سياسة

خارج المتاهة

حمدوك ... آن أوان الرحيل

محمد عتيق

مثل ملايين السودانيين تفاءلنا بالسيد عبدالله حمدوك رئيساً لحكومة الثورة، وقبل ذلك اعتبرنا التفاوض مع المجلس العسكري (اللجنة الأمنية) أمراً مفيداً لاستقرار الوطن، لاستكمال الثورة وضمان تدرجها ..

ومثلهم تفاءلنا بالأحزاب السياسية التي ائتلفت في إطار “قوى الحرية والتغيير” وقبلنا بها قائدةً للثورة ومرجعيةً لحكومتها الانتقالية وحاضنةً سياسيةً لها، (وقد أيدناها في اختيار حمدوك) أن تمده بالخطط والبرامج وتسمية الوزراء لحكومته ..

وفي ذلك كنّا قد تنازلنا عن رؤيتنا الأساسية: أن يكون رئيس الحكومة سياسياً مناضلاً استضافته بيوت الاشباح مثلاً، وأقبية التعذيب، وقد خبرها تماماً و (خبر) مداخل ومخارج أهل النظام الساقط (شفت وصعلوك، من باب المدح في صيغة الذم)، وكذلك الوزراء أن يكونوا سياسيين، كفاءات مهنية وحزبية في نفس الوقت حتى لو كانوا من حزب واحد، المهم؛ رجال ونساء، مناضلين ومناضلات وذوي كفاءات (لا وقت ولا مجال للمحاصصات)، وكان في ذلك ترسيخ عملي لما نفتقده من قيم الصدق والإيثار والثقة المتبادلة بين أحزابنا .. تنازلنا مؤقتاً عن أن نرى كل فاسد ومجرم من أهل النظام الساقط وحلفائه ومؤيديه (عقيدةً أو مصالح)، أن نراهم خلف القضبان وقد انعقدت لهم المحاكم الثورية العادلة …. وغير ذلك من أحلام الثورة وشبابها ..

وفي كل ذلك لم نتوقف كثيراً أمام الأسئلة المنطقية الملحة: من أنت ومن الذي عمل بمكر وهدوء على تخدير الثورة وقواها من الشباب والأحزاب لتتلقف اسمه ورسمه أملاً وعنواناً للمرحلة دون سابق معرفة، ولا عن الوزراء الذين جلبهم معه وفرضهم على الثورة بالضد من رغبة قوى الحرية والتغيير وترشيحاتها ..

ثم سكتنا على السلوك الأخطر بمعايير الارض والسماء، معايير الدنيا والآخرة؛ عندما أنكر (كذباً) معرفته بلقاء البرهان/نتنياهو وموضوع التطبيع .. وسكتنا كذلك على الانصراف عن تنفيذ التكليفات الدستورية بتكوين المفوضيات المذكورة في الوثيقة وتأسيس المجلس التشريعي و..و…الخ.. ثم على صمته واستسلامه للخروقات الدستورية؛ أمام ناظريه راح المكون العسكري، باسم المجلس السيادي، يعبث بالوثيقة الدستورية وينتزع الصلاحيات من الحكومة ويتغول على كل شيء في تناغم واضح مع أرباب النظام الساقط ودولتهم الموازية وأحلامهم، إذ هم، وبعد أن اختفوا ذعراً أمام هدير الثورة، خرجوا تباعاً على إيقاعات الضعف البائن والتردد المرسوم ..

  وصمتنا لنتعلم منه كيف نخوض معركة شطب اسم بلادنا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، نتعلم كيف نخضع لبلطجة وابتزاز إدارة ترامب؛ نشتري ملايين الدولارات من السوق الأسود فنصفع عملتنا الوطنية لسداد تعويضات لا علاقة لثورة وشعب السودان بها، ونوافق على التطبيع مع الكيان الاسرائيلي/العنصري/المغتصب ونذهب في ذلك إلى حد إلغاء قانون مقاطعة “اسرائيل” دون وجه حق وفي فترة انتقالية لا سلطة منتخبة ولا برلمان ..

والسلام – جوهرة أهداف الثورة – والذي اعتقدنا أنه أصبح في متناول الأيدي؛ إذ حركات الكفاح المسلح جزء أصيل في نسيج الثورة، والأهل في مناطق الحروب وفي معسكرات النزوح واللجوء هم وجه الثورة المرسوم في شعاراتها ” يا العنصري ومغرور ، كل البلد دارفور ” .. هرب هذا السلام – أو تم تهريبه – إلى الخارج وخرجنا خلفه ، من عاصمة إلى أخرى في دول الإقليم ، جبهةً ثوريةً ، خالقين له مسارات لبقية أرجاء السودان بدلاً عن حركتين مقاتلتين أخريتين في دارفور وجنوب كردفان (عبدالواحد والحلو) ، وعاد ليخلق وظائف جديدة في مجلسي السيادة والوزراء وفي مجلسٍ جديدٍ جاء معه باسم (شركاء الفترة الانتقالية)  في محاولةٍ لإعطاء المكون العسكري شرعيةً في صفوف الثورة (وربما تدشيناً لتحالف إقليمي/قبلي بين قاتل ومقتول ، ربما) … بالصمت والاستسلام للخروقات اهترأت الوثيقة الدستورية ، وجاءت “اتفاقية السلام” لتقضي عليها فتسود وتعلو ..

والطرف الأهم في بناء الديمقراطية واستدامتها، الأحزاب السياسية، ازدادت ضعفاً على ضعف، وتشرذماً على تشرذم .. فقد سبق له أن رفض برامج اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير وكل مقترحاتها بشأن دولة الرعاية الاجتماعية (بل وأنكر استلامها) مما خلق وضعاً غريباً ونادراً: أحزاب تتحالف معه وتكون جزءاً من حكومته باسم قحت بينما أصبحت اللجنة الاقتصادية لقحت مركزاً من مراكز معارضته ومقاومة سياساته ..

  ومع ذلك ظللنا على دعمنا للدكتور حمدوك على الأقل بالنقد الموضوعي البناء لكي لا تختلط الأوراق والمواقف .. فقد أشرنا إلى أنّ ضعف وتردد الحكومة قد أغرى أركان النظام الساقط ودولته الموازية أن تظهر وتكتسب جرأةً (لم تكن لها) وتنتظم في معارضة الثورة بكل إمكانياتها ونفوذها الاقتصادية والأمنية والمصرفية والإعلامية وفي الخدمة المدنية ، إلى أن أتانا السيد حمدوك بمطالب وشروط صندوق النقد والبنك الدوليين – مما لا نحتاج تفصيلها – والتي أحالت حياة الشعب والوطن إلى قطعة من الجحيم تفرض علينا رفع شعار تغيير رئيس الحكومة الانتقالية مدخلاً لاستكمال مهام التغيير الثوري ، وليس (إسقاط) كما تقول أبواق النظام الساقط ، وواضحٌ الفرق بين الدعوتين ..

  فلتكن المليونيات ومسيرات الثوار (في ٣٠ يونيو ٢٠٢١ وغيرها) للصعود بثورتهم، ذات أهداف ومطالب محددة، مرسومة بدقة ومتناسقة طرداً مع القوى والإمكانيات الذاتية المتوفرة: لا مانع من التعامل والتعاون مع المؤسسات الدولية والإقليمية ولا مع الدول الكبرى في أمريكا وأوروبا ولكن دونما خضوع لشروط، فقط بالسيطرة على مواردنا في ظاهر وباطن الأرض وقدراتنا الإنتاجية..

يا جماهير الثورة وقياداتها الشابة في لجان المقاومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق