مجتمع

محرّكات الأصولية الإسلامية (3)

مارسيل غوشيه

ترجمة: جهاد الحاج سالم

وإلى جانب هذه الخاصيّة الأولى، ينبغي إضافة خاصيّتين أخريين يبدو لنا أنّهما تقعان كذلك في صميم الواقعة الإسلاميّة كما تشكّلت تاريخيّاً. ذلك أنّ الديانات التوحيديّة كونيّة بحكم طبيعتها. فالإله الواحد إما أن يكون إله الجميع أو لا يكون. بل إنّ العهد اليهودي نفسه لا يمنع إله بني إسرائيل من أن يكون إله الأمم جميعاً. لكنّ هذه الكونيّة تتنزّل في تجسيدات شديدة الخصوصيّة بحسب التاريخ الذي تتعيّن فيه: حيث تُوجد كونيّة يهوديّة، وكونيّة مسيحيّة، وكونيّة إسلاميّة، تختلف كلّ منها جوهريّاً في طريقة فهمها البديهيّ للأخرى. فقد ارتبطت الكونيّة الإسلاميّة تاريخيّاً بنموذج الفتح الإمبراطوري مع ظاهرة التوسّع الإسلامي المذهلة في القرون الأولى. ولا تمثّل هذه الدعوة الاحترابيّة مجرّد واقعة عرضيّة، فقد كرّست بشكل ما تأويلاً للكونيّة التوحيديّة عبر ادراجها ضمن شكل سياسيّ ملتبس لكنّه ما يزال حاضراً في الوعي الإسلامي الذي يكمن أقصى طموحه في منح الواحديّة الإلهيّة معادلها على الأرض من خلال وحدة جماعة المؤمنين الكونيّة المفترضة، أي الأمّة. فالإسلام، وهو دين تفكّر قياساً بالدّيانتين التوحيديّتين السّابقتين عنه، هو الأكثر جذريّة بخصوص تأكيد وحدانيّة الإله.

وكلّ شيء يجري وكأنّ هذه الجذريّة قد تحوّلت إلى نزعة كونيّة للتسيّد، وقد يكون هذا هو المصدر الحقيقي لصعوبة الفصل بين السّياسة والدّين في الإسلام. غير أنّه على عكس الصّورة الشّائعة، فإنّ السياسي والدّيني منفصلان عن بعضهما البعض في المجتمعات المسلمة على مستوى الوقائع الفعليّة. فالإسلام يطرح نفسه كسلطة نصّ إلهي يكون فيه الدّيني وظيفيّاً بين يدي أخصائيي الشّريعة، أي العلماء، لا بين أيدي السّلطة السياسيّة. لكن، إذا كان الدّيني والسّياسي منفصلان عن بعضهما البعض وظيفيّاً، فإنّ السياسي والديني في نهاية المطاف، وبحكم التطابق المثالي بين العقيدة والشّكل عند أمّة المؤمنين، متعالقان بالضرورة([4]). ومن شأن هذا الإطار الفكري أن يجعل من الصّعب توصيف إطار الجماعات السياسيّة المخصوصة، وهو ما يُترجم في الممارسة عبر موقفين متناقضين: عدم اكتراث بالسّياسة العمليّة وتحقيرها، من جهة أولى، وطموح سياسي شمولي، من جهة أخرى. ذلك أنّ التفكير في السّياسة ضمن إطار ديني، لا يمكن أن يجري إلاّ على مستوى مشروع يطمح إلى توسّع الإسلام كونيّاً. ويغذّي هذا النزوع المزدوج تارةً الميل الإسلامي إلى التصوّف، إن لم يكن إلى القدريّة، وتارة أخرى الميل إلى الفوران التوسّعي، وهو ما لا يزال قائماً في الإسلام، وشاهداً على صعوبة الجمع والفصل بين الأمرين في آن.

وأخيراً، وفي المقام الثّالث، ينبغي الانتباه كذلك إلى الشكل المخصوص الذي يكتسيه الوحي في الإسلام. ذلك أنّ الديانات التوحيديّة، ولأسباب بنيويّة لا تخضع للصدفة، هي ديانات وحي ولا يمكن إلاّ أن تكون كذلك. فمن أين يمكن أن تصدر الحقيقة الدينيّة في إطار توحيدي، إن لم يكن من إرادة الله في إرشاد البشر إلى وجوده وفي ما يبتغيه منهم. فمن دون ذلك سيجهل البشر الله، وقد جهلوه بالفعل طوال قسط كبير من تاريخهم. والحقّ أن التّفكير في التوحيد يلقي بنا مباشرةً في صميم تاريخ الوحي، بيد أنّ هذا الوحي يتّخذ ثلاث سبل شديدة التباين في الدّيانات التوحيديّة: ألا وهي العهد اليهودي، والتجسّد المسيحي عند المسيحيّين، والنبوّة المحمديّة عند المسلمين. ويُقدّم القرآن نفسه على أنّه كلام الله ذاته، بينما تصلنا بشارة ابن الله، في الحالة المسيحيّة، عبر روايات أربعة أناجيل مختلفة. فالإنجيل ليس كلام الله، وحين تستحضر الحكمة الشعبيّة “كلام الإنجيل”، فمن المؤكّد أنها تشير إلى أقوال قطعيّة، غير أنها أقوال تروي وقائع من حديث البشر مسلّم بصدقيّتها، وليست أقوال الله ذاته. أمّا قول القرآن، فهو مغاير تماماً، فالله نفسه هو من قاله، مرّة واحدة ومن خارج الزمان.

وفيما يمثّل قول الإنجيل موضوعاً لشتّى التأويلات، فإنّ القرآن لا يُناقش البتّة، بل يُتلقّى ويُجسّد ويُعاش من خلال التناغم مع الحقيقة المطلقة المشرعة أمام الرّوح البشريّة. وقد يعترض البعض قائلاً إنّ موسى حمل وصايا مقدّسة إلى بني إسرائيل. ولكنّ الوصايا ليست رسالة مكتملة تجعل أتباعها يعيشون في صميم الحكمة الإلهيّة. ومن هنا يأتى إشكال اليهوديّة الدّائم مع نقض تلك الوصايا ونقض العهد المعقود من خلالها. ويتولّد عن نمطيّة الوحي الجذريّة في الإسلام نزوع – وليس حتميّة – نحو النصوصيّة خاصّ به. والدليل على أنّ الأمر بعيد عن الحتميّة، أنّ هذه النقطة كانت مثار نقاش تاريخي وعنيف في القرون الأولى من الإسلام([5]). والحقّ أنّه يمكننا أن نعاين تصويراً بليغاً لهذه النصوصيّة فيما نسمّيه اليوم “السلفيّة” التي تمثّل اشتقاقاً مركّباً من الوهابيّة المتشكّلة في نهاية القرن الثامن عشر بالحجاز، والتي اتفق المختصّون على توصيفها بأنّها ضرب من التقويّة النصوصيّة. وفي حين تطوّرت التقويّة الأوروبيّة في شكل ديانة قلبيّة ترتبط بالتأويل الداخلي، فإنّ مثيلها في العالم الإسلامي، أي الوهابيّة، يطرح نفسه كديانة تعبديّة نصوصيّة تنادي بالخروج على مجتمع فاسد والتطبيق الحرفي للرسالة الإلهيّة.

لقد اقتصرت هذه اللمحة السريعة على بعض العناصر دون أخرى، إذ يوجد بلا شكّ سمات أخرى نحتاج إلى طرقها، بدءًا من كون الإسلام هو دين الشّريعة. فالإسلام يُحدّد قاعدة حياة تمثّل في الآن نفسه قاعدة اجتماعيّة، أي ما اشتهر بأنّه الشّريعة، وهي قاعدة تُحدّد، كما الحال في اليهوديّة، الحدود بين الطاهر والنجس، وهو ما يتشكّل عنه صيغة علاقات بين الدّيني وجوهر الوجود اليومي لا تخلو بحقّ من قوّة اجتذاب وجودي. لكنّ السمات الثلاث التي سلّطنا عليها مجهرنا، تبقى في نظرنا أوثقها ارتباطاً بتحليل الأصوليّات، وهي متعدّدة، التي تدّعي الانتساب إلى الإسلام.

تناقضات الأصوليّة

لقد ذكرنا آنفاً، ولا سبيل إلاّ ذلك، النظام الإسلامي الإيراني المنبثق عن ثورة 1979، وشدّدنا على الطابع الاستثنائي الذي حافظت عليه. فإيران تمنحنا نموذجاً خالصاً من الأصوليّة، وحالة شديدة الخصوصيّة في الآن نفسه. إنّها الحالة الوحيدة التي تمكّن فيها المشروع الأصولي من التطوّر بحقّ: مشروع إعادة بناء مجتمع ديني من فوق، بفضل سلطة سياسيّة للديني، ونقصد سلطة الجهاز الدّيني. وهذه بحقّ حالة مخصوصة، مما جعلها نموذجاً معزولاً رغم طموحات قياداتها الدعويّة.

فإلى ماذا يعود هذه الاستثناء؟ يعود إلى أنّ الأمر في المقام الأوّل يتعلّق بإيران، ثمّ إلى خصوصيّة التشيّع داخل الإسلام. ذلك أنّ الثورة الإيرانيّة، وهو ما يتبيّن بوضوح بالرجوع في الزمن، لم تكن ثورة دينيّة فحسب، بقدر ما كانت ثورة قوميّة في ذات الوقت: فقد كانت ثورة في سبيل تأسيس أمّة إيرانيّة باسم تاريخ يعود إلى بداية القرن العشرين وتميّز بالثراء والاضطراب. إنّها أمّة إيرانيّة ذات أركان شديدة الرسوخ وجدت سبيلها إلى التحقّق السّياسي من خلال هذه الثورة الدينيّة. أضف إلى ذلك، تميّز التشيّع في الإسلام بوجود رجال دين. فالتشيّع هو في الواقع دين باطني تأويلي، هذا ما يفصله عن التديّن المساواتي الذي يختصّ به الإسلام السنّي، حيث لا يُوجد أشخاص يتمتّعون بسلطة دينيّة خاصّة، باستثناء حكمتهم أو معرفتهم بالشريعة الإسلاميّة. وقد سخّر التشيّع جهازه الديني لخدمة تلك الثورة، وهو جهاز تسييري لم يوجد قطّ في الإسلام السنّي.

وفيما عدى ذلك، فإنّ ما يجب اعتباره في الثورة الإيرانيّة، هو نتيجتها التي أثّرت بقوّة، نظراً إلى التركيز الشديد الذي حظيت به من جانب جميع الحركات النضاليّة في المنطقة، في طريقة تعريف المشروع الأصولي أو إعادة تعريفه من جهة مساندته أو معارضته. فبعد مضيّ ستة وثلاثين عاماً، وهي مرحلة من الزمن تكفي لنتبيّن الأمر بوضوح، يمكننا القول عن بصيرة بأنّ هذا المشروع الأصولي فشل فشلاً ذريعاً([6]). فقد أدّى المشروع الطامح إلى إعادة تشييد مجتمع ديني من فوق، إلى نقيضه، أي إلى تدمير كلّ عناصر بقاء الانتظام الديني في المجتمع الإيراني. ويعود ذلك إلى سبب عميق: إذ يستحيل مزج الدّيني مع السياسة المعاصرة، التي تقيم بالقوّة، مهما كانت إرادة مستخدميها، رابطة بين البشر تُخرجهم من الانتظام الديني. فالرّافعة السياسيّة للدولة الحديثة قد تسمح بإقامة مشروع يهدف إلى تغيير المجتمع القائم برمّته، ولكنّها تؤدّي لا محالة إلى أن يصير هذا المشروع إلى عكس ما يقتضيه الانتظام الخاضع. وباستعارته لغة الانتظام الخاضع بشكل غير واع، ينقلب مسعى استعادة الوحدة الدينيّة القديمة إلى نقيضه، هادماً آخر الأعمدة التي يمكن أن يرتكز عليها النظام المقدّس القديم. وبهذا تُثبت التجربة أنّ الأصوليّة تحديثيّةٌ رغماً عنها.

ومن هذه الزاوية، قد يمكن النظر إلى الثورة الإيرانيّة على أنها أولى العلامات على المسار الذي عبّر عن نفسه راهناً في سلسلة الثورات العربيّة. فقد كانت، هي الأخرى، ثورات قوميّة في المقام الأوّل، ضمن منطقة ثقافيّة يجابه فيها مبدأ الدولة القوميّة، لأسباب دينيّة وتاريخيّة معاً، صعوبات صلبة تحول دون تجذّره([7]). إلا أنّ الضغط البنيوي الذي تمارسه العولمة يدفع نحو ترسيخ الدّول القوميّة، بما لا يُرضي النظرة السّاذجة التي ترى العولمة “هادمة للحدود”. وبغضّ النظر عن هذه العوائق، الدول القوميّة بصدد التجذّر والتطوّر في العالم العربي الإسلامي، وهو ما يمثّل تحدّياً لكونيّة الإسلام ) ولنتذكّر الصراعات التي رافقت تأميم الكنائس المسيحيّة في أوروبّا بدايةً من عصر الإصلاح(، والحال أنّ الحديث عن أمّة يعني الحديث عن تطابق بين السّلطة والمجتمع. وما إن يتحقّق هذا التطابق، حتّى تغدو طرائق تنفيذه أمراً ثانويّاً قياساً بالمبدأ نفسه. ففي نطاق الأمّة، وبمقتضى هندسة بنائها، تنبع السّلطة من تحت ولا تكتسب شرعيّة إلاّ حين تكون معبّرة عن الأمّة. وبهذا المعنى يغدو مسار البناء القومي، بمعنى تكوّن الأمم وتجذّرها على مستوى كوني، دافعاً إلى الديمقراطيّة.

وقد عملت هذه الحاجة الملحّة للتطابق بين السّلطة والمجتمع ما في وسعها لهدم بعض الأنظمة الاستبداديّة التي كانت تبدو مستقرّة بثبات، كما أدّت إلى صعود الإسلاميّين القويّ، إن لم تكن فتحت المجال أمام الجهاديّة المتطرّفة. ذلك أنّ هذه المجتمعات سبق أن تأسلمت ثقافياً جزئيّاً، واصطبغ فيها بالضرورة تعبير المجتمع عن نفسه بالمرجعيّة الإسلاميّة. وهذا ما جعل هذا التطلّع، بالنسبة إلى الإسلاميّين المتطرّفين، يؤدّي بالضرورة إلى مساءلة الإطار القومي الذي انبثق من صلبه، وذلك لشدّة عجز الوعي الأصولي عن قبول الانغلاق في بلدان مخصوصة، إذ يعتبره ارتهاناً للنموذج الغربي وخيانة لرسالة الإسلام الكونيّة. وفي هذا الصدد، تمثّل استعادة الخلافة في خضمّ الانسداد التراجيدي في سوريا، واقعة على غاية من الدلالة([8]). فهي التعبير الأسمى عن المقصد الأصولي، وستكون لها آثارها، مهما يكون مصير هذه المحاولة في استعادة النموذج البكر لزمن النبيّ.

ولا تشي الأسلمة الثقافيّة المستجدّة في المجتمعات العربيّة بأفق شديد الحديّة. فهي، من جهة، أثر عكسي لارتفاع مستوى التعليم، وللانكفاء الهويّاتي الذي يولّده ضغط العولمة، من جهة أخرى. ويوجد تديّن عوائدي يقوم أساساً على الشعائر التعبديّة والطقسيّة، كما هو الحال في مجمل المناطق الدينيّة، لكنّنا نعرف جيّداً أنّ هذه الشعائر، على نحو الصلاة والصوم والحجّ والزكاة والحجاب، لا تستثير سوى مستوى ضئيل من الالتزام الشخصي، وهي تؤدّى بغاية تأديتها لا غير، ولا يتطلّب أداؤها انخراطاً روحيّاً مكثّفاً. أمّا التعليم، وعلى النقيض من ذلك، فهو يدفع نحو تملّك الشعيرة بصفة فرديّة في سياق انكفاء هويّاتي، ويصنع ضمائر دينيّة فردانيّة، وهذا أمر جديد كلّ الجدّة بالنسبة إلى هذه المجتمعات. بل الأكثر جدّة أنّه يستحثّ ضمائر مطبوعة بخصوصيّة هوياتيّة تسعى إلى البحث عن مرجعيّتها في الدّين. ومن باب السّذاجة الغربيّة الظنّ أنّه بارتفاع مستوى التعليم، تنتصر الأنوار وتندحر الظلاميّة والخرافة. فذلك لا يتحقّق بالضرورة في أمد قصير، بل يتطلّب زمناً طويلاً. ففي لحظة أولى وفي سياقات معيّنة، يفتح التعليم السبيل نحو صيرورة فردانيّة عبر تعزيز الالتزام الديني، وهذا مسار كنّا قد شهدناه كذلك في التّاريخ الغربي. فمن عصر الإصلاح إلى عصر الأنوار، لم تكن السّبيل سالكة البتّة، حيث كان على الفردانيّة أن تؤكّد نفسها، في سياق تديّن تقليدي، من خلال الإيمان الشخصي، وهي مرحلة شبه محتومة في مسار الفَردَنة، كما يُبيّن التّاريخ الذي اجتزناه.

وتتّصل هذه الملاحظات بخلفيّة الظاهرة، فلنتناول الآن تعبيراتها المباشرة. لقد انتشرت الأصوليّة في الإسلام السنّي عبر مسلكين. ويتمثّل أكثرهما دراماتيكيّة، ذاك الذي يمسّنا بقوّة، في المسلك الجهادي للحرب الشّاملة ضدّ الغرب الفاسد والمُفسد وممثّليه المحليّين. وهي حرب شاملة يغيب فيها بشكل كبير المشروع السياسي البعيد، بفعل الانغماس في ضرورات الصّراع اليوميّة التي غالباً ما تغدو هدفاً في ذاتها. لكن، بالرغم من أنّ هذا المسلك هو الأكثر بروزاً، إلا أنّه ليس الأساسي. فقد كان المسلك الأساسي للأصوليّة السنيّة مسلك أصوليّة أشدّ تكتّماً وتكثّفاً، هو ما نُصنّفه ببعض التسرّع تحت اسم السلفيّة. لذلك من المهمّ تبيّن العلاقة بين هذين المسلكين، إذ هما متناقضان ومترابطان في الآن نفسه.

وابتداءً، ليست السلفيّة المنحدرة من الوهابيّة (ودعونا نقفز في ذلك على بعض المذاهب المماثلة) سوى ضرب من التقليدويّة المفرطة، ترسّم ديانة نصوصيّة صارمة تشدّد على ممارسة الشعائر. غير أنّ المهمّ في ذلك هو فهم المغزى من هذه النصوصيّة، من جهة دفعها إلى إعادة ترسيخ الانضباط الخاضع، تحت غطاء الوحي. والحقّ أنّ قروناً من النّقد المتواصل للسّلطة غير العقلانيّة قد غيّب مفهوم الوحي عندنا، ولذلك وجب التذكير بدوره من جديد. فالوحي عبارة عن حقيقة منزّلة من السماء لا يمكن للمرء سوى الخضوع لها، وهو حقيقة تنير الرّوح البشريّة عبر التواصل مع الرسالة الإلاهيّة. ولا يتطلّب ذلك مجرّد الخضوع إلى نظام، بل يتطلّب كذلك نشاطاً فكرياً عالياً يُفترض أن يفتح الرّوح البشريّة على العالم الآخر.

وعلى سبيل التنويه، نشير إلى أنّ إعادة تأكيد الانتظام الخاضع هو ما يجعل جميع الأصوليّات، أينما وجدت في العالم، منشغلة بمسائل الحياة والموت. ذلك أنّ الحياة والموت هما موضع العطاء الخاضع، إذ تُوهب الحياة إلى البشر وتُسلب منهم من قبل إرادة تتجاوزهم. وهذا هو الشّكل البدئي من الانضباط الخاضع، ووجه الوجود البشري المتفلّت من إرادة البشر، والذي تنبني عليه فكرة النّظام الخاضع. وقد يمكن القول إنّ الحياة والموت هما آخر ملاذ للانتظام الدينيّ الخاضع، ونقطة الانغراس الأخيرة التي سيبقى التأويل الخاضع للوجود البشري يستمدّ منها طويلاً، إن لم يكن إلى الأبد، قوّةً قاهرة.

لكن، بفعل الرهان الذي طرحه تقدّم الحداثة التي أكسبته معناه، يبدأ قصور التأكيد المتشدّد على الانتظام الخاضع في الظهور بسرعة. إنّه تأكيد عاجز بكلّ بساطة، وهو لا يمنع شيئاً. ومن المؤكّد أن المؤمنين يحافظون على إيمانهم، لكنّ ذلك يترافق بمواصلة المجتمع تطوّره في غفلة منهم منفلتاً بالكامل من تعصّبهم. أضف إلى ذلك أنّ هذا التشدّد، وقد كانت مصر المعاصرة مدار تجربة هذه الرؤية، يترافق عموماً بلامبالاة مستخفّة نسبيّاً تجاه السّياسة.

وهذا هو السبب الذي شجّع النظام المصري، على سبيل المثال، على نشر ضرب من الإسلامويّة الداعية إلى ترك السّياسة وإطاعة السّلطات. ذلك أنّ الديانات التقليديّة، بمختلف ضروبها، لا تحمل رؤية مكتملة عن السّياسة، ولا تختزن عقيدة للنظام الاجتماعي الذي تكتفي بتكريسه وتأييده، وهي لا تنظّر للانتظام الخاضع الذي تكتفي بإقراره عبر تسليم مفاتيحه. فهي ترشد إلى كيفيّة العيش داخل إطار ليست هي من تحدّده، بل هي تفترضه فحسب، حتّى وإن كان إطاراً معدّاً لاحتضان الرّسالة التي تحملها. فأقصى ما يمكنها فعله هو أن تُحدّد نمطاً لاشتغال المجتمع، وتعجز في جميع الحالات عن تحديد إطار سياسي. وفي حالة الإسلام، يتمّ ملء هذا النقص برسالة لا تحمل طابعاً دينيّاً مباشراً، بل تكون في شكل صيغة مؤسطرة لما كان عليه المجتمع الديني الأصلي. وبهذا، فهي لا تطرح عقيدة سياسيّة، بقدر ما تولّد طوبي ماضويّة عمّا كان عليه المجتمع الإسلامي في بداياته. وهذا ما تطرحه الأصوليّة بديلاً عن الرؤية السياسيّة.

وعودة إلى الأصوليّة الدينيّة الخالصة التي تعنينا، فإنّ هذه الحدود، سواء من جهة الضّمير الشّخصي أو من جهة الاشتغال الجّمعي، تفتح المجال أمام مسلك أصولي آخر أشدّ تطرّفاً، وذلك في مستوى الانخراط الشّخصي كما المشروع السّياسي على حدّ السّواء، حيث لا يكفي الالتزام بالشّعائر، ولا المثاليّة التوّاقة إلى الأصول، إذ يتطلّب التحدّي مزيداً من القناعة الفردانيّة وبذل مجهود أكثر منهجيّة في سبيل فرض الرّسالة الدينيّة على الإطار الوجودي الجمعيّ. وبذلك، يفرز عجز الأصوليّة الدينيّة “القاعديّة”، إذا صحّ التعبير، تطرّفاً يتطلّب من أتباعه التزاماً يكون في ذات الوقت فردانيّاً بانخراط أفراده فيه، وسياسيّاً بخوض معركة ضدّ عالم يأتي من الخارج. غير أنّه يستحيل على الأصوليّة السياسيّة امتلاك مشروع سياسي فعلي باستثناء الشريعة الدينيّة التي لا تقول شيئاً في تسعين بالمائة من شؤون الوجود الجمعيّ، وباستثناء هذا المبدأ الفردي لمسار الأصوليّة السياسيّة الذي يؤدّي في النهاية إلى تدمير نظام الانضباط الخاضع الذي تطمح إليه.

وتبقى ملاحظة أخرى، نسوقها باختزال، وتتعلّق بمسألة حسّاسة بالنسبة إلى الوعي الغربي، ألا وهي غياب أو استحالة وجود مشروع سياسيّ يفسّر بحقّ الاهتمام المهووس بوضعيّة المرأة. فمن المعلوم أنّ تراتبيّة الجنسين في الإطار العائلي، داخل الحداثة الغربيّة نفسها، قد مثّلت آخر البصمات الحيّة للانتظام الخاضع. فقد تمّ هدم كلّ التراتبيّات الأخرى، ولم يبق سواها، ولم تنحلّ إلاّ منذ عهد قريب. فما دام هذا الطلل الرّاسخ للانتظام الخاضع قائماً، ونقصد تراتبيّة الجنسين، فإنّه يمكننا أن نحلم باستعادة البقيّة. فإذا تجاوزنا هذه العقبة، فإنّنا سندخل عالماً آخر، أي عالمنا الرّاهن، عالم المساواة المحضة وتوحّد الكائنات البشريّة في طبيعتها رغم اختلافاتها العيّنية، كاختلافات الجنس وما شابهها، وهو بعينه العالم الذي لا ينفكّ يطارده طيف الحساسيّة الأصوليّة. وهذا هو السبب في أنّ هذه القضيّة تبدو للوهلة الأولى، وهذا غريب لكنّه مفهوم، قادرة على التعبئة.

وتبلغ هذه التوتّرات، بين فردانيّة الاعتقاد وانتظام المشروع الخاضع، أقصاها في حالة الشبّان الجهاديّين الذين نراهم يتشكّلون ويعلنون عن أنفسهم بأنفسهم على أرض أوروبّا. إنّهم بتحولهم إلى الإسلام، دون أيّ رابط أصلي يربطهم بثقافة الإسلام، إنّما يعبّرون عن انفصالهم الشخصي والاجتماعي بلغة دينيّة، دون أن يسعوا أصلاً إلى تحصيل أيّة معرفة بالدّين، في مفارقة سبق أن بيّنها أوليفه روا (Olivier Roy) كأحسن ما يكون في كتابه الجهل المقدّس (La Saint Ignorance). ولعلّ المثير في هذه التنويعة الاحترابيّة من الأصوليّة، هو لامبالاتها بالسّلطة الدينيّة، وذلك نتيجة تكثّف الحافز الفرداني الذي يحرّكها. فهي تنتج أشخاصاً لا يهابون الموت في سبيل قضيّة تتيح لهم أن يكونوا أفراداً بإنكار ذواتهم كأفراد. وقد سبق أن عرفنا نماذج أخرى في تاريخنا على هذه الشاكلة. فمن البيّن أنّ هؤلاء المحاربين من أجل بلوغ المستحيل وتدمير الذات هم الأخطر على الإطلاق، لكن ينبغي علينا فهم السبيل التي ينتهجون. فهم يمثّلون أقصى الطيف الأصولي الذي يمكنه كذلك الانكفاء إلى ضرب من التقوى المتصلّبة والمسالمة.

ومنتهى القول أنّ منطق التدمير الذاتي هذا، هو كذلك أملنا. فالأصوليّة هي رغم كلّ شيء، بل رغماً عنها، سبيل إلى دخول الحداثة القهقرى، لكن يجب علينا معرفة موقعها في الحداثة إذا ما أردنا خوض المعركة التي تفرضها علينا بما يلزم من تبصّر. 

الهوامش:

[1] – من بين الأدب الضخم الذي أنتج حول المسألة، تبقى المصنفات الخمسة لمشروع الأصوليّات (Fundamentalisms Project) الذي أشرف عليه مارتن مارتي (Maryin Marty) وسكوت أبليبي (Scott Appleby)، أهمّ مرجع في هذا الشأن.

انظر خصوصاً المصنّف الأول:

Fundamentalisms Observed. Edited by Marty Martin E. and Appleby R. Scott. Chicago and London: The University of Chicago Press, 1991.

[2] – أحيل بخصوص هذه المسألة إلى التحليل الذي اقترحته في كتابي:

À l’épreuve des totalitarismes, Gallimard, NRF, collection «Bibliothèque des sciences humaines», Paris, 2010.

[3]  أعتمد في ذلك على:

Seyyed Vali Reza Nasr, Mawdudi and the Making of Islamic Revivalism, New York, Oxford UP, 1996.

انظر كذلك:

Roy Jackson, Mawlana Mawdudi and Political Islam: Authority and the Islamic State, New York, Routledge, 2011.

[4] – لقد بيّنت باتريشيا كرون (Patricia Crone) هذه المسألة بوضوح في كتابها:

God’s Rule. Government and Islam, New York, Columbia up, 2004.

فنظراً إلى نزول الدعوة المحمديّة في محيط تنتفي فيه الدولة، انبثق الإسلام كجماعة مؤمنين كانت جماعة سياسيّة في الآن نفسه، وهو ما أكّده توسّعه القاهر. ولم يكن هناك من سبب يقضي بانفصال الجماعتين عن بعضهما البعض.

[5]  كان ذلك موضوع المواجهة بين المعتزلة والأشعريّة، والتي خرج منها الأشاعرة منتصرين.

[6] – من أجل مقاربة للثورة الإيرانيّة، انظر:

Mahnaz Shirali, La Malédic­tion du religieux. La défaite de la pensée démocratique en Iran, Éd. François Bourin, 2012.

[7] – وهي صعوبات بيّنها بوضوح علي المزغني في كتابه:

L’État inachevé. La question du droit dans les pays arabes, Gallimard, 2011.

[8] –  Mathieu Guidère, «Le retour du califat», Le Débat, n° 182, novembre-décembre 2014.

(جهاد الحاج سالم باحث ومترجم تونسي.)

(٭ المصدر: معهد العالم للدراسات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق