سياسة

شاهد عيان في التحضير لمحكمة العَبِيد

د. ياسر أبّشر (فرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكيّة)

احتجت جنوب افريقيا وبورندي وليبيريا على استهداف المحكمة الجنائية الدولية للأفارقة وقال عنها موسفيني وقادة آخرون إنها أقرب لأداة سياسية للاستعمار الجديد. وبما أن هؤلاء الغربيين ينظرون لنا باحتقار وينادوننا بالأمس علناً واليوم سراً Niggers فقد أنشأوا محكمة لنا نحن ” العبيد „، واستثنوا منها أنفسهم وجنودهم وما كانوا يفعلون!

أثار مقالي الذي كان عنوانه ” محكمة الكَجِمْ الدولية ” تفاعلاً كبيراً منه أن زارني صديق بمنزلي مفيداً أن أحد أقربائه عمل مع منظمة غربية بدارفور وأن لديه معلومات سرية يريد أن يبوح بها، معتمداً على ثقته في كوني صديقك. ويشترط أن تتم المحادثة بينكما عبر هاتفي وبحضوري وأن أكتم اسمه وكذلك أن أعرض عليه ملخصي لإفادته أدلف فيها مباشرةً للموضوع في مقال يطلع عليه ولا ينشر إلّا به موافقته وبالكيفية التي يراها هو مناسبة.

بالطبع وافقت. وها أنا ذا أنشر ملخص إفادته كما وافق عليها هو:

لدى زيارة كولن باول وزير خارجية اميركا لإحدى عواصم دارفور، اصطف على جانبي الطريق من المطار إلى المدينة بعض الناس ، اتخذ كل منهم ( ضلالة ) من كيس سكر أو خيشة تقيه حر الشمس. قال لي صديق أمريكي أن أحد الدبلوماسيين الأمريكان في سفارتهم بالخرطوم تقصى السبب فقيل له إنهم قالوا أن بعض قادة الحركات المتمردة يومها طلبوا منهم أن يصطفوا ويقولوا إنهم تعرضوا لإبادة جماعية ،  وعلى ذلك فأن وزير الخارجية الأميركي سيوزع لهم نقوداً !!!!

قال صديقنا (ع . ع ) الذي عمل فترة في منظمة غربية في دارفور إن المواطنين يقيمون خياماً في المعسكرات في دارفور لكنهم يسكنون في منازلهم بالمدينة أو القرى المجاورة. وقال إن مجرد وجود الخيمة تكفي لتوزع له إغاثة حتى وإن لم يكن نازحاً.

وآخرون يغادرون منازلهم صباحاً لا ليتوجهوا لعمل وأنما ليتوجهوا للمعسكرات حيث الطعام.

وفئة ثالثة أجّرت منازلها ليوناميد UNAMID ، واستأجرت منازل أقل قيمة أو نزحت لتقيم في معسكرات النازحين.

قال ( ع . ع ) إن من سماهم ” مزوري الخيام ” لا يبدو عليهم حياءً من كذبتهم ، مثلما أن رؤساءنا في منظمات الإغاثة أو يوناميد  لا يبدو عليهم أي استنكار للكذب  ، فالطرفان  رابحان من استمرار مشكلة دارفور ، أي أن المعايير الأخلاقية انتفت وما تبقى فقط هو معيار الفائدة والمصلحة !! وتلك هي خسارتنا.

كانت ميزانية يوناميد أكثر من مليار دولار في العام، وكان هذا المبلغ كافياً لتنمية دارفور  لكن أصحاب المصلحة يفضلون استمرار الأزمة فذلك يضمن استمرار تدفق الدولارات ، وكنت استمتع إذا دعيت لوجبة في معسكرها. هناك ما لذّ وطاب. وكان اندماجي في كل الأصعدة سريعاً وسهلاً فقد ساعدني لوني وكنت أدعي أنني أصلاً من قبيلة التنجر ولكنني مولود في الحاج يوسف ولم أزر دارفور إلا حين انضممت للعمل في المنظمة ، وكوني من التنجر كما قلت لهم  وفر لي ذلك ثقة الغربيين وأولاد دارفور.

يضيف (ع. ع ) شهدت مؤامرات عديدة.  شهدت تنازل موظفي المنظمات من سياراتهم لجنود الحركات بل ولضباط الجيش التشادي الذين كانوا يعبرون للنهب. وكذلك تتنازل يوناميد عن مركباتها لجنود الحركات المسلحة.

يوماً زار  سفير أميركي لا أذكر اسمه الآن معسكر ( مريسة مافي )  – غُيّر اسمه فيما بعد – حيث جرت مسرحية ساذجة عن قصص اغتصاب نساء . التفت السفير لشخص كان معه وسمعت هذا يقول للسفير بصوت منخفض بالإنجليزية I don’t buy this shit ” أنا لا أصدق هذا الهُراء ” أنا شخصياً أعتقد أن تلك المسرحية لم تمر على السفير.

وأخطر ما شهدته كان التجهيزات للمحكمة الجنائية الدولية التي بدأت بتزوير أعداد النازحين في المعسكرات والتي ساهم في تضخيمها العمد والقياديون القبليون. وكذلك تزوير أعداد اللاجئين في تشاد.

كان عدد اللاجئين لتشاد فقط 109 ألف لاجئ في كل معسكراتهم. لكن المنظمات وخاصة منظمات الأمم المتحدة (نفختها) بمئات الألوف. وكانت التبريرات المعلنة لنا نحن الموظفين أن هذا هو السبيل الوحيد لتأمين تدفق الأموال والتبرعات للنازحين واللاجئين. واشترك في هذا التضخيم مباشرةً اليساريون من أبناء (دار صباح) الذين  كانوا يعملون في المنظمات وفي يوناميد ، واشترك بحماس أشد أبناء  دارفور الذين كنت أعرف تعاطفهم مع الحركات المسلحة، وكان  هؤلاء يتحدثون بكراهية مخيفة عن ( الجلابة ) .

شهدت كيف تمت المبالغة في اعداد القتلى منذ السنة الأولي للصراع، حتى بلغوا بهم 300 ألف قتيل . ودارت المنظمات وأجهزة الإعلام الغربية بهذا الرقم حتى كرّسوه   بالدعاية في الأذهان فأصبح رقماً مسلماً به . والغريب أن رقم 300 ألف قتيل هذا ظل ثابتاً منذ تلك السنة الأولى إلى اليوم !!!ولم يسأل أحد عن مكان المقابر الجماعية Mass Graves ، رغم أنه يستحيل عقلاً إخفاء هذا الرقم من القتلى  .

المهم كذلك لم يسأل أحد لماذا نزح من نزح للمدن وكامل السيطرة فيها للحكومة المتهمة بقتل مئات الألوف ؟؟؟؟

قال لي ( ع. ع ) ، ذات يوم جاءني أحد هؤلاء العاملين معنا من أبناء دارفور وقال لي : إننا سنصعد موضوع دارفور لدرجة لن يتخيلها ( الجلابة ) ولا رئيس الجلابة وسنذهب به لمجلس الأمن واتفقنا مع غربيين لتصعيده حتى المحكمة الجنائية الدولية . وأضاف الرجل: جهزنا عدد من النساء ليقلن إنهن تم اغتصابهن أثناء خروجهن من القرية لجمع الحطب . وجهزنا عدد من الرجال للشهادة على عمليات قتل جماعية. وان تسجيلات بالفيديو جرت مع كل أولئك. ونريدك أن تشترك معنا لأن الخواجات يعرفونك أكثر منّا ويحبونك.

اضاف ( ع . ع ) : كنت أعرف أن أكثر هؤلاء النسوة الدارفوريات لبراءتهن لا يعلمن المعنى الحقيقي لكلمة اغتصاب.

ولطمأنتي  قال لي الشاب إن  لدى مدعي المحكمة الجنائية الدولية ( برنامج حماية الشهود ) ، وهذا البرنامج سيوفر لك لجوء لبلد غربي  أنت وأسرتك وإقامة حتى بداية المحاكمات في المحكمة الجنائية الدولية . وأضاف: سترتاح من هذه البلد ( الكارثة ) ، انت وأولادك وسيدرس أولادك هناك حتى الجامعة وتضمن لهم مستقبلاً جيداً.

يقول (ع.ع ) إنه انزعج جداً واضطرب لكنه أبدا رباطة جأش ، وألهمه الله ان يعتذر بأن أبيه  رجل كبير في عمره ومريض ولا يستطيع ان يغادر السودان لهذه الظروف  الشخصية . وليطمئن الشاب أنه سيكتم سره ليتجنب شره أوصاه أن يكون حذراً جداً في الحديث عن هذا الأمر الحساس .

بالفعل أخذوا من سموهم الضحايا والشهود لشرق تشاد وهناك جرى تلقينهم ما سيقولونه بإحكام ودقة شديدين وجرى ” تزييتهم ” . ومن هنا دارت عجلة الاتهامات مع حملة إعلامية مدروسة ومحكمة فيما تأكد لي بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق