مجتمع

محرّكات الأصولية الإسلامية (2)

مارسيل غوشيه

ترجمة: جهاد الحاج سالم

الظرفيّة الشموليّة والظرفيّة الأصوليّة

هذا هو الإطار العامّ الذي ينبغي أن نعيّن ضمنه مثل هذه الظواهر الارتكاسيّة التي لا نعثر لها على مفهوم أقلّ سوءاً من مفهوم “الأصوليّة”، مؤشّرين بهذا المصطلح على المشروع السّاعي إلى إعادة الدّين إلى موقعه صلب الانتظام الجمعي([1]).

فقد نشأ مصطلح الأصوليّة ضمن فضاء هذه الصحوات الدينيّة، وتحديداً صحوة البروتستانتيّة الأمريكيّة في بداية القرن العشرين. لقد كان يشير حينها إلى وضع “أصول” الإيمان في الواجهة، أي أصوله التي لا سبيل إلى التساهل بشأنها، وعلى رأسها عصمة النصّ الإنجيلي أو لنقل، بمصطلحات كلاسيكيّة، الالتزام بحرفيّة الكتاب، من قبيل التشبّث بخلق الكون والإنسان في معارضة نظريّة التطوّر، والذي ما يزال رهاناً حيّاً في الأصوليّة البروتستانتيّة الأمريكيّة إلى هذا اليوم. تجاوزاً لهذا المعنى الأوّلي، توسّع مفهوم الأصوليّة منفصلاً عن أصحابه الأصليّين، وصار يؤشّر على كلّ مسعى لإرجاع الدّين إلى موقعه المحوري في انتظام الوجود الجمعي.

بعد تحديد إطارها، ينبغي علينا الآن الشّروع في وصف الظاهرة بدقّة. وفي البدء، يقتضي ذلك ادراكاً وافياً للظرفيّة التاريخيّة التي تندرج ضمنها. وفي نظرنا، تتطابق الظرفيّة الأصوليّة مع لحظة وتّشكل محدّدين لحالة التنافس التّامة بين الانتظام ذاتيّ الانضباط والانتظام الخاضع، حسب شكلين مختلفين. فمن جهة، نجد الحالة الغربيّة، إذا استثنينا في هذا الصدد الفروقات المهمّة بين أوروبا والولايات المتّحدة، وهي تتّسم بتجذّر الانتظام ذاتيّ الانضباط إلى حدّ أنّ الانتظام الخاضع لم يعد من الممكن تصوّره أصلاً من قبل الفاعلين في هذه المجتمعات.

ومن جهة أخرى، الحالة غير الغربيّة، لو جاز لنا استخدام مثل هذا المصطلح الفضفاض، حيث صار الانتظام الذاتي، بفضل العولمة، أفقاً اجباريّاً يفرض شروطه على مجتمعات ما زال يفعل فيها الانتظام الخاضع فعله بقوّة، فيما تخترقها الحداثة جارفة أُسّ هويّتها. ذلك أنّ الحداثة، إذا قاربناها من منظور آخر غير منظورنا المألوف، تطرح نفسها على المجتمعات التي لم تساهم في تطوير التاريخ الغربي من داخله، ولو تلقّت هزّاته من خارجه، كعرض يستحيل ردّه. فمهما بدت الحداثة غريبة في مبادئها وتعبيراتها، إلاّ أنّها تشي بوعود براّقة لم نر أيّ مجتمع يتمنّع عنها إلى حدّ اللحظة. فالحداثة تتلبّس وجه قدر محتوم يضع الهويّة الموروثة موضع مساءلة جذريّة، وهذا ما يكمن في أصل الموقف المتوتّر من الحداثة والأفراد الذين يمثّلونها.

وتتّخذ ظاهرة السلوك الإنجذابي- الطردي إزاء الحداثة، هيئات مختلفة ينبغي تعيين كلّ منها ضمن سياقه المخصوص. لكن ذلك لا يمنع وجود ظرفيّة شاملة وراء تعدّد الوجوه التي يكتسيها هذا المشكل العامّ. وقد سبق أن تناولنا، آنفاً، واحداً من عناصر هذه الظرفيّة في حديثنا عن العولمة الثانيّة. لكن حتى نلمّ بها بشكل وافٍ، من الأجدى أن نضعها موضع المقارنة مع الظرفيّة الشموليّة كما سعينا إلى بيانها في التاريخ الأوروبي([2]). ولا يعني ذلك البتّة الخلط بينهما، فهما شديدتا التباين في نظرنا، وتباينهما الشديد هو عين ما يدعو إلى المقارنة بينهما.

إنه تباين زمني في المقام الأوّل. فقد جاءت الظرفيّة الأصوليّة عقب انقضاء الظرفيّة الشموليّة، بل قُل أنّها نتاج تلاشي الظرفيّة الشموليّة، حيث يمكننا تأريخ بدايتها بدقّة مع حلول العام 1979. فقد شهدت هذه السنة ثلاث أحداث دامغة، تبيّن جيشان الحدث الأول في إبّانه، فيما تطلّب الحدثان الآخران بعض الوقت حتى يكشفا عن آثارهما. ومن البيّن أنّ الحدث الجيّاش كان الثورة الإسلاميّة في إيران، وهي ثورة أصوليّة خالصة، ومن المثير أنها بقيت الوحيدة من نوعها إلى حدّ السّاعة. لكن سنة 1979 شهدت حدثاً رئيسيّاً آخر، مرّ مرور الكرام دون أن يجذب الكثير من الانتباه، ألا وهو إعلان دنغ شياو بينغ (Deng Xiaoping) عن بداية الاصلاحات في الصّين. ويمكننا قراءة هذا الحدث بعديّاً بوصفه علامة على انقطاع ثقة الماركسيّة اللينينيّة الثوريّة بنفسها.

فقد كانت حركة دنغ شياو بينغ والمسؤولين الصينيّين الذين اتّبعوا نهجه إقراراً صارخاً بأنّ الماركسيّة اللينينيّة تفتقد، بلغة معجمها المخصوص، إلى وصفات تطوير القوى المنتجة، ولم يبق لها من خيار سوى البحث عن تلك الوصفات عند الرأسماليّة الملعونة. كذلك كانت سنة 1979 تاريخ التدخّل السوفياتي في أفغانستان، والذي أدّى إلى تحشيد مقاومة أمميّة ضدّه في العالم الإسلامي السنّي حوّلها مقاتلوها، رويداً رويداً، إلى حرب أخرى أكثر شموليّة باسم الإسلام. وهنا تكمن جذور جهاديّينا المعاصرين.

ولو أردنا اختزال الظرفيّة الشموليّة في ثلاث سمات كبرى، لقلنا إنّها ظرفيّة تتطابق مع لحظة مخصوصة في التاريخ الأوروبّي يمكن أن نرجعها عموماً إلى بداية القرن العشرين، حين كان يتلقّى الانضباط الخاضع، الذي ما زال يؤطّر ضمنيّاً الوجود الجمعي آنذاك، ضربات قاتلة من جميع الجهات، وخصوصاً من جهة الصراع الطبقي. وهذه هي اللحظة التي فقدت فيها محرّكات الانضباط الخاضع، بطمّ طميمها، ثباتها المحكم. وهي كذلك، من جهة أخرى، اللحظة التي حافظ فيها الانتظام الخاضع ومحرّكاته على ما يكفي من انغراس، في الأذهان كما في الاشتغال الجماعيّين، ليظلّ شكل الوجود الجمعي الوحيد المقبول به، وتكون الدعوة إلى تقويمه ذات مغزى. ومن هنا وُلدت نيّة الديانات العلمانيّة في إعادة بناء الشكل الدّيني بوسائل دنيويّة بعد أن بُتر عن كلّ روابطه بالدّين. وقد سلك هذا السعي مسلكين، مسلك أقصى اليسار الذي ينشد الانتظام الذاتي عن طريق الانتظام الخاضع، ومسلك أقصى اليمين الذي ينشد الانتظام الخاضع عن طريق الانتظام الذاتي.

وعلى غرار الظرفيّة الشموليّة، انبثقت الظرفيّة الأصوليّة من خلل في التحوّل الحداثي، نجم عن المرور من نمط وجود إلى آخر ضمن وضعيّات تاريخيّة وسياقات حضاريّة متباينة. ومن هذا المنظور، يمكن أن نتبيّن معين الوصل والفصل بين الظرفيّتين. فبينما يتشارك كلاهما في نفس التطلّع إلى الرجوع إلى النظام الخاضع، إلاّ أنّ الأنظمة الشموليّة تحمل هذا التطلّع دون وعي بطبيعته، وهي تجهل النزوع الدينيّ الذي يحرّكها إلى حدّ أنّها تشدّد حين تسعى إلى تقويم الانتظام الخاضع، عبر مسلك اليمين المتطرّف، على نفي كلّ صلة لها بالدّين.

ولذلك يصحّ وصفها بـ”الديانات المضادّة للديانات”، من جهة أنّها تضادد الديانات عن وعي لكن دون أن تعي هي نفسها طابعها الدّيني، بينما يكون الديني داخل الأصوليّات الانشغال المعلن والأساسي، وهذا ما يغيّر الأمر كلّياً. ففي حين يسعى الأصوليّون علانيّة إلى استعادة سلطة الدّيني بوسائل سياسيّة دنيويّة، تسعى الشموليّات إلى تشييد نظام دنيوي بوسائل لا تعي طابعها الديني. ويؤدي ذلك، قطعاً، إلى تشييد أنظمة استبداديّة في الحالتين. ويمكننا عمليّاً الاكتفاء بدمغها بالاستبداد، إلاّ أنّ هذا الوصف يمنعنا من التعمّق في فهم هذه الأنظمة الاستبداديّة، لأنّها تخضع إلى محرّكات متباينة جوهريّاً.

بُغية تجاوز هذه المقاربة الأوليّة، ينبغي تدقيق الروابط بين هاتين الظرفيّتين، المتّصلتين والمنفصلتين في آنٍ، حول نقطتين. فمن جهة أولى، تشترك الظرفيّة الشموليّة مع الظرفيّة الأصوليّة في اشتراط كليهما حصول مقدار واسع من التفكّك في البنى الدينيّة التقليديّة بمختلف مظاهرها، لكن ليس بنفس المقدار ولا بنفس المعيار. فسواء تعلّق الأمر بأسلوب السّلطة الأوتوقراطي أو العلاقات التراتبيّة أو تبجيل نماذج السّلف أو الانتماءات الجماعويّة على كلّ المستويات، فإنّ جميع المسالك الكلاسيكيّة التي تقوم عليها الوحدة الجمعيّة تنجرف بفعل المدّ العاتي لاستقلاليّة الأفراد وكلّ ما يترتّب عنه في مستوى انتظام المجتمع. وفي الحالة الغربيّة، يمكننا الحديث صراحة عن انحلال التعبيرات المباشرة لهذه المحرّكات الكلاسيكيّة انحلالاً جوّانياً بفعل جرف الحداثة لبقايا النّظام القديم، رغم أنّه يخلّف وراءه بعضاً من آثار الوحدة القديمة بما يكفي لمنع قيام أيّ مشروع ينشد مجتمعاً بديلاً عن المجتمع القائم.

أما في الحالة غير الغربيّة، فالأحرى الحديث عن خلخلة تترك قطاعات واسعة من النظام القديم على حالها، مع إفراغها من مشروعيّتها بما لا يترك لها من معنى يُبرّر التشبّث بها. وهي خلخلة ذات منشأ خارجي، من جهة أنّها ترتبط بشكل من أشكال الهيمنة المباشرة )في المجتمع الاستعماري( أو غير المباشرة. لكن لا ينبغي أن يدفعنا ذلك إلى تجاهل العلاقة المتناقضة التي تنشأ مع الحداثة القادمة من الخارج، بين الرغبة في امتلاكها ومقاومة فرضها القسري.

ففي الحالتين، وهذا عنصر مشترك بين التشكيلتين الأصوليّة والشموليّة، تغدو التقليدويّة البسيطة المتمثّلة في التشبّث بأطلال النظام القديم، مستحيلة، وذلك من فرط وهنه وغلبة النظام الجديد، فلا سبيل غير التجديد. ولا مندوحة من المضيّ قُدُماً في سبيل المستقبل بغية العثور على الشكل الأنسب من الوجود الجمعي، عبر قطيعة ثوريّة مع النظام القائم. وهي قطيعة تشكّل الوحدة الخاضعة رافعتها الأساسيّة، بطريقة واعية في الحالة الأصوليّة، وغير واعية في الحالة الشموليّة. وتترجم هذه القطيعة، في الحالة الشموليّة، عبر سعي جاهل بتطلّعه إلى إعادة تشكيل التكوين الديني بوسائل مقترضة من عالم الانتظام الذاتي، سواء مدفوعاً في ذلك، في حالة أقصى اليسار، بفكرة حمل الانتظام الذاتي إلى ذروة تحقّقه؛ أو مدفوعاً، في حالة أقصى اليمين، بفكرة القطع مع الانتظام الذاتي عبر العودة إلى أشكال هيمنة وإدماج قديمة وهرميّة لم يعد يُفهم جوهرها الدّيني. ولذلك، فإنّ الشموليّين من كلا الجهتين ليسوا سوى حداثيّين يجهلون أنّهم قُدامى رغماً عنهم، حتّى حين يدّعون الرجعيّة باسم الماضي.

وبالعكس، وفي الحالة الأصوليّة، يكون الإقرار بالسعي إلى استعادة الماضي باسم القانون الإلهي صارخاً؛ غير أنّ التباس الأصوليّة يكمن تحديداً في كونها تستعير من الحداثة بُعدها الشخصي وانغراسها في الوعي الفردي، وحتى شكل مشروعها السياسي. ذلك أنّ الأصولي هو ماضوي حاسم، يجهل إلى أيّ حدّ هو حداثي رغماً عنه. ويتعاظم جهله بذلك حين يجد نفسه تحت نير الاستعمار، ويدفعه طموحه التحرّري إلى نبذ حداثة متجسّدة في صورة المعتدي.

إذن، نجد أنفسنا إزاء نفس المصفوفة تقريباً رغم بعض الفويرقات المهمّة بينهما، حيث تتوفر كلا التشكيلتين الشموليّة والأصوليّة على ما يكفي من العناصر المتشابهة تفسّر تناغمهما الزمني. فقد تشاركتا نفس الطريق لبعض الزّمن. وعموماً، فقد برزت ارهاصات المشروع الأصولي مع مستهلّ القرن العشرين بالتزامن مع تراجعات المشروع الشمولي. أما في حالة الأصوليّة الإسلامويّة التي تشغلنا في المقام الأولّ، فقد تزامنت أولى تشكّلاتها مع بلوغ الظرفيّة الشموليّة ذروتها. حيث أرسى الباكستاني أبو الأعلى المودودي المبادئ الأساسيّة للأصوليّة الإسلامويّة خلال الثلاثينات، ضمن سياق الصراع من أجل فكّ الاستعمار عن الإمبراطوريّة الهنديّة وإنشاء دولة لا تكون “دولة مسلمين” فحسب بل “دولة إسلاميّة”، وهو أوّل من وضع هذا المفهوم على ما يبدو([3]).

فقد أتمّ المودودي العمليّة الحاسمة المتمثّلة في إحياء الإسلام عبر تسييسه، محوّلاً إيّاه إلى مشروع سياسي، وكان واعياً تمام الوعي بالفرق بين الرؤية الدينيّة التي يطرحها والفهم السّائد عن الدّين، وهو ما يظهر في قوله: “ليس الإسلام “ديناً” بالمعنى السّائد للكلمة. فهو نظام يشمل جميع مناحي الحياة”. أمّا الشريعة، فهي قلب الإسلام وتشمل الانتظام الجمعي بأسره، وهي تحدّد في آنٍ “العلاقات العائليّة والشؤون الاجتماعيّة والاقتصاديّة وحقوق المواطنين وواجباتهم، والنظام الجزائي وقوانين الحرب والسّلم والعلاقات الدوليّة”. وباختصار، تحددّ الشريعة نظاماً اجتماعياً “لا تعتريه شائبة ولا نقيصة”. أمّا من المنظور السياسي، فيبشّر المودودي بـ”ديمقراطيّة إلهيّة” تُدين النّسخة الغربيّة من الديمقراطيّة التي تنقل حاكميّة الله إلى الشّعب، ولو أنّه يعترف بحقّ الشعب في اختيار حكّامه. وإجمالاً، ينظّر المودودي للجهاد ضمن منظور كوني جذري، يتعيّن أفقه في الخلافة المتصوّرة كدولة إسلاميّة عالميّة، حيث “يشمل الإسلام المعمورة بمجملها، ولا يقتصر على رقعة صغيرة منها فحسب”. وستسلك هذه الأفكار طريقها إلى أصقاع العالم الإسلامي، إذ تلقّفها الإخوان المسلمون في مصر وعلماء الدّين الشيّعة في إيران، لتعرف تطويرات وتنويعات متعدّدة عند بعض المنظّرين مثل سيّد قطب أو الخميني.

وبالتوازي مع ذلك، سيبقى هذا المسلك مستتراً أو هامشياً، نظراً إلى العزلة الخانقة التي ضربتها الظرفيّة الشموليّة على ارهاصات الأصوليّة الجنينيّة. فمن جهة أولى، كانت المسألة الأساسيّة التي ملكت أرواح النّاس وشغلتها في العالم الإسلامي، كحال الشعوب الأخرى في العالم غير الغربي، هي الصّراع ضدّ الإمبرياليّة. فقد أعطيت الأولويّة آنذاك إلى حقّ الشعوب في تقرير مصيرها وتحرّر الأمم المضطهدة، بالموازاة مع سعيها إلى امتلاك وسائل الاستقلال عن الهيمنة الغربيّة عبر التحديث والتنمية. وتتوافق هذه التطلعات بحكم طبيعتها مع العرض الشمولي، والذي كان يروّج له المعسكر السوفياتي والحركة الشيوعيّة الأمميّة، اللذان صارا بحكم معاركهما ضدّ القوى الرأسماليّة والإمبرياليّة، حلفاء وداعمين لكلّ الصراعات ضدّ الاستعمار.

وقد مثّلت الثورة الصينيّة التي اندلعت عام 1949 حدثاً نموذجيّاً في هذا الشأن، إذ لم ترتبط الشيوعيّة فيها بالتحرّر فحسب، بل برزت أيضاً كسبيل لتحقيق التنمية الاقتصاديّة ولو بشكل فوقي، خصوصاً بفضل أدوات التخطيط. وفي هذا الصدد، قدّمت مخطّطات التصنيع السوفياتيّة الخمسينيّة نموذجاً جاهزاً للاستعمال، لا يتطلّب سوى تعديله على ضوء الظروف المحليّة. فهو يوفّر مباشرة مفاتيح الإقلاع دون أن يقتضي حتى الالتزام الدّقيق بمبادئ “الاشتراكيّة العلميّة”. وقد كانت “الاشتراكيّة العربيّة”، التي دخلت اليوم غياهب النسيان بقدر ما كان لها من أثر في الماضي، فرعاً من هذا التوجّه العامّ.

وهنا، نلامس بُعداً أعمّ من أبعاد الظرفيّة الشموليّة، بل بُعداً حاسماً فيها: ألا وهو تجذّرها في ضرب من الإيمان الوثوقي بالتاريخ، وبالوعد الذي يحمله المستقبل. فقد كانت تلك حقبة المستقبل بحقّ، وكان تجاوز الحاضر، الذي مثّلت الثورة الاشتراكيّة أكثر وصفاته اكتمالاً، الأفق المهيمن والناظم للوعي الجمعي. وفي هذا الخضمّ، لم تجد ارهاصات الأصوليّة الجنينيّة المتبعثرة، ولأسباب بيّنة، الأرضيّة الملائمة لكي تتطوّر. والحقّ أنّ ما سيوفّر الظروف الملائمة لذلك، هو أزمة المستقبل التي شهدتها السّبعينات تزامناً مع مستهلّ العولمة الثانية. فقد أدّت هذه الأزمة إلى انطفاء الإيمان بالمستقبل وفقدان الثقة في تجسّده الخالص المتمثّل في الاقتصاد المخطّط، وانتهى الأمر إلى تقويض المنظور الثوري برمّته. وباختصار، فقد كانت تلك علامة على نهاية الظرفيّة الشموليّة وأفول الديانات الدنيويّة التي استثمرت في العنصر التاريخي ووعد المستقبل.

إنّ أزمة المستقبل التي تتبدّى عندنا في نزعة الراهنيّة، تتبدّى بوضوح في نزعة ماضويّة أصوليّة في بقيّة أنحاء العالم. وما نلاحظه من انطواء على الرّاهن في الفضاء الغربي، يعادله في فضاءات ثقافيّة أخرى استدعاء الماضي الدينيّ من جديد، بما أنّ الماضي في جزء وافر منه ليس سوى الدّين بما هو موروث، وبما هو نموذج مثالي للتقليد. وبذلك، يأخذ الماضي مكان المستقبل كمرجعيّة تنظّم الهويّة الجمعيّة، وهذا في السياق الذي خلقته العولمة الثانيّة التي تقوم على تملّك أدوات الحداثة الغربيّة بُغية تحصيل موقع على مسرح الأمم والإمساك بطرف اللّعبة في السّوق العالميّة. ولا يُمكن لهذا السعي أن يكتمل دون احداث اضطرابات في الهويّة لم تكن مطروحة في السّياق السابق الذي هيمن عليه ضرب من المستقبليّة الكونيّة أرادت طرح وصفات صالحة لكلّ مكان، بينما مثّلت الهويّة الموروثة من الماضي وجه الخصوصيّة التي يتوجّب تجاوزها آنذاك في سبيل مستقبل مشترك بين جميع البشر.

فالعولمة الثانيّة هي عولمة هوويّة، وهذه واحدة من سماتها الأساسيّة. وهي كذلك لأنّها تنسّب في آن كلّ الهويّات المكتسبة بمنظور التعدّد العالمي، وتجبر جميع الفاعلين القوميّين على إعادة تعريف أنفسهم في فرادتهم بمقتضى الانفتاح على الخارج. غير أنّ الهويّة الدينيّة، بالنسبة إلى غالبيّة المجتمعات الموجودة حاليّا على الأرض، هي أشدّ هذه الهويّات صلابة، وهي هويّة بصدد التمزّق نتيجة ما تتعرّض له من خلخلة قاهرة بفعل اختراقها من قبل أنماط التفكير والفعل الخاصّة بالحداثة ذاتيّة الانضباط.

هذه هي الظرفيّة التي يبدو لنا أنّها كانت مهد المشروع الأصولي والتي قد يكون فيها ازدهاره. فقد انبثق هذا المشروع من رفض الواقع المعاش بوصفه عدواناً خارجيّاً مدمّراً، وذلك ما يجعله، على سبيل التنويه لا غير، يقترض من العصر السّابق خطاب مناهضة الإمبرياليّة دون أدنى حرج. فهو يمثّل في الآن نفسه إرادة لانتزاع أدوات الحداثة من أجل الهيمنة عليها، وتأكيد نفسه مجدّداً من خلالها. وهو يمتلك الحداثة ذاتيّة الانتظام وينفيها في آن، عبر تجسيدها ضمن تكوين ديني شكلي يُفترض فيه القدرة على كبح إمكاناتها المدمّرة. وبعبارة أخرى، فإنّ المشروع الأصولي متناقض في جوهره بقدر تناقض المشروع الشمولي في زمانه. وذاك هو النّبع السّحيق الذي يرفد العنف السّاكن فيه.

الخصوصيّة المسلمة

تكاد تتردّد نفس هذه الخطاطة الأصوليّة في الفعل والتفكير بجميع المناطق الدينيّة على اختلافها. إلا أنّها تتخذ أشكالاً وتكثّفات مختلفة بشدّة حسب طبيعة التقاليد الروحيّة التي تتمظهر فيها، على نحو اختلاف البوذيّة والإسلام، وحسب السياقات السياسيّة والاجتماعيّة التي تمتد ضمنها. وبناءً عليه، يمكننا إقامة مقارنة منهجيّة تتناول كلّ حالة على حدة. غير أنّنا سنقصر الحديث عن الإسلام لأنّ اهتمامنا منصبّ عليه مباشرة، ولأنّ الجيشان الأصولي يتخّذ في صلبه حدّة لا نظير لها، إنّما دون الحطّ من أهميّة جيشانات أصوليّة أخرى لم تبلغ بعد حدّ فورانها الأقصى.

إذن، ما هي خصوصيّة العالم الإسلامي في هذه الظرفيّة التاريخيّة، بالنظر إلى انقسامه وشدّة اختلافه؟ يجب الحذر من المقاربات الشموليّة الخدّاعة باعتبار وجود العديد من الإسلامات. فالمشهد الإسلامي، من موريتانيا إلى إندونيسيا، ومن نيجيريا إلى آسيا الوسطى، أبعد ما يكون عن التجانس، إضافة إلى الانقسام الهائل بين السنّة والشيعة. إلا أنّه من الممكن، دون التغاضي عن تعدّد هذه السياقات، تعيين بعض الخصائص العامّة التي تبيّن فرادة وضعيّة الإسلام في مواجهة حداثة غربيّة ألقي به في خضمّها كغيره، وغدا عاجزاً عن التحرّر منها. فلئن كان بالإمكان أن نتحرّر من الإمبرياليّة الاستعماريّة، فإنّه يستحيل علينا التحرّر من الحداثة ذاتيّة الانضباط التي تفرض نفسها اليوم في كلّ الأصقاع. لكن ذلك لا يعني التكيّف معها.

من باب المفارقة أنّ أولى هذه السمات وأهمّها، دون شكّ، هي القرب من الديانات الغربيّة، أي انتماء الإسلام إلى ما يمكن أن نسمّيه الجذع التوحيدي المشترك. فمن منظور الكونفشيوسيّة، يبدو الغرب المسيحي في غاية الغرابة. أما من منظور الإسلام، فهو شديد القرب، ومألوف من الناحية الدينيّة. وهذا القرب، لا يُمثّل عامل تهدئة، بل هو على العكس من ذلك عامل توتّر. ذلك أنّ الإسلام هو آخر الديانات التوحيديّة، وهو يضع نفسه صراحة في تواصل مع اليهوديّة والمسيحيّة مدّعيّاً تجاوزهما باسم وحي فائق، حيث يرى في نفسه، حسب العبارة الشهيرة، “خَتْمُ النبوّة”، بمعنى أنّه ختم دورتها إلى الأبد. ولا شكّ في أنّ ذلك يُضفي توتّراً مخصوصاً على هذه العلاقة التي يعتبرها الإسلام علاقة وجود جوهري لا تخلو من انخرام: فاليهود والمسيحيّون يجهلون أنّ الإسلام يعرفهم، والحال أنّ الإسلام يعرف المسيحيّة واليهوديّة. وهذا لا يسهّل بالضرورة الحوار.

إلا أنّ هذا التعريف الذاتي، أو وعي الإسلام بذاته، يتعارض مع وضعيّة العالم الإسلامي في واقع اليوم، فهو موضوعيّاً تحت هيمنة من يدّعي التفوّق عليهم دينيّاً. فقد دخل العالم الإسلامي، كما هو معلوم، في ركود طويل عقب بداياته الديناميّة والمشرقة، لأسباب ما زالت إلى اليوم محلّ نقاش مفتوح، ممّا جعله في وضعيّة دونيّة إزاء من يسمّيهم “أهل الكتاب”، الذين تمكّنوا من فرض سلطتهم عليه حتى بعد انقضاء الهيمنة الاستعماريّة التي سلّطوها على بعض دياره. وبإضافة التجاور الجغرافي مع القرب الروحي، تغدو المقارنة قاهرة وموجعة. فهنا يكمن مصدر العذاب الهوويّ الذي يكابده الوعي الإسلامي وعجزه عن فهم صيرورته التاريخيّة، فكيف أمكن أن يحصل له ذلك؟ وهذا أيضاً مصدر عار واستياء لا ينبغي التغاضي عنه. والحقّ أنّه ينبغي قراءة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ضمن هذا السياق، إذ هو يمثّل تكثيفاً رمزيّاً لهذه الوضعيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق