سياسة

سفينة بَوْح

إنقاب يوليو ١٩٧١!

هيثم الفضل

من ضمن (التغييرات الأخلاقية والقيِّمية) الكُبرى أو الإستراتيجية التي يجب أن يتم إرسائها بعد ثورة ديسمبر المجيدة ضمن ملحمة بناء السودان الجديد (بمفاهيمه ومبادئهُ الجديدة) ، أن تستوعب كل القطاعات الرسمية وغير الرسمية وفي مقدمتها المؤسسات العسكرية والأمنية وكافة المؤسسات والهيئات المدنية وفي مقدمتها القطاع الإعلامي الذي يعتبر رأس الرمح في ترسيخ القيم  والمبادئ الديموقراطية ، أن كل (انقلاب) عسكري أياً كانت ظروفهُ وشعاراته ومبررات وقوعهُ ، هو بالنسبة لمبادئ المسار الديموقراطي والحكم المدني (رجسٌ) من عمل الشيطان و(خيانة) عُظمى لا تُغتفر ، حتى لو كان موجَّهاً ضد نظام عسكري وشمولي ، لأن ترسيخ فكرة التخلُّص من الديكتاتوريات عبر أداة الانقلابات العسكرية (أنكى وأقبح وأكثر إضراراً) بالوطن والمواطن من أن يستمر الحكم الشمولي مدةً أطول إلى أن يسقط بالفعل الثوري السلمي والمدني مهما كانت التضحيات والخسائر ، فترسيخ قيَّمة ومبدأ تجريم الانقلاب العسكري من وجهة نظري يستحق (تحمُّل) المعارضة التي ترفع شعار الديموقراطية المزيد من سنوات النضال المدني والسلمي ، خصوصاً وأن طبيعة الكون وما جرت عليه طبيعة الأشياء منذ الأزل كانت نتيجتها دوماً نُصرة الحق و انزهاق الباطل.

من العار أن يحتفي التلفزيون القومي بانقلاب 19 يوليو 1971 ، الذي نظَّمه الحزب الشيوعي السوداني وراح ضحيتهً ثُلةً من خيرة أبناء الوطن ، فقدتهم الأمة السودانية قبل أن يفقدهم الحزب الشيوعي ، عبر تلك المغامرة التي كادت أن تؤدي إلى تشظي الوطن وانفلات وحدته الشكلية والضمنية على الصعيد السياسي الداخلي ، ثم كادت أن ترهن إرادته السيادية وتضعها بين مخالب القطب الاشتراكي الشرقي ممثلاً في الإتحاد السوفيتي آنذاك ، ورغم العنوَّنة التضليلية لذلك الانقلاب الكامل الدسم تحت مصطلح (حركة تصحيحية) ، يظل المبدأ متناقضاً ولا يتناسب مع الشعارات التي كان وما زال يرفعها الحزب الشيوعي السوداني والمتمثلة في إقراره بمبدأ الديموقراطية والحرية والعدالة والتداول الديموقراطي والسلمي للسلطة ، رغم ذلك كنت أتوقَّع أن تعتبِر (الذاكرة المؤسسية) للحزب الشيوعي ذاك الانقلاب المأساوي في نتائجهِ ، واحداً من الأخطاء الإستراتيجية التي أقرتها الهيئة المركزية للحزب الشيوعي ، وإن كان لا بد من (استعادتها) كذكرى تاريخية ، فإن ذلك يجب أن يكون من باب ممارسة النقد الذاتي وتحليل الأخطاء الناتجة عن القرارات غير الصائبة من باب (تصحيح المسار) داخل أروقة الحزب وهيئاته التنظيمية المسئولة عن تدبير ذلك الانقلاب.

ومن باب العدالة والحيادية القومية فإن تلفزيون السودان غير معني بتوثيق تاريخ وملابسات وقائع الفعاليات السياسية والنضالية للأحزاب السودانية ، لكنه في ذات الوقت معني بإبراز نضالات كل السودانيين من كافة الأحزاب ومعهم كافة  المستقلين من الطلاب والنقابيين والمهنيين بما فيهم الشهيدين هاشم العطا وعبد الخالق المحجوب ، ولكن من منظور (قومي) يشمل الاحتفاء بهم ، وكذلك عرض (أفضل) ما قدموه من تضحيات ونضالات من أجل الوطن ، وبالطبع فإن في خضم ما قدمهُ عبد الخالق محجوب وهاشم العطا من تضحيات ونضالات وطنية ،  لم نجد أسوأ ولا أنكى مما قاما به من مجهودات في ذلك الانقلاب المشئوم ، والذي كانا أول ضحاياه وأفدح خسائرهُ التي تكبَّدها السودان وشعبهُ الصابر ، وكما قلنا سابقاً فإن الحق آتٍ لا محالة دون حوجة لسفك الدماء والمُغامرة باستقرار الوطن ، والدليل أن نظام مايو الفاشي وطاغيته النميري ذهبوا إلى مذبلة التاريخ عبر حراك ثوري شارعي (مدني وسلمي) في أبريل 86 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق