سلايدرسياسة

بيل جيتس.. أسطورة حقيقية

الفصل الأول من الكتاب (1)

عماد البليك

سنوات التشكُّل

تمثل سيرة بيل جيتس نموذجا لرحلة كفاح لإنسان لم يعتمد على الحظ، ومجرد انتظار الفرص كما يظن البعض أن الأحلام الكبيرة ما هي إلا ضربة حظ تتحقق ذات يوم ما، تنفتح فيه بوابات السماء، ليكون كل شيء ممكنا. فعلى العكس فإن النجاح هو طريق شاق يعتمد على العمل الجاد والصبر والحرص على الدقة، وقبل كل ذلك الطموح الذي يوظف الخيال بهدف الخروج بشيء جديد يخدم الإنسانية. وقد ظل جيتس يردد دائما أن الإنسان عندما يقوم بعمل ما فيه خدمة للناس، فهو سيحقق النجاح دون شك، أما الذي يبحث عن الثروة لمجرد الثروة فهو لن يحقق أي شيء.. أي شيء مطلقا. هذه الحكمة هي التي ترسم مسار وسيرة هذا الرجل، وهذا ما سنسوقه بتروّ في هذا الكتاب.

أما الهدف من هذا الكتاب، فهو استلهام هذه الحياة الحافلة، فنحن في مجتمعاتنا لدينا أناس كثيرون يتمتعون بالخيال الجمّ والصبر أيضا، وكذلك الطموح، لكنهم يفتقدون للتخطيط السليم والقدرة على التجريب العاقل تجاه الظروف، فليست حياة الإنسان كلها طريق سهل، بل هي درب محفوف بالصعاب والعثرات، والإنسان الناجح هو الذي يقدر على أن يحول كل لحظة ضعف إلى قوة جديدة يوظفها لصالح مشروعه وإلهامه، وهذا ما كان يفعله بيل جيتس.

ورغم أن هناك العديد من الكتب التي نشرت عن حياة هذا الرجل، إلا أن معظمها باللغة الإنجليزية، وهذا يعني أنها رغم كونها مهمة بالطبع، تفتقد للتقاطع مع الحياة التي نعيشها في العالم العربي بشروط أخرى للحياة تحتاج منا الاستفادة من مثل هذه التجارب بإعادة النظر فيها بأسلوب علمي ومعرفي، وبما يتقاطع مع سيرة وجودنا وشروطها في هذه البقعة من العالم ذات الخصائص المختلفة. وهذا يعني أن التجارب لا تسنتسخ كما أن حياة فرد لا يمكن أن تتكرر أو تعاد بذات الطريقة في حياة فرد آخر، فكل شخص يرسم طريقته الخاصة والمتفردة، عبر خياله الذاتي وطموحه المختلف، وبالضرورة لابد له أن يستفيد من حكمة الآخرين وما حققوه في هذا العالم، لاسيما حياة رجل كجيتس.

ومن الكتب التي يمكن الإشارة لها، والتي تعتبر مرجعية في حياة جيتس، كتاب (بيل جيتس إمبراطور عصر المعلوماتية) لمؤلفه روبرت هللر، وهذا الكتاب تمت ترجمته إلى اللغة العربية، وقد ترجمه محمد حسن شموط ونشر سنة 2005، عن طريق مكتبة العبيكان. وفي الكتاب عمل المؤلف هللر على تحليل ما اسماه بالمهارات الكامنة وراء عبقرية بيل جيتس، وقدم من خلال الكتاب سلسلة دروس متميزة تظهر للقارئ كيفية استعمال (تكنولوجية) عبقرية للوصول إلى النجاح باستلهام سيرة جيتس.

يستعرض هللر سيرة جيتس، ومن ثم يكشف لنا كيف أنه استطاع أن يغتنم الفرص ويجعلها شريكة له في مشوار نجاحه ومغامرته في الحياة العملية، ويقدم لنا قراءة في صفات ومواصفات الإنسان الناجح، من خلال سيرة جيتس، مثلا: كيف يكون التركيز على الأهداف، وكيف يتفوق الفرد على الظروف وأشكال المعارضات التي يمكن أن تهدد مسار حياته وتحرمه من الاقتراب من الطموح، كما يعلمنا كيف نتحكم عن طريق أسلوب التعاون في بناء العقل الكفؤ الذي يعرف كيف يجعل الوجود منظومة ذات إيقاع وتناسق يصب في سبيل تهيأة الأشياء لخدمة مشروع الإنسان وصياغة (أسطورته الشخصية). وبالنسبة لرجال الأعمال فهم سوف يجدون في أفكار مللر المستوحاة من أفكار جيتس بعد تحليلها، طرقا جديدة للنظر إلى ماهية السوق وإدارة الأعمال بشكل غير تقليدي، وبالتالي الخروج إلى نتائج غير متوقعة من خلال المتوقع، وفق القاعدة: أن تكون لديك قرارات ثابتة، وأن تتعرف على الأخطاء وتتفادها وتتعلم منها، وأن تبقى دائما في الواجهة الأمامية للعبة كمتمرس ذهني قادر على التفكير بسرعة و(السير بالمقلوب) لرؤية العالم بنحو جديد.

بمثل مبادئ قد تبدو بسيطة وسهلة لمن لا يجربها – حيث يكون التنظير أسهل من التطبيق لاسيما لمن يتمتعون بالخيال ويعجزون عن تحويله لمجسمات وإنجازات ماثلة للعيان – بمثل هذه المبادئ يكون الانطلاق من المهام البسيطة إلى المعقدة، لنجد أن حياة الطفل الحالم الذي هو جيتس، والذي ظن والداه في فترة أنه مريض نفسيا، كيف بإمكانها أن تتحول إلى حياة أغنى رجل في العالم، بل حولت الرجل إلى أخطر ظاهرة في مجال الأعمال والتجارة الحديثة وربما على مدار التاريخ الإنساني. فوفقا لقائمة مجلة فوربس لأثرى أثرياء العالم، حصل بيل جيتس على الترتيب الأول بين عامي 1995 و2007 وتقدر الآن ثروته بـ 58 بليون دولار أمريكي. ولكنه في عام 2008 تراجع ترتيبه إلى المركز الثالث.

وقد تنامت ثروة جيتس وفقا لفوربس من 315 مليون دولار في سنة 1986 إلى 58 ليون في 2008، وقد صنف لأول مرة كأغني رجل في العالم في سنة 1995 عندما بلغت ثروته 14.8 بليون دولار. وكانت ثروته قد شهدت هبوطا من 63 بليون في سنة 2000 إلى 58 بليون في 2008، وذلك بسبب انخفاض في قيمة الأسهم في الأسواق المالية العالمية، ما بعد المتغيرات الدولية إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في 2001، والمشروع الأمريكي في القضاء على الإرهاب والحروب في أفغانستان والعراق.

من هو جيتس؟

اسمه وليام هنري جيتس الثالث، وبالإنجليزية يكتب الاسم William Henry Gates III، وقد ولد في مدينة سياتل Seattle الأمريكية في الثامن والعشرين من أكتوبر سنة 1955، والتي تعتبر أكبر جزء في ولاية واشنطن، وهي من مدن شمال غرب الولايات المتحدة وتطل على المحيط الهادي. وهي مدينة مهمة في الغرب الأمريكي، لاسيما في مجال التجارة وتبادل السلع مع الدول الأسيوية خصوصا. ويبلغ عدد سكانها بحسب آخر تقدير في 2005، حوالي ستمائة ألف نسمة، أما مساحتها فهي حوالي أربعمائة ألف كيلومتر مربع. ويرجع تاريخ هذه المدينة إلى العقد الخامس من القرن التاسع عشر. 

في هذه المدينة ذات المناخ المعتدل والخضرة الكثيرة ولد جيتس. ليقضي طفولته بين الخضرة وتحت الأمطار التي تهطل على المدينة في معظم السنة، وكان أن تمشى في شوارع المدينة التي عرفت باسم (مدينة الزمرد)، إشارة إلى جمالها وروعتها وثروتها الباذخة خصوصا في الطبيعة الساحرة.

معرفة البيئة التي نشأ فيها بيل جيتس أمر ضروي، فعلماء النفس يذكروننا دائما بأن البيئة التي يولد فيها الإنسان وينشأ فيها هي جزء من مكونه الذهني وهي بالتالي لها انعكاساتها على باقي مسار حياته، ورغم أن هذا الأمر فيه الكثير من الجدل، لاسيما في بعض العلوم الأكثر حداثة، إلا أن الثابت وعبر التجارب البشرية، أن البيئة هي أحدى العوامل الهامة في رفد الذات بمكوناتها وعالمها الاجتماعي والثقافي.

وبالرجوع إلى بناء مدينة سياتل التي ولد فيها جيتس، سنجد أنها مدينة تجمع بين الصناعة والتعليم الراقي، ففيها تقع جامعة واشنطن التي توصف بأنها من كبرى الجامعات الأمريكية العامة، هناك أيضا جامعة سياتل المسماة باسم المدينة، وهي جامعة ذات طابع كاثوليكي تأسست منذ أكثر من قرن في عام 1891. وهذا يجعل المدينة ذات تاريخ علمي راسخ منذ وقت مبكر، قياسا لعمر الولايات المتحدة التي هي في الأصل دولة حديثة، لا يتجاوز عمرها الحقيقي الخمسمائة سنة، فيما لا يتجاوز عمرها كواحدة من علامات الديمقراطية والحرية والرأسمالية ثلاثمائة سنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق