثّله صحواته الرّاهنة. ولتجلية هذه الأمور، ينبغي الخروج من أسر المركزيّة الإثنيّة، والعودة إلى الطبيعة الأوليّة للظاهرة الدينيّة التي يمثّل التحرّر منها بالذّات، جوهر الحداثة الأوروبيّة.

الخروج من الدّين وعودات الدّيني

عبر تناولها من هذا المنظور، تكتسي الإحياءات الأصوليّة كالتي تُلهم جهاديّينا، دلالة أخرى. فهي تندرج في خطّ مسار الخروج من الدّين الذي علينا تذكّر كم كان عسيراً وصراعيّاً داخل تاريخنا، كما لم تكن نتاج “عودة الدّيني” التي جاءت لتكذّب تطوّرات “العلمنة” التي نعزوها عادةً إلى “التّحديث”. إنّها نتاج عمليّات إعادة تعبئة متناقضة لأصل ديني من نفس نمط التعبئة التي شهدها تاريخنا كردود فعل على تمدّد مسار الخروج من الدين وتقدّمه، وهو خروج من الدّين انبثق في الغرب ليغدو اليوم كونيّاً بفضل العولمة، وكان لانتشاره ردود فعل مضادّة من قبل المجتمعات التي تكابده. ذلك أنّ العولمة وإن كانت تدفع بالمجتمعات في نفس المسار التاريخي، إلا أنّ هذا الدّفع يجري انطلاقاً من تواريخ مختلفة جذريّاً، وهو ما يقتضي التنبّه للمسألة، وتجنّب الركون إلى الراهنيّة التي تنزع إلى وضع جميع تلك التواريخ على نفس الصعيد.

ومن أجل فهم هذه الحركيّات باسم الله، لا مندوحة من التخلّي عن التصوّر المعتمد بقوّة بشأن الدّين في الثقافة الحاضرة. فبالنسبة إلى الإنسان الغربي المعاصر، يتمثّل الدّين في معتقدات ميتافيزيقيّة فرديّة، تقوم على الشعور وتتّصل بالمصير الإنساني خارج دائرة المحسوس، وهي معتقدات ترتبط أساساً، وليس ضرورةً، بسلوكيّات طقسيّة وتعبّديّة. غير أنّ ما يحدّه هذا التعريف لا يعدو الدّين كما صار في العالم الغربي منذ أقلّ من قرنين، بفعل القطيعة التي انبثقت عنها الحداثة. لذلك نرى فيه مغالطة فظيعة حول الماضي.

فقد كان شأن الدّين، على مستوى المغامرة البشريّة، شيئاً مختلفاً وأكبر من ذلك بكثير. لقد كان منهج وجود شامل للمجتمعات، أي طريقة تُعرّف نفسها بها وتنتظم من خلالها. كما كان نمط انتظام الجماعات البشريّة في موازاة الغيريّة المقدّسة. ومن ذلك حقّت تسميته نمط انتظام خاضع بأتمّ معنى العبارة، نظراً لاقترانه بتنزيل قانون الآخر الخارق للطبيعة في جميع مناحي الوجود المشترك. وقد وُجدت ألف طريقة وطريقة لتجسيد هذا الدفق من الاستعدادات العمليّة الذي يحدّد أساس الوجود الجمعي، وتأطيره ثقافيّاً. لكن هذا الخضوع إلى الأساس اللامرئي يُظهر في عمقه، وخلف وجوهه المتعدّدة، انتظاماً مذهلاً في سماته، وهي سمات علينا التذكير بها باقتضاب في هذا المقام، مع ما في ذلك من ابتسار.

مع الإيغال في التّبسيط، يمكن ردّ هذه السّمات بمجملها إلى أربعة استعدادات أساسيّة، مما يتيح حدّها في أربعة مفاهيم: التقليد، والهيمنة، والتراتبيّة، والتجسيد. ولا يغرّنك الألفة الزائفة التي توحي بها هذه المفاهيم الأربعة، إذ يجب أن نردّ إليها فعاليّتها الأصليّة قبل أن تذوب في حمّام الحداثة.

في المقام الأوّل، يتمثّل الانتظام الديني في طريقة تنظمّ بها المجتمعات نفسها في الزّمان في إطار الخضوع إلى الماضي، ولكن ليس أيّ ماضٍ، بل الماضي المؤسِّس، أي الانقياد إلى أصل الدَّيْن تجاه نماذج السّلف، أو باختصار الامتثال إلى التّقليد.

وفي المقام الثاني، يتمثّل الانتظام الخاضع في نمط من السّلطة يعكس التبعيّة تجاه أصل متعيّن في العالم الآخر، ويجسّم هذه الخارجانيّة القاهرة في هيئة تعالٍ مقدّس، وهو ما يبرّر الحديث عن هيمنة بأتمّ معنى الكلمة.

وفي المقام الثالث، يتحدّد الانتظام الخاضع بإقامة رابطة مخصوصة تصل كائنات متمايزة الطبيعة بعضها ببعض، من خلال إحكام الصّلة بين العالية منهم والسّفلى. وهو ما يمكننا تعيينه تحت مفهوم التّراتبيّة.

وختاماً، وفي المقام الرابع والأخير، يتحدّد الانتظام الخاضع عبر إقامة رابطة بين الأفراد ومجتمعهم على أساس خضوع الأجزاء الفرديّة إلى الكلّ الجمعي. وهو ما اقترح لويس دومون (Louis Dumont) تسميته الشموليّة. لكن يبدو لنا أنّ مفهوم التجسيد قد يكون أكثر دلالة عن العمق المحسوس لهذا التعيين الذي يضع الوجود الشخصي تحت عباءة الانتماء الجماعوي.

  ومقابل ذلك، تمثّلت خصوصيّة التاريخ الأوروبّي منذ القرن السّادس عشر في القطع مع نمط الانتظام الخاضع هذا وتعويضه بنمط انتظام آخر يقلب جميع تمفصلاته نقطة نقطة. وهذا هو بعينه الخروج من الدّين، أي الخروج من الانتظام الدّيني للعالم البشري الاجتماعي. وقد سلك هذا الخروج مساراً وعراً بقدر ما هو مضطرب امتدّ على خمسة قرون، وتولّد عنه نمط انتظام للعيش المشترك يمكن أن نسمّيه بحقّ نمط انتظام ذاتي، لأنّه يقوم على تولّي البشر صنع قانون عالمهم. وبدل التجسيد الشمولي، طرح الفردانيّة، أي الأسبقيّة المنطقيّة للذرّة الفرديّة على الكلّ الجمعي. وطرح بدل الاعتماد التّراتبي المتبادل، التساوي الطبيعي بين كائنات يُفترض استقلالها عن بعضها منذ الأزل. وطرح بدل السلطة المهيمنة باسم خارجانيّة فوطبيعيّة، قيام السّلطة على تمثيل المجتمع. وأخيراً، استبدل الخضوع إلى نماذج الماضي، بالاختراع العملي للمستقبل. ويُمثّل اختراع المستقبل الذروة القصوى لإنتاج البشر عالمهم وقوانينه، من بعد خضوعهم للأسلاف والآلهة طيلة آلاف السنين.

وقد كان هذا المسار معركة حامية الوطيس في جميع مراحله، حيث واجه منذ بدايته محاولات هدفت إلى تعطيله وكبح جماحه في سبيل استعادة الشكل الديني المتآكل وإعادة بنائه. وقد دشّن لوثر أولى هذه المحاولات بإدانته زيغ كنيسة روما عن التقليد المقدّس ودعوته إلى استرجاع الأصول المسيحيّة النقيّة. وقد كانت تلك مبادرة يكتنفها التباس صارخ يختزل مجمل إشكاليّتنا، إذ سيكون للتهجّم على تراخي الكنيسة الرسميّة واطّراح وصايا الإيمان، أثر على المدى الطويل معاكس للمقصد المنشود. فقد أدّت الرغبة الصّارمة في إعادة تنصير مجتمع المؤمنين عمليّاً، إلى ارتخاء نفوذ الدّين المسيحي على حياة المجتمعات. ولم ينفكّ هذا الانزياح بين المشروع الواعي وآثاره الاجتماعيّة الفعليّة يتردّد في جميع المراحل كلّما أطلّ السعي المحموم إلى استعادة النظام الخاضع برأسه من جديد. وليست آخر اطلالاته عنّا ببعيدة، فقد ظهر إلى حدود منتصف القرن العشرين بلبوس الديانات العلمانيّة، تلك الديانات الجاهلة بطبيعتها الدينيّة وطموحها إلى إعادة بناء الشكل الديني في قلب الحداثة ذاتها. وقد تجسّد هذا الطموح المجنون في صورتين متعاديتين، صورة الشيوعيّة التي كانت تنشد الانتظام الذاتي من خلال الإخضاع، والنازيّة التي كانت تنشد الإخضاع من خلال الانتظام الذاتي.

والحقّ أنّه يجب استحضار هذه الإحياءات الماضويّة، أو المتلبّسة لبوس الماضويّة، التي طاف بها المسار الحديث، كي نتناول بعقل راجح الصحوات الأصوليّة التي تؤثّر اليوم في مجمل المعمورة وفي مجمل التقاليد الدينيّة. ذلك أنّه ينبغي التّشديد على أنّ الفوران الذي تعيشه المنطقة الإسلاميّة، وإن بلغت حدّته مبلغاً دراماتيكياً، إلاّ أنّه لا يمثّل ظاهرة معزولة. فلا يجب أن يعمينا ذلك عن الطّابع الكوني للاهتياج الدّيني الرّاهن الذي يزلزل العالم بأسره. فصحوات الدّيني الرّاهنة، بتفاوت درجات حدّتها، تعتمد نفس الإواليّة التي يشهد عليها تاريخنا بأكثر من شاهد، مع مراعاة الفروق التي تعود أساساً إلى مفعول الخروج من الدّين. فهي في أساسها ردّات فعل على اختراق الحداثة التلقائي، وردّات فعل لا تقلّ تناقضاً عن مثيلاتها في تاريخنا.

كما أنّها أيضاً، بطريقتها الخاصّة، تلاؤمات مع ما ترفضه ومع تحوّلات الدّين التي تدّعيها، والتي تبعد الدين عن النموذج المثالي الذي تدّعي الوصول إليه. إنّها لا تُعيد تنظيم العالم دينيّاً، بل تشارك في هدمه. ذلك أنّ الإيمان الفردي للفاعلين والهدف الذي يقصدونه شيء، وبنية الوجود الجمعي التي يساهمون فعليّاً في تكوينها من خلال أفعالهم شيء آخر، وهما في هذه الحالة، متنابذتان. أمّا الفردانيّة الدينيّة التي يدعو إليها الأصوليّون دون تدبّر، فهي أنجع ترياق لوأد النظام الذي يحلمون بتشييده. ومن النّافل التنويه إلى أنّ هذا القول لا ينفي الآثار الهدّامة النّاتجة عن ديناميّة التدمير الذاتي التي قد ينخرط فيها الأصوليّون. لذلك ينبغي التنبّه دائماً إلى محرّكات هذه الديناميّة في سبيل مواجهتها الحدّ الأدنى من الذّكاء الاستراتيجي.

يبقى أن نضيف تدقيقاً آخر يساعدنا في إدراك ساحة هذه المواجهة في مجملها، ويساعدنا خصوصاً في إدراك جذور التصوّر المغلوط الذي يحدّ من قدرة مجتمعاتنا على التخلّص من الأديان. ذلك أنّ الخروج من الدّين لا يعني نهاية الأديان، بل يعني تغيّر موقعها ودورها. فهو يفكّ ارتباطها بالتكوين الجمعي، وينزع منها وظيفتها الأساسيّة بوصفها مفتاح الانتظام الاجتماعي. ولئن كان تجريد الأديان من وظيفتها الأساسيّة يتبدّى عموماً في حركة ارتداد صريح عن الانتماء والممارسة الدينيّة، إلا أنّه يترك المجال واسعاً لاستمرار الأديان ضمن انتظام ذاتيّ الانضباط، باسم حريّة الضمائر، في شكل أفكار ومشاعر دينيّة مفرغة من وظيفة احتواء الوجود الجمعي وتأطيره التي مارستها على الدّوام. لكنّ المستجدّ، في هذا الوضع عندنا نحن الأوروبيّين، هو أنّ تحييد الأديان الذي دام قرنين من الزمان كان خلالهما رهان معركة ضارية، قد بلغ اليوم منتهاه. ولعلّ خير دليل على ذلك هو تجذّره في ضمائر المؤمنين، لتنقضي هذه المعركة دون رجعة.

ويُمثّل هذا الصلح أحد أقوى الشواهد على اكتمال مسار الخروج من الدّين في أوروبّا، وهو أمر تتفرّد به هذه القّارة على وجه البسيطة. وهذا الاستثناء الأوروبيّ مرتبط أساساً بدرجة تحقّق مسار الخروج من الدّين. فقد بلغ هذا المسار شأواً في أوروبّا إلى درجة أنّه استولى على روح المسيحيّة فيها وشرع في تغييرها من الدّاخل، إلى حدّ دفع الكنيسة الكاثوليكيّة، وهي التي تشبّثت طويلاً بمبدأ السّلطة الكنسيّة في معارضة روح الحداثة، إلى الانخراط في الديمقراطيّة دون قيد أو شرط. ومن أوانه، صار الفصل بين المرجعيّة الميتافيزيقيّة والنظام السياسي قوام مفهومنا السّائد عن الدّين. وهذا ما أسهم في خلق مناخ غير معهود من التسامح يستوعب في رحابه جميع المقالات الدينيّة، رغم أنّ نشأته لا تعود إلاّ إلى بضعة عقود خلت. لقد انقضى الزمان الذي كانت فيه الهويّة التقدميّة تتحدّد عبر ضرب من الماديّة المناضلة، وفي قطيعة مع الروحانيّة المنبوذة، وحيثما كان ذلك، بتنا نشهد الترحيب الحارّ بتمظهرات الروحيّ ونزعاته.

إلا أنّ هذه النزعات المسالمة فوجئت خلال العقود الأخيرة بقدوم ديانات أخرى، وعلى رأسها الإسلام، لم يسبق أن تعرّضت في مجملها، إلاّ بدرجة محدودة، إلى ضغط مسار الخروج من الدّين، ولم يترسّخ فيها الانفصال مع المعيار الجمعيّ بأيّ شكل من الأشكال. فهي ديانات موجّهة، كما كان حال الأديان على الدّوام بأشكال مختلفة، إلى ترشيد المعيش المشترك وتأطيره، ممّا يجعل اندماجها في الإطار الفكري والأخلاقي الذي تفرضه الحداثة المنضبطة ذاتياً أمراً عسيراً. بذلك، يبدو أنّنا نخلط تحت مصطلح الدّين بين وقائع مختلفة. والحقّ أنّه لا فائدة من الإشاحة بوجوهنا عن مواجهة الحقيقة، فالالتقاء لا يمكن أن يكون إلاّ متوتّراً، خاصّة وأنّ إرادتنا الطيّبة تؤشّر عادةً على جهلنا بمحاورينا.

العولمة والتّغريب والدّين

إلا أنّ ما يحدث على أرضنا لا ينفصل عما يحدث في المجال الأصلي لهذه التقاليد الدينيّة غير الغربيّة. وفي هذا الشأن، تمثّل العولمة معطى جديداً في الوضعيّة التاريخيّة الحاليّة، نظراً لكونها تضفي على الخروج من الدّين بعداً كونياً.

وفي الواقع، ومن أجل إدراك العمق التاريخي الشّامل لهذه الظاهرة، لا يجب الوقوف عند العولمة الرّاهنة، بل العودة إلى العولمة الإمبرياليّة الأولى في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فقياساً بالموجة الأولى التي اتّسمت بالهيمنة الاستعماريّة الأوروبيّة، قد يصحّ تسمية الموجة الثانية التي نعيشها حاليّاً في ختام القرن العشرين ومستهلّ القرن الواحد والعشرين، بـ”العولمة التجاريّة”. والجامع بين العولمتين، ومن الشجاعة تسمية الأشياء بمسمّياتها، هو سعيهما إلى تغريب العالم. ونعني بذلك سعيهما الكوني إلى نشر أنماط تفكير وأنماط نشاط تطوّرت في الأصل في الغرب، وخاصّة في المجال الاقتصادي، لكن دون أن تقتصر عليه. فوراء الحساب الاقتصادي ذي النمط الرأسمالي، يُوجد الفكر العلمي، وبشكل أوسع، العقلانيّة الغربيّة، كما تُوجد التقنية وعالم الصناعة مع استتباعاته التي تجاوزت كلّ مدى.

وبينما نشرت العولمة الأولى هذه المنتجات عبر القسر الاستعماري، ها هي العولمة الثانية تنشرها بطريقة أسرع وأعمق عبر اعتناقها من قبل الشعوب التي كانت بالأمس مُستعمرة أو واقعة تحت الهيمنة الغربيّة، بشكل أو بآخر. ويرتبط هذا الانقلاب في معادلة العولمة الثانية بطابعها السياسي المحتجب وراء بعدها الاقتصادي. حيث تعمل ديناميّتها على نزع الإمبرياليّة عن العالم وتعميم نموذج الدولة القوميّة، أي إبراز قدرة الشعوب في تقرير مصيرها، ومن ذلك تملّك أدوات الغرب من أجل منافسته. وبذلك، يتقدّم التّغريب الثقافي بنفس وتيرة تخفيف التأثير الغربي السياسي. إلاّ أنّ ديناميّة هذه الظاهرة لا تتوقف في حدود مساءلة السيطرة الغربيّة، بل تحمل في صلبها أيضاً مفاعيل داخليّة تتعلّق بضرورة التطابق بين الدّولة والأمّة. وهي مسألة ستصير مستقبلاً في غاية الأهميّة، إذ تستتر وراء العولمة التجاريّة، كما سنرى لاحقاً، عولمة أخرى ديمقراطيّة.

وفي جميع الأحوال، فإنّ التغريب يظلّ برّانيّاً بحكم طبيعته، سواء كان عن طريق القسر أو الاستيعاب. فهو يدفع تلك الشعوب إلى تقبّل عناصر أو أدوات أو عوامل قادمة من خارجها وفي شكلها النّاجز، في حين أنّها تطوّرت في الغرب بطريقة جوّانيّة وعلى امتداد مدّة طويلة من الزمن. وهذا التركّز الزمني هو أحد أبعاد الظاهرة، ولا ينبغي لنا تناسي ذلك. فالعولمة تعني إجبار الشعوب والأمم غير الغربيّة على أن تستوعب في بضع عقود، تحوّلاً عظيماً استغرق إنجازه في الغرب خمسة قرون، وهذا لعمري عدم تساوق مدهش قد يكون له مفعول مدمّر في بعض الحالات.

ذلك أنّ أنماط التفكير المتّصلة بالعقل العلمي، وأنماط النشاط والانتظام المتّصلة بالفضاء الصناعي والرأسمالي، حتى نقصر الحديث عليها، هي من منتجات الخروج من الدّين والتعبيرات النموذجيّة للانتظام ذاتيّ الانضباط. بل هي تجسّدها عينيّاً، وإن كانت لا تقول ذلك. فحين نستورد علم الميكانيكا الكمّي أو الرياضيّات الماليّة، فنحن لا نتلقى معها تنبيهاً مفاده: احذر الخروج من الدّين! إلاّ أنّ الأمر كذلك بالفعل. فحين نتقبّل هذه الأشياء والأدوات وأنماط التفكّر والفعل، فإنّنا نُصاب معها بعدوى روح الانتظام ذاتيّ الانضباط، وذلك على عكس الانطباع بإمكان نيلنا هذه دون تلك، فهذا صحيح في الظّاهر، لكنّه مستحيل في الواقع. وهو عين الوهم المؤسّس الذي يقوم عليه التّغريب، والفخّ الذي ينصبه لكلّ من يسعى إلى امتلاك أدوات القوّة الغربيّة مقابل نبذ الإطار الفكري والاجتماعي السياسي الذي نشأت ضمنه، فهما متلازمان.

وفي ذلك ضرب من النفاق غير المقصود من جانب الغرب، حيث يبيع غير ما يسوّق. فحين نشتري هذه التدابير أو طرق الاشتغال، أو نختلسها والأمر سيّان، ندخل رغماً عنّا الإطار الفكري والبنيوي لمسار الخروج من الدّين. فهو مستبطن في هذه الموضوعات، كما ينتشر من جهة أخرى من خلال انتظام المعمورة ضمن نموذج الدّول القوميّة. وبهذا، يغدو الخروج من الدّين مساراً كونيّاً، كما يغدو أيضاً أكثر إلحاحاً.

وهذا ما يعني وجود هوّة بين ما تختزنه هذه المجتمعات، من تاريخ وموروث ثقافي وديني مخصوص، وما يجب عليها استيعابه. وهي هوّة تفرض عليها بذل الكثير من جهد التكيّف، خاصّة وأنّ استيراد أنماط التفكير وأنماط الأنشطة خارجيّة المنشأ يترافق دوماً مع انجراف أنماط المعيش التقليديّة وتمزيقها وهدمها، ولو بدرجات متفاوتة، كما يؤدّي إلى التشكيك في العلاقات الاجتماعيّة التي مازالت تتحدّد على نطاق واسع وبدرجات متفاوتة من خلال الانتظام الخاضع.

وفي مواجهة هذا التحدّي، ينشأ الإنكار والرّفض وردّ الفعل والبحث عن بديل دفاعي. وتتمثّل النقطة المثيرة هنا في أنّ ردّة الفعل، تستبطن بشكل أو آخر ما تحاربه، لأنّها تجهد في السيطرة عليه. ذلك أنّ العولمة تستثير في النظام الخاضع صحوات كامنة فيه تمثّل في الواقع، ودون وعي ولا تدبير منها، استيعابات لدواليب انضباط ذاتيّ مُجبرة على الخضوع لها. 

وبذلك، فإنّ صحوات الدّيني الأصلاني، أي تطلّعاته إلى استعادة حقيقة الحياة الأصليّة التي تُمليها القاعدة المقدّسة، باعتبارها حقيقة ضائعة أو مهدّدة بالضياع، تعتمل في جميع التقاليد الروحيّة بدرجات ووجوه مختلفة. وهي اختلافات تعود إلى الجغرافيا المتمايزة لعدم الثبات الذي أحدثته عولمة الخروج من الدّين في مجتمعات ما يزال تأثير الانتظام الخاضع فاعلاً فيها، بما يفسّر تشبّثها به أو تطلّعها إلى استعادته.

وينبغي التنويه ضمن هذه الجغرافيا المتمايزة، إلى أنّ الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة الأوروبيّة يعتبران أكثر تقليدين روحيّين تنخفض فيهما حدّة هذه النزعة الارتكاسيّة إلى أدناها. وليس ذلك من باب الصدفة، ولا هو علامة على فضائل أصيلة فيهما، بقدر ما هو علامة على تجذّر مسار الخروج من الدّين في أوروبّا. فقد تلاشى الإطار الذي يمكن فيه الدعوة إلى استعادة سلطة الدّيني ضمن التّقليدين الكاثوليكي والبروتستانتي، إلى حدّ أنّ الفاعلين المنخرطين فيهما، مهما كانت شدّة حماسهم وإيمانهم وورعهم، لم يعد بمقدورهم التفكير في استحضاره مجدّداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق